«أكثر من حياة» لا عشيقات ولا نذل: تقنيات الصخب والعنف في رواية كمال الرياحي «عشيقات النذل»

ريم غنايم
Diapositive1

«من الضروري أن نأخذ مأخذ الجدّ تلك الفرضية التي ترى أن الإفراط في الخيال هو وحده الذي يؤدي إلى إدراك عمق الواقع». (أنري لوفيفر).

ترتهنُ التجربة الإبداعية بالاعتراف بأنّ كل محاولة للخروج من رحم الأشياء الجاهزة لا بدّ وأن تكون ذات نزعة رهانيّة تخريبية لا تقبلُ النّسخ والاستنساخ. نزعة تميل نحو النشاز وترفض الانسجام الظاهري بين الإنسان وبداهاته الفطريّة ليثيرَ تساؤلات حول مكانة الابداع في سياق اليوميّ والمرئيّ. في هذا السياق، يقتحم الروائيّ التونسيّ كمال الرياحي المشهد الروائيّ العربيّ برشاقة، عبر روايته الصادرة مؤخرًا بعنوان «عشيقات النذل»، ويجترحُ مفهومًا مختلفًا للكتابة ودورها، ويهشّم بشيطانيّة مفاصل «الكتابة الوسطيّة» الآمنة بأفكارها ومقاصدها.

يحلّ الاستبداد والعنف والشرّ أبطالاً في الرواية، ويغدو كلّ ركنٍ فيها مصبوغًا بالعنف: اللاوعي العنيف، الغرائز العنيفة، الخيال العنيف الموجِّه لأحداث الواقع، واللغة الروائيّة الموغلة في العنف والشرّ على بساطتها وخفّتها. هنا، يُموضع الرّياحي روايته في حيّز التلقائيّة المركّبة. هذا الحيّز الدّقيق الذي تبدو فيه الكتابة عملاً طريفًا وعفويًا وسهلاً، لكنّها في باطنها كتابة مركّبة تشبه خيوط بيت العنكبوت تتناولُ قضايا من العيار الثّقيل تسقط فوق الرأس وتهشّمه براديكاليّتها. يدرك القارىء مع عتباتها، فائضًا في المعنى إلى حدّ التفسّخ، وفائضًا في الخيال إلى حدّ الإبهام حيث يغدو الإفراط في استخدام الخيال إفراطًا في فهم الواقع. لذا، لا تدور رحى هذه الرواية حول عشاق وأنذال كما يوحي عنوانها، بقدر ما هي رواية في تكنيكات الخيال والمراوغة تُحدِثُ توتّرًا بين القارئ والأحداث المبنيّة على هيئة لعبة تركيبيّة. يكسر الكاتب من خلال هذه اللعبة مفهوم الحقيقة ومفهوم الأخلاق بل ويتحاشى التآلف معها. تتماهى كلّ شخصيّات الرواية، بنسائها ورجالها، مع العنف الخلاق، هذا العنف الذي يخلقُ نفورًا من قبل القارئ تجاه الرواية ومنطق أحداثها. يلامس العنف هذا الواقع ويفضح تماسكه السّطحيّ ويشظّي وحدته وانسجامه: الحبّ، الخيانة، الزّوجيّة، الأمومة، الأبوّة، الصّداقة، الشرّ، الخير وما إلى ذلك من متواليات مفلسة.

معماريّة الرواية وآجرة سنمّار
تنبني الرواية على مبدأ الانتقال من الحبكة الواحدة إلى الحبكة المتعددة. لكنّ التنقّل بينها، مشروط بعقد سرّي بين القارىء والكاتب، قوامه الاعتراف بأنّ البنيان الكامل للرواية يقوم على افتعال فكرة من الخيال هدفها اقتناص الفرصة لتعمير نصّ متنوّع الدلالات. هذه الفكرة هي هلوسات البطل التي يبني من خلالها شخصيّات وأحداث وجرائم تتأرجح بين الصّدق والكذب. الخيال هنا هو المعادل الروائيّ لمنطق الكاتب المشوب بالقلق تجاه الواقع وظاهره. كلّ محاولة لرفض قوانين اللعبة من قبل القارىء والإشارة الى هذه الآجرة منذ البداية، تعني انهيارًا تامًا لهذه المعماريّة السّاحرة المتكاملة.

