علي الدوعاجي أبو القصة في تونس

علي الدوعاجي أنتج كما كبيرا من المؤلفات في كل فنون الكتابة (الجزيرة)

كمال الرياحي-تونس

تمثل الثلاثينيات الفترة الذهبية للأدب التونسي، رغم قساوة تلك السنوات على المجتمع بفعل الأزمة الاقتصادية ومضاعفة الحكومة الفرنسية من قمعها للشعب الذي بدأ يصعد من مطالبه التحررية, ويمثل علي الدوعاجي أحد كبار نجوم الأدب في تلك الفترة التي شكلت محور اهتمام التونسيين في السهرات الرمضانية في قاعات السينما ومجالس الأدب ومسارح الطرب، فقدمت حوله سهرة سينمائية بعنوان » الدوعاجي في السينما » وقدمت الأفلام المقتبسة من أدبه، وسهرة ثانية حول أدب الثلاثينيات وزعيمها علي الدوعاجي، كما قدمت فرقة « وجد » الشابة أعماله المغناة.

النشأة والمنجز
ينحدر علي الدوعاجي المولود بتونس سنة 1909 من عائلة برجوازية ذات أصول تركية وصلت تونس العاصمة سنة 1575 للميلاد، ولم يعش الكاتب أكثر من أربعين سنة حيث توفي سنة 1949, وفي هذه السنوات أنتج كما كبيرا من المؤلفات في كل فنون الكتابة تقريبا من الشعر إلى القصة والمسرح إلى المذكرات والمقالات, ولم يقع تجميع ذلك الكم الهائل من الإنتاج إلا منذ سنة واحدة وتفاجأت الساحة الثقافية بهذا الزخم الكبير من الإبداع.

الأعمال الكاملة لعلي الدوعاجي (الجزيرة)

ونشأ الدوعاجي -الذي عرف بتونس والمشرق بكتابه « جولة بين حانات البحر المتوسط »- يتيم الأب، ربته والدته تربية لطيفة سمتها الدلال، فترك المدرسة العرفانية دون أن يتحصل على الشهادة الابتدائية، وانطلق ينحت كيانه وينسج ذاته بمطالعة آثار كبار الكتاب العرب والأجانب وهو يعمل في متجر نسيج.

فكان الانفتاح على الثقافات الفرنسية والإنجليزية والعربية القديمة, حيث كان يقرأ لنيتشه ولعمر الخيام ولشكسبير وللجاحظ ولطاغور وللمعري, فمكنته هذه الثقافة العالمية من اكتشاف طريق خاص في الكتابة جعلته يتصدر عرش الأدب التونسي.

وفي الواقع يعد تاريخ الأدب التونسي مدينا للناقد التونسي توفيق بكار الذي يقول عن أبوة الدوعاجي « هو أبو القصة التونسية غير مدافع, وأعتقد أنه ما من باحث تحرى في بحثه وتثبت إلا وهو مسلم للدوعاجي بهذه الأبوة ».

أما الناقد محمد فريد غازي فذهب إلى أن علي الدوعاجي كان أفضل كاتب قصة قصيرة في العالم العربي, وعده في مرتبة جون دوس باسوس وجاك لندن ومارل بروست.

البوهيمي والهامشي
هذا الكاتب الذي نشأ دون عناية بسبب يتمه المبكر وتركه للدراسة مبكرا, قبل أن يترك الحياة كلها مبكرا، كان وراء تأسيس أهم جماعة أدبية في تاريخ تونس وهي « جماعة تحت السور » التي ضمت كبار الكتاب وقتها والفنانين والموسيقيين والمسرحيين.

فتحت سور أحد المقاهي الشعبية بربض باب سويقة -الحي الشعبي بالعاصمة- نشأت النصوص المؤسسة للقصة التونسية بأقلام كتاب متمردين يقولون المختلف ويحاربون الجهل والتزمت بكل ضراوة, فتصدوا للحياة بأجسادهم حتى أهلكوها جميعا، إذ أغلبهم مات دون سن الأربعين.

الناقد التونسي توفيق بكار (الجزيرة)

ورغم انتماء أغلبهم إلى طريق البوهيمية في الحياة كانوا أهم نخبة وطنية عرفتها تونس في ظل أزمة اقتصادية واستعمار قاس أذاقهم صنوف القمع, فيقول الناقد المتخصص في هذه الفترة توفيق بكار في تقديمه للدوعاجي « عقدوا في الفكر والعمل بين الدين والدنيا، والله والوطن، والروحي والعقلي، والجهاد والنضال…إن عهدهم دون مراء لعهد الانشقاق البناء، تمخضت فيه البيئة العتيقة عن نواة أمة حديثة، كانوا طلائعها من النخب…، وإن يكن لنا اليوم استقلال ودولة ومجتمع مدني نام فإن أصولها جميعا لثمة ».

الدوعاجي والسينما
ولم تكن تلك الإشارة لمحمد فريد غازي في مقارنة الدوعاجي بدوس باسوس مجاملة, بل لأن أعمال الدوعاجي كانت بالفعل تستند إلى ثقافة بصرية تؤهلها لأن تكون نصوصا لأعمال سينمائية، وهو ما انتبه إليه السينمائيون التونسيون بعد سنوات وتحديدا في سبعينيات القرن الماضي, ومنهم المخرج حمودة بن حليمة في فيلم « الفانوس المظلم », والمخرج فريد بوغدير في فيلم « نزهة », وتواصل الاهتمام بهذا المنجز حتى مع السينمائيين التونسيين الجدد، وآخر ما قدمت السينما التونسية من أعمال الدوعاجي فيلم المخرج مراد بالشيخ « راعي النجوم ».

وتعد هذه الأعمال جميعها مستلهمة أو مقتبسة من قصص الدوعاجي « في بلاد الطررني »، وقد تنوعت المقاربات لهذه النصوص بين أجيال السينمائيين وانتماءاتهم الأيديولوجية والفنية, فأثمرت أعمالا رائعة أغنت المكتبة السينمائية التونسية بأفلام خالدة، بعضها يمثل دروسا في الاقتباس الفني من الأدب كفيلم حمودة بن حليمة, والآخر درسا في التخلص من سطوة النص واستنطاق أعماقه ومقاربته مقاربة تشكيلية كما هو الحال مع فيلم مراد بالشيخ, إلى جانب تلك المقاربات السينمائية المسرحية لأعمال توفيق الجبالي والفاضل الجزيري وغيرهما.

بقي أن نشير إلى أن علي الدوعاجي يظل وبقية عناصر « جماعة تحت السور » الأدبية والفنية موضوعا بكرا للباحثين, إذ رغم كثرة الحديث حول الجماعة فإن أدبهم ظل مجهولا ومغيبا لأسباب كثيرة في العهدين السابقين، ولكن الخطر الذي أصبح يهدده اليوم يمثل أكبر الأزمات التي سيعيشها وقد تهدد بنسفه، خاصة أن الكثير من آثار هذه الجماعة لم يجمع, ولم تنج منها إلا أعمال أبو القاسم الشابي والبشير خريف ومحمود المسعدي وعلي الدوعاجي.

المصدر:الجزيرة

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s