زرياب..أو البيوغرافيا الروائية للوتر الأحمر

تظل الرواية الجنس الأدبي الإمبريالي الذي لا يتردد في ضم كل ضروب الفنون الأخرى وكل أشكال الكتابة الأدبية منها والعلمية وهذا ما جعل منه جنسا غريبا لا يستقر على حال ويوسع كل يوم من جغرافيته ليكسب أراض جديدة للتخييل تضمن له سيادته الراهنة لتبقى عبارة «زمن الرواية» تحرج الأجناس الأدبية الأخرى بما يؤكده هذا الجنس من ثقل داخل مشهد الكتابة الأدبية في العالم.

ولعل أخطر المقاطعات السردية التي ما زالت الرواية تتشبث بها وتطعمها كل يوم بنصوص جديدة هي المقاطعات الأوتوبيوغرافية أوالحافة بها. فظلت الرواية تستعين في تشكيلها السردي أو في تأثيث متنها باليوميات الخاصة والسير الذاتية لكتابها وسير المشاهير من الشخصيات التاريخية السياسية منها والفنية والأدبية وضمن هذه الأخيرة تدخل رواية «زرياب» للروائي السعودي مقبول العلوي صاحب رواية «فتنة جدة» ورواية «سنوات الحب والخطيئة».

0075

الرواية والسيرة

سبق مقبول العلوي إلى هذا النوع من الروايات عدد كبير من الروائيين في العالم حتى تحولت إلى نوع كتابي معروف لا يكاد يخلو منه أدب شعب من الشعوب. فقد استعانت الرواية في العالم بسير الشخصيات والمشاهير ويمكننا أن نمثل لذلك بعودة واسيني الأعرج لسيرة الأمير عبد القادر في روايته «كتاب الأمير»” وعودة بن سالم حميش لسيرة ابن خلدون في روايته «العلامة» وعودة مايكل كننغهام لسيرة فرجينيا وولف في روايته «الساعات».

اختار مقبول العلوي سيرة موسيقي أثّر في تاريخ الموسيقى شرقا وغربا وارتبط اسمه بسيرة من أقسى سير النفي التي تعرض لها مبدع لأن النفي مع زرياب لم يكن نفيا من المؤسسة السياسية بل كان نفيا من المؤسسة الإبداعية نفسها فقد كان في كنف الموسيقار الكبير إسحاق الموصلي ولكنه بعد أن سمعه الرشيد وأعجب به أيما أعجاب وطلب من الموصلي العناية به أمر الموصلي زرياب أن يترك البلاد وإلا فإنه قاتله لأنه لن يسمح بأن يأخذ مكانه أحد في القصر ويبدو أن الرشيد قد أعجب به إعجابا سيجعل منه ينحيه من مكانته لتكون لزرياب. فترك زرياب البلاد تحت تهديد أستاذه إسحاق الموصلي واتجه نحو المغرب ثم الأندلس أين عرف هناك بإنجازاته الموسيقية الكبرى وبسيرته العلمية والفنية والسياسية.

حول هذه الشخصية التاريخية والفنية يدير العلوي روايته التي اختار لها أن تحمل عنوانا هو ليس سوى اللقب الذي عرفت به تلك الشخصية «زرياب» وهو الطائر الأسود جميل الصوت، لقب أطلق على العبد  أبو الحسن علي ابن نافع  مولى الخليفة العباسي المهدي.

إن طرافة هذه الرواية أنها تجوب ثلاثة أجناس أدبية متجاورة وهي السيرة والسيرة الذاتية والرواية فالكتاب حسب علامته على  الغلاف: رواية. وهذه الرواية ترصد سيرة المغنى والموسيقي المعروف زرياب ولكن شاء لها الروائي أن تكتب بأسلوب السيرة الذاتية أي بضمير المتكلم على شكل اعترافات.

يفتتح الراوي  الرواية بقوله:

«اسمي علي بن نافع وكنيتي أبو الحسن

هذا هو اسمي الذي اختاره لي والدي الذي خرجت من صلبه، واختارته أمي التي حملتني في ظلمة رحمها تسعة أشهر وأرضعتني من ثدييها في مهدي وطفولتي…

ولكن سادتي الجدد- ولا أعلم لماذا- أطلقوا علي اسم زرياب» (ص7).