كمال اليحياوي كاتب وسيناريست مشهور له ابنة في سن المراهقة ويعاني من علاقة إشكاليّة بزوجة ذات نفوذ بورجوازيّ. يقع في حبّ حياة، «الفام فاتال» المحوريّة في الرواية، امرأة متزوجة قاتلة بجمالها ونعومتها وجاذبيّتها الجنسيّة. يتواعد الاثنان في مطعم، وتعترف حياة له بأنّها حامل من زوجها. «هل ستبقى معي؟» هو سؤال القفل والمفتاح في هذه الرواية منذ البداية وحتى النهاية. يبدأ الراوي الكاتب الشهير كمال اليحياوي رحلته البيكارسكيّة وفضح باقي المؤدّين من لحظة الاعتراف بالحمل الوهميّ. نكتشف في الطريق أنّه على علاقة جنسيّة هامشيّة بامرأة أخرى هي هند التي تساهم في شهرته كسيناريست عبر شبكة علاقاتها مع المخرجين وأصحاب النفوذ في المجال. ثمّ نكتشف عبر فيض التفاصيل الطريفة والعبثيّة، علاقة الراوي الاشكاليّة بزوجته ناديا، سيّدة مجتمع ذات نفوذ كانت أيضًا سببًا في شهرته، وقع في حبها منذ أيام الدراسة، تزوّجت قبله من غريمه الذي يحمل الاسم نفسه (كمال الريحاني)، وأنجبت طفلة، هي سارة، يتضح فيما بعد أنها ثمرة زواجها الأوّل وأن الكاتب لم يكن والدها وأنّه ليس إلا شخصيّة عقيمة معطّلة ومحيّدة.

تقيم ناديا علاقة سريّة مع حسن ستيلا، حسن صديق لدود من أيام الدراسة، ويتّضح أيضًا أنّ «بوخا»، المخبر المجرم، يعمل لحسابه وحساب ناديا. نكتشف في الطريق إلى الإجابة على السؤال المتردد في الرواية «هل ستبقى معي؟»، أن الكاتب البطل يتناول دواء يثير الهلوسات. يقرر الكاتب الشهير الانتقام من كمال الريحاني، الأب الشرعيّ لسارة والذي عاد بعد سنوات يطالب بابنته وزوجته. يستأجر خدمات القاتل بوخا ليستأصل الكبد، ويدعو حياة لتناول الكبد على وجبة عشاء، وتفعل حياة. لكنّنا ما نلبث ان نكتشف أن ذلك كان حلما، وأن الصحف تخبر عن موت الصحفي كمال الريحاني في حادث مرور غامض. هنا نواجه الموت الغامض الأول في الرواية. في هذا الوقت، تظلّ تتردد في الرواية حكاية القبو والفئران. ثمّة من يطارد الكاتب ويهدده وثمّة من يطالبه بالمزيد من المال. تخرج من خلف الستار الابنة سارة ليشكّل الموت الغموض الثاني، والتي تفكّ رموز الرواية في رسائل عنيفة توجّهها إلى والدها المشكوك فيه. ينكشف أمامنا الانهيار الأسريّ، وعلاقتها الغراميّة بحسن ستيلا الذي يفضح أمامها سرّ القبو والفئران أو الأفراد الذين يستأجرهم الكاتب ككتاب في الخفاء، واعترافها بفسادها وبِحَملها (الذي لا نعرف تماما أهوَ من ايفو أم من حسن)، ثمّ قرارها بالانتحار الذي نشرته عبر صفحتها الاجتماعيّة، والذي ينتهي كجريمة قتل غامضة.

