الجريد من خلال نكته لتوفيق عمران كمال الرياحي

غلاف كتاب الجريد من خلال  نكته  لتوفيق عمرانمازالت النكتة في نسختها  السياسية تمثل سلاحا خطيرا في يد الشعوب ترفعه في وجه السلط القمعية والأنظمة والديكتاتورية ويترعرع  هذا النمط من الّأداء الفني في السرية بشكل شفوي بينما تبقى النكتة الاجتماعية المختبر النموذجي للتعرف على الذهنية المجتمعية التي نشأت فيها وتعكس التحولات التي تعيشها تلك الشعوب بين الحرب والسلام والريف والمدينة والتخلف والتقدم.

وخلافا لما يعتقد البعض فإن النكتة تترعرع حتى في أسوأ الأوضاع كالحروب أو الحروب الاهلية والمجاعات ونمثل لذلك بالحرب الأهلية في لبنان أو عشرية الإرهاب بالجزائر أو واقع الإحتلال بفلسطين، تلك الوقائع والأحداث التي كانت أرضا خصبة لنشأة النكتة.

لكن تبقى مناطق  من كل دولة أكثر خصوبة في هذا المجال من غيرها ويمثل الجريد التونسي معقل النكتة التونسية وظهر به عدد  غير قليل من رواة النكت إلا أن توفيق عمران جمع بين رواية النكتة والرسم الكاريكاتوري منذ سنوات وقدصدر له مؤخرا كتاب بعنوان  » الجريد من خلال نكته » عن دار الفينيق  قدم له المؤرخ التونسي المعروف د الهادي التيمومي.

النكتة ومجالاتها  الاجتماعية

أهدى المؤلف كتابه إلى أهالي الجريد أبطال ومؤلفي الكتاب وتشي هذه العتبة النصية أننا أمام ما يشبه الموسوعة الصغيرة التي جمع فيها الكاتب ما يتداول من نكت في منازل ومقاهي وأسواق الجريد تحت أبواب مدروسة هي: العائلة والمجتمع والدين. قدم لكل فصل منها بتقديم يكشف فيه عن قيمة هذا المجال في نشأة النكتة وطرق تداولها  فيقول: إن العائلة بالجريد، بأصولها وفروعها، مبنية على علاقات متبادلة بين أفراد الأسرة يسودها المرح والإيحاء والإيماء فتتمخض عن ذلك نكت طريفة وخفيفة من النادر أن نجد مثلها في مناطق أخرى ».

ومن ثم فالنكتة تشي بعمق العلاقات الأسرية التي تقطع من ناحية مع العلاقات التقليدية الصارمة بين الآباء والأبناء وتحافظ عليها من ناحية أخرى من خلال اشتغالها التشفيري والإيحائي.

ويكشف الفصل الثاني والمخصص للمجتمع عن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين أبناء الجريد من خلال النكتة فإذا كانت تقاطعات العائلة تحصل بين أفرادها، فإن تقاطعات المجتمع الجريدي تحصل بين طبقاته المختلفة أفقيا وعموديا. فالمجتمع الجريدي كما يقول المؤلف. يتكون عموديا من طبقة الملاكة: مالكي النخيل، والتجار، وهي الطبقة الميسورة  ثم الاداريين ورجال الدين ورجال التعليم، وهي طبقة متوسطة أما الطبقة الثالثة فتضم الفلاحين الخماسة والقيالة والعمال اليوميين وأصحاب الصنائع. وهي الطبقة الأقل حظا. وفي تفاعل هذه الطبقات تنشأ الطرائف وتحبك النكت. ويخصص المؤلف الجزء الثالث للمعتقد ويقدم طرائف  شعب معروف بحفظه للقرآن وتدينه ولكن في نفس الوقت يتعامل بمرح مع الدين والمعتقدات مذكرا بأن الدين ليس بؤسا وحزنا فيؤكد المؤلف بشكل أو بآخرما ذهبته إليه مواطنته الباحثة التونسية ليلى العبيدي في كتابها « الفكه في الإسلام » الحاصل على جائزة الشيخ زايد قبل سنتين.

 

هل النكتة أدبا؟

تعتبر النكتة في بعض وجوهها إحدى تشكلات الأدب الشعبي وتجد لها مشروعية من خلال أدب الأخبار في الثقافة العربية التي كان الجاحظ واحد من رموزها في مصنفات له كثيرة عنيت بجمع الطرائف وأخبار الحمقى والمغفلين والبخلاء، وقد كان العرب يتبارون في حياكتها ونسجها حتى تحولت النكتة إلى شبه الحكاية المكثفة  ويطلق عليها أيضا « المِلحة ».

وبازدهار هذا الصنف من الأدب الذي ينشأ في المجال الشفوي ويحتضنه المكتوب بالتدوين والتهذيب بعد أن يقع تداوله، ظهرت شخصيات خيالية وبعضها مرجعية عُرفت كأبطال تلك الحكايات ونمثل لذلك بجحا وأبي دلامة وأشعب. وعرفنا في النكتة المعاصرة أبو العبد  وأبو علي حميه في لبنان مثلا وارتبطت أحيانا بالجهات كالصعيدي والحمصي وأحيانا ارتبط النكت بالشعوب في حد ذاتها كنكت الفرنسيين عن البلجيكين واليهود في بعضهم وغيرهما، ضمن هذا الإطار يكشف توفيق عمران في كتابه عن شخصية تونسية عرفت كبطل من أبطال النكت الجريدية وهي « حمة الجريدي ». الذي يعيش مواقف وطرائف كثيرة بين العائلة والمجتمع ليكشف عن تناقضات ومفارقات الفكر الشعبي في مقاربة العديد من المسائل التي تبدو  ذات صلة بحياته اليومية بينما هي غائرة في عمق تفكيره ومعتقداته ورؤيته للعالم وللجار وللحيوان وللمناخ وللانسان وللآخر.

ويقول المؤرخ الدكتور الهادي التيمومي في مقدمة الكتاب،  » قد يختلف التونسيون في توصيف شخصية « الجريدي » لكنهم يجمعون على حقيقة لا تشوبها شائبة وهي تمتع الجريدي بموهبة « الضمار » تلك السخرية اللاذعة دون تجريح أو إهانة ». وبتلك الروح تمكن الجريدي من السيطرة على فضائه وقاوم الفقر والفاقة وقساوة الطقس وجور الحاكم.

 

 

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans مقالات في الصحافة العربية والدولية. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s