تنهض هذه البداية أشبه بالميثاق السيرذاتي الذي يرسخ النص في هذا الجنس الأوطوبيوغرافي وهي إحدى حيل الكتابة الروائية للإيهام بالواقعية. وقد اختار العلوي لغة شفيفة بسيطة لتجري على لسان زرياب أمير العود وسيد التزويق والزخرفة الصوتية، ويحسب هذا للروائي الذي لم يسقط النص في البلاغة التي قد تدفعها إليها طبيعة الشخصية بل استعان بلغة روائية معاصرة؛ لغة براغماتية تعول على هويتها ودورها الرئيس كوسيلة تواصل وتبليغ وليست غاية في ذاتها. وإن كانت تسقط أحيانا في التراكيب الجاهزة واللغة الصحفية فتكون شديدة المعاصرة كقوله مثلا متحدثا عن الموصلي «كان رجلا قادرا على تطوير ذاته والارتقاء بملكاته وبمواهبه الكثيرة…».

الشخصية المرجعية ومأزق المرجع

إن الالتفات إلى الشخصيات المرجعية كما يسميها الناقد فيليب هامون في تقسيمه الشخصيات الروائية يجعل من  الروائي في حاجة  قبل الكتابة إلى مراجعة الملفات التاريخية والفنية التي تضمنت أخبارا عن هذه الشخصية إن كان ذلك في المصنفات الموسيقية أو المصنفات التاريخية التي ذكرتها.

هذه المصنفات تضن على الروائي بفترة طفولة هذا الفنان فلا يذكر منها إلا لحظات اختطافه من الموصل وهو في سن التاسعة على أيدي العسكر، والحق أن ذلك كان مبتسرا وكان فرصة كبيرة للروائي ليخلق هذا الجزء من السيرة المفقودة لهذه الشخصية المرجعية. ويأتي استغرابنا، هنا، من دقة الرجل في وصف مدينة الموصل فلم تسقط من ذاكرته لا البنايات ولا أصوات الباعة ولا حتى روائح الطين والأشجار المبتلة وروائح أجساد الناس وعندما يصل إلى حياته يقول: «في الموصل عشت تسع سنوات من عمري. لا أذكر سوى نتف من طفولتي المبكرة. صارت مثل التماعة تومض كشعلة في ليل بهيم. كل شيء يضيع في سنوات الطفولة».

هذا البيان الأوطوبيوغرافي عن الطفولة الغابرة يتناقض مع دقة وصف الموصل، وكان يمكن للروائي أن يؤكد هذا القصور للذاكرة منذ الجزء الأول الخاص بوصف الموصل وبذلك نجد مشروعية لقصور الذاكرة في استعادة الطفولة. فالذاكرة كما يقول المنظّر الفرنسي لأدب السيرة الذاتية جورج ماي «خؤون».

هذا القصور في التخييل يقابله سرد تاريخي فج أحيانا مثقل بالمعلومات كما هو الشأن في رواية خبر تسمم الخليفة المهدي بن جعفر المنصور بحبة الكمثرى وذكر أبي العلاء المعري وما كتبه عن الواقعة. أو في سرد تعريف الموصلي إذ يقول على لسان زرياب «الويكيبيدي»: «كان اسحاق الموصلي فارسي الأصل، ولد في الري. وقد فضلت الأسرة الرحيل من الري إلى بغداد، عاصمة العالم الجديدة، التي بدأ نورها يضيء ويغطي على ما سواه. تفوق على كثير من رجال البلاط من فئة العلماء والأدباء والمغنين…».

إن قيمة البحث في الرواية ذات الشخصية المرجعية أو المتعلقة بالأحداث التاريخية تتمثل في القدرة على تذويب المادة التاريخية في السرد التخييلي بحيث لا نرى ذلك الحد الذي تتدخل فيه الوثيقة. وهذا ما نجح فيه الروائي أحيانا وأخفق في أحيان أخرى. إن نجاح الروائي في هذا النوع من الروايات رهين قدرته على التحرر من الوثيقة التاريخية ومن المعلومات التي وضع يده عليها.