يعترف الكاتب بقتل عشيقته حياة بعد معرفته بحملها وإمهالها له أسبوعًا ليقرر إن كان سيبقى معها. يتقاطع هذا الاعتراف مع تهديد سارة بالهرب مع عشيقها وامهالها أسبوعًا للأب للتفكير، وتتعمّق العلاقة بين الوهم والواقع. التخييل يؤكّد لنا أن سارة وحياة وناديا ما هي إلا تحويرات متشظّية لكائن المرأة وتمثيلاته في حياة الراوي الكاتب. تتحوّل المرأة من كائن معشوق، ومن موضوع للحب والعاطفة والهشاشة، إلى كائن مستبدّ يمتلك سطوته عبر الإيروسيّة، والعهر، والبراغماتيّة، والخصوبة الفائضة. حياة، وهند وناديا، وسارة، أربع نساء في هذه الرواية يمثّلن نماذج جديدة للمرأة في الرواية العربيّة الراهنة، نماذج تقصيهنّ عن إيقاعهن المعتاد، لينصهرن هنّ الأخريات في بوتقة «الصخب والعنف» ويتقلّدن مناصب لم تُكتَب لهنّ في إخصاء الذّكورة للتحرّر من سطوتها.

تلوينات الأثر الأدبيّ
يعتمد الرياحي تقنيّة الكولاج، هذه التقنيّة التي ظلّ وفيًا لها منذ بداياته في صناعة نصّه الأدبيّ. يقوم الكولاج على نظام الحشو، أو رصّ النصّ الأدبيّ بأنواع أدبيّة وغير أدبيّة شتّى، تتماهى مع متن هذه الرواية متعدّد الوجوه وتغازله. ينطلق الروائيّ في استخدام الكولاج التقليديّ المألوف فنقرأ عن خبر مقتل سارة في الصّحف، وخبر مقتل الناقد كمال الريحاني في حادث مرور، والتقارير عن حقيقة القبو والكتّاب المرتزقة فيه.

لكنّ الكولاج يتّسع ويتمدّد ليشمل أجناسًا أدبيّة أخرى ليتحوّل من مجرد تقنيّة إلى أسلوب.

يتجلّى الكولاج أولاً من خلال استعارة المشهديّة المسرحيّة، والاعتماد على ضبط فضاء الحدث وسينوغرافيا المشهد. هذا هو الحال مثلاً في أول مشاهد الرواية والذي يستشرف باقتضاب ملغّز أحداثًا قادمة: مجهول يهدّد شخصًا من النافذة مطالبًا إيّاه بدفع مبلغ من المال وإلاّ فضح حكاية القبو والفئران.

يجتهد الروائيّ في ضبط فضاء الشقة، وتفاصيلها وحركة الموجودات فيه، وهي تقنيّة ستتكرر في غالبيّة فصول الرواية خصوصًا تلك التي يغيبُ فيها دور السارد الروائيّ (مثلاً المشهد الممسرح لناديا أمام قبر ابنتها ووعدها بالثأر لها، ومشهد التحقيقات في المخفر، ومشهد الحوار الذي يدور بين المحققين الثلاثة والكشف عن فسادهم وتورّطهم).

تقنيّة أخرى، هي كتابة السيناريو والحوار الصّافي بلا أيّ سرد أو تقديم، وتبدو واضحة ودقيقة وطريفة في نفس الآن مع المحققين الثلاثة في مقتل سارة فيما هم يستجوبون المشتبهين (ناديا، كمال، هند، حسن ستيلا، وايفو). لكن التحقيق البوليسيّ ما يلبث أن يتحوّل إلى لعبة مائعة مع الفصل الذي يليه الذي يكشف عن تواطؤ المحققين، أو بالأحرى مشاركتهم في نثر قطع اللعبة التركيبيّة وزيادة إحساس القارئ بفقدان الثقة بالجميع، وغياب الشعور بالأمن وسط «رجال الأمن».

إلى جانب هذه التقنيّات، يركن الرّياحي إلى مَنتجة الأحداث ويلعب بتقنيّات الزمن بين استباق واستعادة وتجميد وفق المنطق التجريبي. يقحم قصاصات جرائد، وأخبارًا صحفية يختارها الروائي ليخبر عن أحداثٍ مفصليّة في الرواية (مثل موت سارة، وموت كمال الريحاني، وقبو الحكايات). وتقنيّة الرسائل، وتحويرات على رواية التحريّ والجريمة، ودفتر الاعترافات، واليوميات المشطورة، كلّها استراتيجيّات تحاكي المتن الروائيّ وتحاورها.

للعناوين في «النصّ الرّياحيّ»، خصوصيّة تقتصر على الكاتب وأسلوبه.

