الغوريلا رواية الهامش العنيف

جريدة صوت الأحرار: 28 نوفمبر 2013
الحبيب السائح

kamelghourillaالغوريلا في الاستعارة، هنا، يموت ويحيا ليموت بالطريقة التي يبغيها هو، وليس جلاده.
هذا ما يشق للرواية بعدها الفلسفي والجمالي.
الغوريلا، في كتابتها، هنا، ثمرة تربة تونس الأدبية ذات الصلة بالمغاربية؛ ذلك ما أعتبره بعضا من الخصوصية!
هذه عينات من القاموس:
الروج، السكارجي، السكوم، برويطة، سفاري، الكارطة، الحراڤة، البزناسه، الزطلة، بلع فمك، يفلي، يتفل، البصيلة، بغل مدبور، شاشية، برشا، البونية، الشيح، نرقدلو في الخط، ضربنا كؤوس البوخا، كرطوشة، حانوت، الديس، الحوش…
ومن الأسماء: في فقرة، أسفله.
ومن الدارجة الموظفة في الحوارات بالدارجة التونسية تجعلك، لقوة كلماتها وتركيبها واقتصادها، في حال استماع؛ لا قراءة فقط. دارجة رشيقة مؤدية وظيفة بلاغية وصوتية تعجز عنها الفصحى. تشتغل كوخزات إبر لذهن قارئ مشرقي:
« عيش بنتي! نحب على وليد نلقاشي عندكم؟ » ـ « مالا آش في بالك يا بنت راهو النبي مش لعب ». ـ « مانيش مش نمسك. وما نيش مش نعملك شي. اختطفتك باش نذل هاكا الحيوان الي ذلني ».
فرواية الغوريلا، للكاتب التونسي كمال الرياحي، الصادرة عن دار الساقي، 2011، تمنحنا الثقة، بل الضمانة لنطمئن إلى أن حفرنا في خصوصيتنا المغاربية يعد إضافة نوعية ذات أثر على الذوق العربي خاصة والعالمي عامة.
فإيقاع سرد الغوريلا، عبر مشاهده التسعة والثلاثين، لا يتركك تأخذ لنفسك مسافة عن أحداثه. فأنت في خضمها كأنك أحد الفاعلين. ذلك، إن لم تكن وجدت مراحل من حياة هؤلاء الشخوص الهامشيين العجيبين:
الغوريلا، رشيد بوخا، هبله، الجط، حبيبة، شكيرا، سردوك، سعدية، ستيلا، رضا دوفيز، رشيد، فضيلة… تقاطعت مع أشطار من حياتك. فانحزت إليهم وتخيلت نفسك في صفهم مقابل رموز النظام القمعي:
بن علي، الطرابلسية المعلمة زوجة الرئيس، علي كلاب (لأنه بدأ حياته صائدا للكلاب قبل أن ينضم لجهاز القمع، ينظر ص 90 ـ 93 مشهد رائع التصوير لصيد الكلاب).
بل إنك تشعر، خلال القراءة، أن الكاتب سرق منك هذا السر أو ذاك من أسرار طفولتك أو من حياة غيرك؛ أسرار آيلة إلى النسيان والاندثار ينفخ فيها الروح فتقوم تستعيد حقها في الظهور بما كان الواقع، بكل أنواع شططه وشذوذه وعطنه وقسوته، كبسه فيها.
إنه الاغتراب الذي فيه يتنزل نص الغوريلا بين هذا الواقع النيئ العفن الشرس وبين قيم مؤسسات النظام التي تؤطر عقل الإنسان بأقفاص النفاق وتحاصر حياته بأسلاك شائكة من القمع المعمم.
نص روائي يتنامى من الصفحة 7 إلى الصفحة 190 كما تتطور حياة الغوريلا نفسه، ولكن بالانكسار كله، ومن حوله تنمو أسئلة الكتابة الجديدة، كما تتنامى حيوات الآخرين من حول الغوريلا في عنف يحركه التشرد والاغتصاب والتعذيب والقتل والشذوذ والموت الرخيص وفقد الهوية والانتساب.
وأنت تقرأ، تنتابك حالات نفسية، كما في ميلودرام: ضحك، ألم، غضب، قلق، سخط، نشوة، رفض، قبول… مشاهد آسرة فعلا.
وفي الخلال يرافقك سؤال: لما ذا تسلق الغوريلا نصب الساعة؟
وفي النهاية يقرع ذهنك: لولا ما حدث في 14 جانفي 2011، هل كان للغوريلا أن ترى النور؟ وإن كان ذلك حدث، هل كان لكمال الرياجي أن ينعم الآن بالحياة والاستقرار في وطنه تونس؟
إن المشهد الأخير: 14 جانفي 2011، هو الذي يضمر هذا السؤال في ثنايا سرده المضاد لخيال المشاهد السابقة إياه.
