الغوريلا رواية البيكارسك

cropped-diapositive115.jpg لم تكتب رواية الغوريلا لمحاكاة أو تمثيل حدث الثّورة، فهذا الحدث قد باغتها ولم تتهيّأ له إلاّ في صفحات الرّواية الأخيرة، وفصلها الأخير تحديدا عندما انقلبت الكتابة الرّوائيّة إلى كتابة تسجّل كيف عاش المؤلّف بعض اللّحظات العصيبة في الأيّام الأولى من الثّورة.

لم تكتب هذه الرّواية لتسجيل وقائع الثّورة، ورغم ذلك كانت نهايتها تحتاج إلى ثورة حتّى تعثر على خاتمتها. فبداية الرّواية لا تشي بنهايتها. أمّا نوع الأحداث الّتي حبكت في معظم الفصول فتحمل على الاعتقاد بأنّنا أمام رواية من روايات البيكاراسك picaresque. وهي كغيرها من روايات هذا النّوع، قد انبرت تصوّر العوالم السّفليّة للّذين “لا نصيب لهم”، و“لا أصوات لهم” في عالم السّياسة، بسبب وجودهم خارج الفضاء العموميّ، وهوامشه. وبسبب موقعها من هذا الفضاء تغيّرت أسماء سكّان هذا العالم. فأصبحوا يمثّلون الاسمَ، أو ما يشي به الاسم الجديد، بعد أن فقدوا هبة الاسم الأوّل، اسم الأب. من هؤلاء كان الغوريلا، وإلى هؤلاء كان ينتسب.

الغوريلا اسم بطل بلا مزايا، قد حاول أن يجعل من بؤسه اليوميّ حياة جديرة بأن تحكى، فلم يفلح. ولأجل ذلك صار موضوع شهادات سائر شخصيات الرّواية، يرد ذكره عرضا كلّما تقاطعت سبيله بسبل الآخرين، ومن ذلك التّقاطع كانت ملامح الغوريلا تتّضح وتتماسك وتنمو على نحو انفعاليّ، تارة يكون الغوريلا شخصا يثير العجب والإعجاب، وطورا يكون شخصا يثير الخشية والشّفقة كأبطال التّراجيديا. فالمسار الّذي رسم للغوريلا يشبه إلى حدّ مّا مسار الأبطال التّراجيديّين، ولكن على نحو ساخر. نعرف منذ البداية أنّه لقيط مجهول الأب، ولكنّه كان في كلّ مرّة يجدّد من شجرة أنسابه، فهو في البداية طفل من أطفال بورقيبة، ثمّ هو ابن بالتّبنّي لرجل لا يلد ولا يخلف، وهبه نسبا، أو اسم الأب، ولكنّه سرعان ما فقد اسمه الرّمزيّ أو الشّرعيّ، ليكتسب اسما خياليّا غطّى على الاسم الأوّل، فمسخه مسخا، فصار البطل غوريلا، قردا من سلالة غير بشريّة. وبهذا المسخ الّذي أصاب الاسم فقط كان البطل، الّذي لم يحاول أن يغيّر التّسمية، وإنّما أمعن في تثبيتها حتّى صار البطل هو الاسم الّذي يحمل.

تبدأ الرّواية من حيث انتهت مسيرة البطل، وهو يتسلّق ساعة شارع الحبيب بورقيبة المنتصبة عاليا كأنّه بتسلقّها يستعيد على نحو يائس، لا يخلو من مفارقة، ما فُقِد، أي بشريّته، وحقّ الوجود في فضاء المدينة العموميّ. وهو فضاء سياسيّ بامتياز، لأنّه أفضل مجال يضمن الرّؤية الاجتماعيّة على نطاق واسع. فأن تكون مرئيّا هو الشّرط الضّروريّ لتكون موجودا كما أكّد بورخيس في بعض ما كتب. وقد اختار الغوريلا أن يكون مرئيّا على نحو مفرط، وذلك بالتّفريط في الوجود مع النّاس. إلاّ أنّه تفريط تراجيديّ كان يمهّد لنهايته الفاجعة الشّبيهة بنهاية الأبطال التّراجيديّين النّبلاء. لم يكن موته بائسا في فضاء منسيّ مظلم لا يُرى، وإنّما في قلب المشهد العموميّ، كأنّه يقدّم للمدينة حفلا نادرا من حفلات الموت العلنيّ. فـ“تحت برج السّاعة تماما ظهر الغوريلا محترقا. جثّة متفحّمة في بركة من الدّماء الخاثرة، تحمله مجموعة المتظاهرين على أكتافها، وتتشكّل تظاهرة صاخبة، تتّجه نحو وزارة الدّاخليّة، بينما يستولي أحد المتظاهرين على عربة الحماية المدنيّة يرفع سلّمها نحو السّاعة.”

تحملنا هذه الفقرة من الرّواية على التّساؤل: هل كانت رواية الغوريلا تصوغ على نحو بديع أطروحة كبش الفداء ( عند روني جيرار في كتابه “العنف والمقدّس”) حيث تحتاج مجموعة مّا (قبيلة، أمّة، شعب) في بعض طقوسها إلى شخص يقتل، حتّى تتماسك؟

مهما يكن الجواب، وجب في هذا المقام أن نلاحظ أنّ الثّورة التّونسيّة قد اندلعت بحدث مماثل لما كان يجري في طقس كبش الفداء. ويمكن إيجازه بهذه الصّورة: شخص يدعى محمد البوعزيزي أحرق نفسه، فتوحّدت بموته أصوات من لا أصوات لهم، في ثورة صاخبة غاضبة لا شعار لها سوى كلمة “ديقاج”.

إنّ التّوازي بين مصير الغوريلا ومحمّد البوعزيزي للافت لانتباه، بل إنّ ذكر اسم محمد البوعزيزي العرضيّ في صفحات الرّواية الأخيرة يغرينا بأن نمضي في تحليل موت البطلين، التّاريخيّ والرّوائيّ، من منظور نظرية كبش الفداء. “يتحدّث الرّكّاب عن رجل أضرم النّار بجسده، حديث كثير عن مدينتي سيدي بوزيد والقصرين. يأتي القطار. أحتلّ مقعدا قصيّا. الوجوه الغامضة تردّد اسم البوعزيزي بلا انقطاع. أحاول أن أتابع الأحداث دون أن أسأل. يتحدّثون عن إطلاق الرّصاص الحيّ على المتظاهرين.”.

يسقط جسم الغوريلا جثّة محترقة متفحّمة كما سقطت جثّة البوعزيزي، في مشهد عموميّ لم تألفه المدينة ولم تتهيّأ لتقديمه. مشهد باغتها مثلما باغت الّذين لم يتوقّعوا يوما أن تندلع الثّورات الغاضبة من أناس لا مجد لهم فرفعهم الموت في مصافّ الأبطال الخالدين، إذ برمادهم انبعثت كطائر الفينيق أجساد أخرى.

د العادل خضر من مقال طويل بعنوان » المثقف والعنف »

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans Uncategorized, الغوريلا. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s