«هل ستبقى معي؟»، «مقهى تونس لا تثور»، «أي أي أي»، «يجوز؟ لا يجوز»، «جماع الحامل»، «للكمة والفراشات» «هل ستقبّلني في الظلام؟»، «تودوروف السافل»، «احترم نفسك سيّد ماركيز»، وغيرها هي عناوين مصاغة بحرفيّة تغازل ذائقة القارىء من جهة، وتمزج بين المرح والقدرة على إبقاء القارىء متيقّظًا لما هو قادم في الفصل.

الفانتازم والليبيدو وطريق الحرية
عبر العنف والخصاء العاطفيّ يحدّد لنا الكاتب فضاءً جديدًا، حيث يصبح الاحتفال بها جزءًا من الاحتفال المعرفيّ بالحياة. بدلاً من قمع الغرائز والكبت والغضب، تتجه الشخصيّات نحو مداعبة غرائزها وخيالاتها الانسانيّة الفطريّة لضمان استمراريّتها، أو تدمير ذاتها. الفانتازم والرغبات الجنسيّة المكبوتة تطفو على السّطح، ولا نرى شخصيّة واحدة لا تخضع لغرائزها سواء تأرجحت بين الواقع والخيال:

امرأتان تلعبان دورا هامًا في حياة البطل: حياة العشيقة وسارة الابنة، وكلتاهما من اختراع خيال الراوي، الأولى اختراع قسريّ يواجه به المَوت بالإيروس والفانتازم، والثانية من اختراع اللاوعي يواجه به خصاءه: تمثّل حياة بإيروسيّتها واسمها نزعة الحياة وصراع البطل من أجل البقاء. وتمثّل سارة سلاحه الوحيد الذي يرفض عبره الاعتراف بعقمه واستبداد زوجته. كمال اليحياوي كاتب فاشل، يشعرُ على الدوام بالتّهديد والخطر من قبل الآخرين، يعيشُ وحدة رغم شهرته، ينظر الى الآخرين نظرة ارتياب وشكّ، وصوليّ عاجز عن القيام بأيّ حركة ثوريّة تُخلّصه من مآزقه، فاشل في علاقته الزوجيّة، عقيم وله ابنة من رجل آخر، مجرم متيبّس لا تخرج أفكاره إلى حيّز التنفيذ إلاّ عبر الخيال والأحلام. تتجلّى عنصريّته حتّى مع ايفو اليهودي أعزّ أصدقائه وأمين سرّ الدفتر الأسود. ايفو أيضًا يتّضح أنّ له رغبات جنسيّة مكبوتة تطفو على السّطح، رغم هامشيّته ودوره المعطّل على طول الرواية باستثناء النهاية. يتّضح أيضًا أنّه أربعينيّ يقع في حبّ الفتاة سارة ويطلب الزواج بها، ثمّ نفاجأ، صدقًا أم كذبًا، أنّه اغتصبها أو ضاجعها ليغدو هو الآخر متّهمًا في يهوديّته وفي ايقاع سارة بالحمل. حسن ستيلا، مجرم صغير، تتقاطع صورته في الرواية أيضًا مع صورة بوخا وايفو، فهو صديق وعدوّ، خائن ومحبّ، يوقع بالأم والابنة، ويدور صراعه مع الكاتب بالتلميح ومن تحت الطاولة. وعلى نحو طريف نجد أيضًا استدعاءً لصورة تودوروف وباروديا لمشهد زيارته لتونس. تقوم الباروديا هنا، على توظيف رغباته الجنسيّة في مشهد جنسي كوميديّ مع حياة. تمثّل حياة اليوتوبيا الجنسيّة والكيان الأنثويّ الطّاغي الذي يحلم به الزوج ويجد عكسه في الواقع. حياة هي بشكلٍ أو بآخر ناديا في صورتها المثلى التي لم تكتمل في الواقع. تظهر ناديا في مقاطع استذكارية كامرأة مشتهاة طاغية في أنوثتها وجمالها وجاذبيّتها إلى حدّ أسره وقبوله الزواج بها رغم زواجها الأول وانجابها. لكنّها تعود في مقاطع أخرى لتظهر كسيّدة مستبدّة في غاية البرود والحقد، نموذج للسيّدة البورجوازيّة الممتثلة للقوانين. حياة هي اختراع وهميّ متكامل لناديا قبل زواجه بها، وهي وهم ناتجٌ عن إنكار متواصل للواقع الذي آل إليه البطل.