كمال الرياحي، هنا، أبان عن قدرة سردية استثنائية، في توظيف الخارجي ـ الهامشي ـ من أجل الداخلي ـ النص ـ ليكون هو البديل المركزي في الاهتمام. وفي جعل نصب الساعة بالغوريلا فوق رأسها ـ مستعيرا ذلك من الفيلم الشهير « كينغ كونع » ـ محور جذب لأحداث الرواية كلها، كنواة ذرية، فأدارها بصبر، بذكاء، وحذر لافت من أن لا يفلت منها تفصيل من تفاصيلها إلى خارج المحيط؛ فإن المشهد الأخير: 14 جانفي 2011، الذي يتبدى منقطعا ـ لأنه يأتي بعد نقطة النهاية ـ هو في تقديري مسوغ سرد الرواية كلها؛ باعتباره مدخل الواقعي إلي المتخيل.
فكذلك هي الكتابة الروائية في استعارتها الواقع لإعادة تخييله. إن السارد (الكاتب ذاته: كمال الرياحي)، في هذا المشهد مع طفله، هو من انتهى إليه روح الغوريلا: « يكسو جسدي فجأة وبر أسود. أضرب بقبضتي على صدري… تتقدم السيارة مني. صوت هارون يأتي من بعيد: papa….sheriff  » ص 190.
فشخصية يونس، المشار إليها مرة واحدة في النص، أو صالح أو بلال، تغدو، في تقديري، هي الغوريلا ومن ثمة تنشطر نصفين: النصف الحقيقي الذي يسرد بضمير أنا غالبا؛ وضمير نحن أحيانا. والنصف الثاني المنعكس كما في مرآة حيث يدور الحوار بين النصفين.
فالغوريلا لا يتماهى، أو يتعدد، مع ذاته فحسب ولكن مع عينات من الشخوص ذات الوجود الهامشي العنيف في وضع مقابل مفارق وصدامي مع المؤسسة القمعية، ممثلة في علي كلاب، وفي زبانيتها وفي الطرابلسية، مديرتها، التي توظفهم. « أصبحت أشعر بأنني اثنان أنا والزنجي المجهول معا. أصبحت مطاردا بذاكرتين.. » 138 ـ 139.
والغوريلا، أخيرا هو أصل المنشأ: « كلكم من صلبه، كلكم هو » ص 22؛ يعني نظام ما بعد الاستقلال ورمز النظام وإنتاج النظام ومسخه وتفريخه اللقطاء.
فكل مشهد من مشاهد الرواية هو من نصب الساعة ومن الغوريلا وإليهما. إنها لعبة تحدث متعة بقدر الإرهاق الذي عاناه كمال الرياحي في إتقان أجزائها.
أحسست، وأنا أقرأ، أن في كل جملة نحوية جهدا مضنيا كيلا تنفلت، وفي كل كلمة تدقيقا قاموسيا لدلالتها حتى تشع في الذهن، وفي كل مشهد شراسة على تطويقه بالتفاصيل ليؤدي وظيفة أن لا يبقى القارئ في حياد: رفضاً من غضب. أو قبولا من انبهار.
فلا بد أن كمال الرياحي، من خلال المدة التي استغرقتها كتابة الغوريلا (2007 ـ2011)، ومما يظهر من صنعتها المتمكنة، يكون كتب بشكل خطي. ثم راح، هدما للخطية، يفكك النص أجزاء أجزاءً، كما يظهر في النسخة النهائية بين يدي القارئ، ويعيد تركيبها وتوزيعها بناء على تسويغات ورابط تشدها إلى بعضها. إنها المغامرة التي أحبها وأفضلها؛ باعتبار الكتابة جزءا من تجاربنا في أعتى تداخلاتها!
فإن لكمال الرياحي، كما أتصور، نسخا أخرى من الغوريلا مختلفة عن بعضها في المدخل والمخرج وفي البناء وعن هذا الشكل النهائي نفسه. إننا ملزمون بأن نتقاطع في كتابتنا مع التقنيات السينمائية، في المونتاج خاصة. ومع المسرح في مسْرحة المشاهد؛ كما هو مشهد الغوريلا في أعلى نصب الساعة والحشد من تحته. من هنا منبع مفهوم ألم الكتابة، الذي يستعمله بعض الكتاب اعتباطا؛ لأنهم لا يصنعون « أعمالهم » في ورشة، كما أي رسام أو نحات أو مخرج.
كمال الرياحي في الغوريلا يبدي، في جرأته تجاه المسكوت عنه، ما تعلق بالجنسي، الطبيعي منه والشاذ، وعيا تجاوز به حد الإثارة وبه تجنب الاستفزاز؛ فكل مشاهد ذلك أدمجها بشكل سلس في سياقات كانت ستبدو ناقصة بغيرها. ذلك، إضافة إلى مشاهد فائقة الدقة في التصوير والجمالية: ص 18، 52، 69، 70، 83، 86، 91، 102، 104، 113، 151، 163.
القراء الجزائريون، مثل غيرهم، مدعوون إلى الاستمتاع بنص روائي شجاع، جريء قاس وعنيف وجميل مثل الغوريلا لأنه قريب جدا من روحهم.

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans الغوريلا. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s