يأتي هذا المشكل الفني من خطورة بناء الشخصية المرجعية التي تبقى رهينة المرجع وإن كان إطلاق العنان للتخييل هو الحل هنا. وهناك تكتشف قدرة الروائي الحقيقي ولنا في الروائي أمين معلوف مثالا على هذا التخييل الحر المنطلق من مناخ تاريخي كما في روايته «ليون الإفريقي» مثلا. فليس مطلوبا من الروائي أن يقول التاريخ إنما المنتظر منه أن يروي لنا حكاية تصدق كأنها حقيقة وهي غير ذلك لأن ميثاق الرواية على عكس السيرة الذاتية هو ميثاق تخييلي تقوله العلامة الأجناسية «رواية» فهذه العلامة تقول على الغلاف في النهاية: كل ما ستقرأه داخل هذا المتن مجرد تخييل حتى لو بدا لك حقيقة.

والحق أن هذا الارتباك سرعان ما يختفي مع التقدم في الرواية لتصبح أمام سرد ممتع وتداع حر مشوق تتوالد فيه الصور والأحداث وتنثال الذكريات ممطرة بالمشاعر والمواقف.

الوصف والبرنامج السردي

يمثل الفضاء أحد الركائز السردية المهمة في عمل الروائي وخاصة التاريخي أو الذي ينحو نحو ذلك أو يتغذى منه، لذلك اهتم به العلوي وكان الوصف أداته الفنية لإعادة بناء تلك الفضاءات التي عرفها زرياب وهي في الغالب قصور ومخادع ابتداء بفضاء الموصل المفتوح إلى قصر الخليفة المهدي إلى قصر إسحاق الموصلي إلى قصور الأندلس وهذا الوصف لتفاصيل المكان يدعم الإحساس بواقعية الأحداث ويقرّب المشهد من المتلقي المعاصر الذي ينقل له العلوي ما هو مفترض أنه وقع من قرون طويلة.

 ولعل هذا ما يرشح هذا العمل ليكون مادة لكتابة سيناريو عمل درامي يقدم سيرة هذا الرجل الاستثنائي الذي عرفته الحضارة العربية والتي تختزل فيها لحظات المشرقة ولحظات سقوطها المدوي وانحطاطها الأخير.

تتحدث الرواية عن قصة اسم زرياب وقصة الوتر الخامس وأخبار عتق زرياب وزواجه من صفية العرجاء وعلاقته بسيده وأستاذه إسحاق الموصلي والذي يقدمه زرياب مثالا للرجل الشريف الراقي والفنان الذواق وينفي عليه كل ما يمكن أن يبرر موقفه منه بعد أن سمعه هارون الرشيد. بل يبدو زرياب في وصفه لأستاذه وعلاقته بهارون الرشيد وكأنه يبرر له فعلته وردة فعله عندما رأى إعجاب الخليفة به. يقول زرياب: «كان سيدي إسحاق الموصلي نديما مقربا للرشيد؛ نديما وصل إلى مرحلة صديق شخصي إذا جاز القول. وصل إلى تلك المحلة لأنه كان رجلا قادرا على تطوير ذاته والارتقاء بملكاته وبمواهبه الكثيرة لتكون مكسبا شخصيا له ومبهرة ذات بريق أخاذ لمن يجالسه. قرأ كتبا كثيرة، وألم بكم وافر من المعرفة. أخذ فنون العزف وطرائق الغناء عن «زلزل منصور»…» (ص38).

 يبقى أن نذكر أن الروائي رشيد الضعيف كان قد قدم رواية مستلهمة من سيرة أحد المغنين العرب القدامى من خلال روايته «معبد ينجح في بغداد» وهي رواية تمثل حالة خاصة في تجربة رشيد الضعيف الذي عرف بروايات ذات المنحى الغربي فنيا وبالتخييل الذاتي.

كمال الرياحي
كمال الرياحي

روائي وناقد من تونس

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s