من يخاف من إيفو وقططه؟
لعلّ ايفو وقططه من أكثر الشخصيات محوريّة وشدًا للأحداث. ايفو، اليهوديّ التائه في هذه الرواية، وصديق الكاتب، وحامل الدّفتر الأسود، هو من يعرف أسرارهم جميعًا. هو الآخر يقع في حب سارة، وفي اللحظة التي يطالب بالزواج منها، ينفتحُ صندوق باندورا وتتكشّف عنصريّة الراوي «عنصرية جمعيّة نموذجيّة» واعترافات لاواعية تتخلّل صورًا نمطيّة عن اليهوديّ الغريب. لكنّه رغم «يهوديّته» يظلّ في الظاهر الشخصيّة الوفيّة الوحيدة للكاتب، دونًا عن الجميع «يهودي! صحيح أنني يهودي لكنني لن أسلمك أغراضه. صحيح أنه رفض زواجي بسارة لكنني لن أسلم لحمه لك أيتها القطة البشعة». لكنّه هو الآخر قطعة تركيبيّة ناقصة في بنيان الرواية. فاعترافه بمضاجعته لسارة ورغبته فيها وحملها الجائز منه، يضعه موضع شكّ ويُدخله في لعبة المؤامرة. وتبقى قطط ايفو رمزًا دلاليًا يرسّخ فكرة الفانتازم الجنسيّ والخصوبة الأنثويّة والخيانة المتكررة في هذه الرواية من قبل حياة وناديا وسارة، تودي بالكاتب إلى قتلها على نحو قاس وعنيف وهي في مرحلة العشار، وهو ما يتحاور مع مقتل سارة وهي حامل، ومقتل حياة وهي حامل.

نظام المتوازيات: صمّامات أمان تشدّ الرواية
الرواية خيبة أمل لمفهوم الحب، ومفهوم الأمومة، ومفهوم الأبوة، وحتى لمفهوم الخيانة، هي إعادة نظر في هذه المفاهيم في عصر الهزائم.

يتراوح النصّ في شكله ومتنه الحكائيّين بين الإيروس والكاوس. تعمّق هاتان الغريزتان الطاقة الفلسفيّة للأثر الأدبيّ وتنتجان دلالات جديدة عن مفهومَي الصّخب والعنف الكامنَين في المجرمين والضّحايا. يصبح في عًمق كلّ مجرم ضحيّة وفي قلب كلّ ضحيّة مجرم صغير لا بدّ منه.

تعتمد الرواية المتوازيات في الأحداث كقاعدة وهذا ما يخلق فيها دائريّة ومنطقيّة ما بغضّ النظر عن اللامنطقية الحيويّة كشرط لاستنباط المعاني منه:

الحمل: حمل حياة يوازيه حمل ناديا، يوازيه حمل سارة، يوازيهم جميعًا حمل القطّة وجميعها ينتهي بالموت.

الانتحار: انتحار سارة المشكوك فيه يوازيه انتحار الكاتب المؤكّد. والانتحار كفكرة معروضة في النصّ يمكن تفسيره بأنّه عنفُ موجّه نحو الذوات العاجزة عن إحداث تغيير في واقعها. تبدو الشخصيّات مرضيّة، محكومة بالشكوك والهواجس، تتملّكها رغبة في الانتقام ومشاعر حقد وكراهيّة دفينة تجاه الاخرين أيًا كانوا.

جريمة القتل: قتل الناقد وأب سارة الشرعي كمال الريحاني، وهو قتل مشكوك فيه بين تنفيذه على يد بوخا (ويبقى في المستوى التخييلي) وبين موته او قتله في حادث مرور.

الصداقة والخيانة: صداقة ايفو وخيانته للكاتب بمضاجعة ابنته، وصداقة حسن وخيانته للكاتب بمضاجعة زوجته ناديا وابنته سارة.
الأسماء المتوازية في ظاهرها وفي رمزيّتها: كمال اليحياوي في مقابل كمال الريحاني، وستيلا المجرم الكبير في مقابل بوخا المجرم الصّغير.

