«الغوريلا» رواية التونسي كمال الرياحي حرب الرموزعناية جابر

 

gorillaفي وضح النهار يتسلّق صالح برج ساعة 7 نوفمبر، رمز نظام بن علي في تونس، ليعلن القيامة. يحتشد سكان العاصمة تحت الساعة لمشاهدة الرجل الذي تجرأ على مواجهة المحظور ورجال الأمن الذين فشلوا في إنزاله. هناك تحت البرج، تنبت حكاية طفل لقيط، ترويها مجموعة من الشطار في مدينة تدير دواليبها عصابات الخطف وميليشيات النهب.. فتنمو سيرة الغوريلا الذي أفاق يوماً فوجد نفسه شريداً ومطارداً بسبب تهم خطيرة. 
هذه تيمة رواية الروائي والصحافي التونسي كمال الرياحي (فاز في مسابقة «بيروت 39» التي نظمتها مؤسسة هاني فيستيفال عام 2009)، وترجمت أعماله إلى الفرنسية والايطالية والإنكليزية والعبرية والبرتغالية. رواية الرياحي جاءت تحت عنوان: «الغوريلا»، صدرت حديثاً عن «دار الساقي» وهي ترصد في سرد مشهدي كابوسي الواقع الذي مهد لثورة 14 يناير، كاشفة عالم الفساد السياسي والاقتصادي والتمييز العنصري، وتستمد جماليتها من وحشيتها وعنفها ومن ردود أفعال شخصياتها وبدائيتها.
لا بد من ان نقرأ «الغوريلا» لكمال الرياحي بعناية وبطء، ونتوقف عند الأحداث بلا منطقها ومعقوليتها معاً، كي ندرك نظاماً خفياً سرياً هو الأساس لكاتبها. الغوريلا لا تستطيع مواجهة الواقع كشيء ملموس، فكل شيء يتحول في النهاية الى رمز، ورد فعلها صدى لهذا الرمز، في نظام التشوش، نظام الفكر الرمزي الذي يكمن «وراء كل سلوك لبقية الشخصيات، فردية أو جماعية. الرواية وإن يجمعها جذر انطلاق الثورة التونسية، مقسمة نصوصاً متفرقة حملت عناوين مثل: الجنازة، خبر عاجل، حبيبة تشتعل في الساحة، في مقهى تونس حديث غريب عن أصل الثورة، العصيان، محاولة لقتل الماء، سر شكيرا، سقوط الصبارة.. إلى ما هنالك من العناوين. يختتم أو يذيل الرياحي روايته، بنص عن تاريخ فرار بن علي وجماعته وانتصار الثائرين وتكريس ثورتهم وقد عنون هذا النص: «14 كانون الثاني: يناير 2011».
أقصى البوح
10269064_10152405284224874_2692855444479642852_oالرياحي شاء لروايته منطلقاً هو صالح، الشخصية المحــورية في حكــايات بالغة التداخل والتشابك والذهاب إلى أقــصى البوح الجريء. الساحة (رمز النظام الســابق) ورجالها وساكنيها، وفيها تسلّق الغوريلا برج ساعة تتوسطها، ما أربك رجال الأمن في محاولتهم ثنيه لأكثر من ساعات سبع. الجمهور على اختلافه (أيضاً في اشارة رمزية للشارع التونسي قبل الثورة: رجل الدين ورجل الاقتصاد والمؤمن والحيادي والشاذ والمومس والمثقف والمدمن على المخدرات إلى ما هنالك من تنوع الشارع، يشهد على ما يجري للغــوريلا في إطلاله على الناس، في دلالة كبيرة تدور حولها دلائل صغيرة في التحام روائي يبيّن سيطرة الراوي على روايته، وتمكنه من التنقل في المشاهد، والأفكار، وخصوصاً الواقع المرمز إلى تلك القصة الغرائبية، قصة الغوريلا وتسلقه برج الساعة.
رد روائي فني من كمال رياحي في روايته «الغوريلا» على النظام اللاعقلاني الذي حكم الحياة السياسية في تونس بدرجة لا تقل لاعقلانية. كسبت الرواية حرب الرموز، ونجحت في كشف أو ضخ رموز الخير إلى ذلك الشعب التونسي الذي عانى طويلاً من الظلم والفساد والاستبداد. ذلك القتل اليومي في السجون وخارجها، ذلك الموت الذي بقدر ما هو مرعب بقدر ما هو سخيف ولا يحمل أي تشابه مع ميتات الناس في البلاد الحضارية، لأنه عمل لا من الطبيعة، بل من إنسان مستبد على رأس سلطة مستبدة، وبالتالي فهو تقريباً موت تطوعي، مؤلم وطويل.
تعدد الأصوات
حكايا متعددة داخل «صندوق» الرواية. ونجد ذلك التكنيك «الصندوق» كما لو طريقة للهروب من كلاسيكية الخط الواحد، وطريقة يمكن تسميتها كتعريف أفضل بتعدد الأصوات المتألقة. مثلا حكاية «سرّ شاكيرا» إذا حللتها من وجهة النظر التكنيكية الخالصة، تجد انها مكونة من ثلاثة خطوط تتطور وتنمو بتزامن واحد، كل منها، لو أراد الكاتب، يمكن أن يكون حكاية مستقلة. «الغوريلا» بشكل عام، رواية ساخرة من الظلم، وقصص حياتية اجتماعية، ورواية سياسية حول مجموعة ثورية تشكل بارقة ونقطة انطلاق للربيع العربي. 1966055_10152405312629874_7276025509619256401_o
الرواية أيضاً، تقارب المجتــمع الشمولي في أكثر صوره تطرفاً، وتمــيل إلى إلغاء الحــدود بين العام والخاص. السلطة وهي تكبر بشكل غبي، تطلب من المواطنين أن تكون حيواتهم شفافة تماماً. نموذج الحياة بلا أسرار يتوافق مع نموذج السلطة المخابراتية أو الأمنية: ليس من حق المواطن الثورة، ولا ان يخفي شيئاً على الإطلاق عن الحزب أو الدولة، بالضبط الطفل ليس له الحق بالاحتفاظ بسر دون أن يطلع عليه والديه.
«الغوريلا» رواية كافكاوية إلى حد، تعبر عن رغبة وجدانية نحو المجتمع والعلاقات الإنسانية، في أن يكون للكائن البلا جذور، البلا كرامة، البلا حقوق، هدف واحد فقط: أن يتغلب على لعنة العزلة، وظلمها. 

 

ثقافة
تاريخ المقال: 03-01-2012 12:00 AM

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans الغوريلا. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s