قد يكون تفسير هذا التوازي بين «الكمالَين» ليس إلاّ تنافرًا فطريًّا ونزاعًا بديهيّا بين روح المبدع وروح الناقد ينتهي برغبة دفينة في قتل النّاقد وممارسة الكانيباليّة الاحتفاليّة من خلال انتزاع كبد الناقد وأكله (على يد حياة أو ناديا) في المستوى التّخييلي، والتخلّص منه في حادث مرور في المستوى الواقعيّ. وقد يُفسّر أيضًا كانشطار تخييليّ تعاني منه شخصيّة الكاتب في رغبته الباطنيّة أن يكون رمزًا خصبًا للذكورة: زوجًا محبوبًا وأبًا شرعيًا.

هذه المتوازيات لا بدّ منها لفهم بنية النصّ وغموضه، وتحرّك الحبكات باتجاه بعضها على طريقة البينغ بونغ.

الشّر مقياس الخير: عن التفاؤليّة الجديدة
لا علاقة للأدب بالخير بمفهومه النمطيّ. ولا عجب ان تكون إحدى عتبات الرواية اقتباسا لجورج باتاي بأنّه «بمقدار ما تكون الفظاعة مقياسا للعشق فإنّ العطش للشر هو مكيال الحسنات». لا يبدو أي شيء سخيفًا في الرواية، فهي لا تتعامل مع الواقع بمقاييس الخير، وإنّما تحسبه وتعيد النظر فيه من خلال راهن الشرّ والمنظومات الأخلاقيّة المتعارف عليها. من هنا، يصير الشرّ المعادل الموضوعي الذي يشدّ ظهر الرواية ويَصلح لخلخلة المعايير الراهنة وفضح زيفها.

لا شيء في مكانه، كلّ المسلّمات تسقط في فراغات سحيقة، تتشظّى معها قناعاتنا وأحكامنا الصّارمة حيال حقيقتنا ومنظوماتنا الأخلاقيّة كـ «نصّ مغلق» لا جدال عليه. عبر هذا «النصّ المفتوح» الذي لا يقدّم يقينًا ما، نتحرّر من سطوة اليقينيّات ومن ثقل الواقع بتشاؤميّته. تعبّر رواية «عشيقات النّذل» بتشاؤميّتها الطريفة، عن مستويات التفاؤلية الجديدة بالواقع، تفاؤليّة تقبلُ بالخراب والفساد في توليفاته الرّاهنة وتحوّله إلى أقصى حدود المغامرة الروائيّة التّغريبيّة للمفاهيم المألوفة. يعالِج الكاتب في إطار التخييل، حدود الغرائز، الانتحار، حبّ ارتكاب الجريمة، الدافع إلى الخيانة، مأزق الفصام النّفسيّ من فشل مواجهة سوء الواقع.

هذه المرّة، يخرج الكاتب التونسيّ كمال الرياحي على القرّاء برواية استفزازيّة بلغتها ومناخها وإفراطها في جرعات عنف الواقع وصخبه في سياقه الراهن، ليثيرَ تساؤلات ومساءلات حول علاقتنا بذواتنا ومنطقنا ومسلّماتنا التي تحفظُ بقاءنا ككتلة مجتمعيّة متناغمة في ظاهرها. ترتكز أحداث هذه الرواية على اللامنطق. إذا كان المنطق يوصلُ إلى الاستنتاج الخاطىء، فعبر اللامنطق وحده قد نبتكرُ إدراكًا واستبصارًا جديدًا للواقع وأشكال تلقّيه. هذا الاستبصار الجديد يعيدُنا إلى مفهوم اتّساع حركة الابداع كلّما ضاقت الحريّة وتمدّدت مآزق الرّاهن. قد يكون هذا الأثر الأدبيّ في توليفته الصاخبة مجنونًا وغريبًا وهجينًا ومهدّدًا لوجودٍ حاضرٍ متداعٍ، لكنّه بلا شكّ نصّ تأسيسيّ في الكتابة الروائيّة. «عشيقات النّذل» رواية تجنح نحو توثيق واقعيّة جديدة قاسية، فظّة، قذرة، متفائلة، جلاّدة، تحيدُ عن غرائز الكتابة القطائعيّة وتتفرّد بخصوصيّة انفتاحها على تأويل القذارة والنذالة والخيانة كموجّهات لإدراك الواقع وتفكيكه .

http://hayaah.net/?p=430918

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s