روائي تونسي بدأ حياته لاعبا قبل أن يبدع روائيا العش.. من ملعب الكرة إلى عالم الرواية

 

   
عبد الجبار العش قارب حال المجتمع التونسي برؤية عجائبية عبر « وقائع المدينة الغريبة » (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
في ملاعب مدينة صفاقس التونسية يتفقد رجل أربعيني سلامة شباك المرمى كل يوم، ويجس بقوة كراقص الدبكة أرض الملعب متأهبا لارتماءة على كرة مباغتة. يهرول قليلا باتجاه منطقة الستة أمتار وموقع ضربة الجزاء. يشد قفازاته جيدا إلى معصميه. يحنو الظهر قليلا وهو يفتح يديه إلى الأمام نحو التسديدة المحتملة. هكذا كان عبد الجبار العش قبل أن يأخذه طريق الأدب والرواية.
 
نبت الروائي التونسي عبد الجبار العش من بين عشب ملاعب الكرة وصخب فضاءاتها، ليقدم للسرد التونسي « تسديدات قوية » أربكت منجز أحفاد الروائي التونسي الكبير محمود المسعدي ومريديه.
 
نصوص العش تجعل قارئها يلهث، ملاحقا الحكايا الهاربة برشاقة  « عتوقه » -حارس مرمى المنتخب التونسي الأشهر- مذكرا بأن الكتابة يمكن أن تنبت من المضمار، كما هو الحال مع هاروكي موراكامي أو من شباك حارس المرمى، كما ألبير ماكو أو من ملاعبي البيسبول، كما هو حال بول أستر وكيرواك ومارك هاريس أو هي متفجرة كلغم منسي في غابة متوحشة، كما أرنست همنغواي الذي خرج من بين صيادي الحيوانات والأسماك، أو من رقعة الشطرج كما تدحرج صموئيل بيكيت مسقطا الملك والحصان.
 
يقول موركامي « إن ممارسته للكتابة الروائية عبارة على نشاط بدني، فالكتابة نفسها عمل ذهني إلا أن إنهاء كتاب بأكمله لهو أمر أقرب للعمل اليدوي، وإن لم يشمل الجري السريع أو القفز العالي »،
فالكتابة عنده « لعبة خشنة »، وهذا ما يظهر جليا في كتابه السيري « ما الذي أقوله عندما أركض » وهكذا كان يعتقد نيتشه، عندما يقول إنه لا يثق في إلا في الأفكار التي تأتي مع المشي.
 
قريبا من هذه « العضلات » الأدبية المتوترة، تنبت عضلات كاتب تونسي اسمه عبد الجبار العش، الذي اقتحم الكتابة الإبداعية بمجموعة شعرية  بعنوان « جلنار » وقرص مضغوط بصوته ولاقت تلك الأعمال نجاحا لافتا، قبل أن يباغت المشهد الإبداعي التونسي سنة 2001 بنص روائي خطير بعنوان « وقائع المدينة الغريبة » أحرج به وقتها لجنة تحكيم جائزة « الكومار » عندما حصلت روايته على الجائزة الذهبية وقامت قيامة البصاصين والبوليس السياسي الثقافي، في محاولات لاسترداد الجائزة بدافع أن الرواية ليس لها إيداع قانوني ولم تمر بالرقابة التونسية للكتب.
 
وقتها سانده بعض الكتاب والصحفيين الشرفاء لتبقى الجائزة من نصيبه. وأتبع هذه الرواية بروايتين « أفريقستان » و »محاكمة كلب »، وأثبت بذلك أنه أحد الأسماء الروائية الجديدة القادرة على تغيير المشهد الروائي التونسي، الذي ظل لسنوات يعاني جفافا وتكلسا واستعادة لأنماط روائية كلاسيكية.
 
« وقائع المدينة الغريبة » طليعة الإصدارات الروائية لعبد الجبار العش (الجزيرة)

كاتب العجائبية 
منذ روايته الأولى « وقائع المدينة الغريبة » يدخلنا عبد الجبار العش عالم اللامعقول، ليقارب روائيا واقع المجتمع التونسي من خلال حدث غريب تمثل في عجز أحد رواد مقهى المدينة عن رفع جسده عن الكرسي لتنتشر بعد ذلك العدوى -كما في رواية « العمى » لخوسيه ساراماغو- إلى بقية سكان المدينة. وتسقط البلاد في الشلل التام، وتعم حالة من اللامعنى علاماتها قرف في كل مكان وخوف عن الحميمي من حيواتنا وريبة من كل شيء. مقاربة فنية للشعب التونسي العاجز عن تغيير واقعه السياسي الكسيح في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.

ولئن نزل العش روايته الأولى في الفضاء التونسي من خلال اقتحامه للشوارع الخلفية لتونس وكشف الوجه الحقيقي الكامن وراء ما تروجه السلطة في نشرات الأخبار والبطاقات البريدية والسياحية فإنه تحرك بمفردات العجائبي إلى أفريقيا الأعماق في روايته » أفريقستان » ليقارب أكثر قضاياها الاجتماعية والسياسية تعقيدا وهي الديكتاتورية والأمن الغذائي. فرصد من خلال صحفي أجنبي شاءت له الأقدار أن يتمتع بقوة خارقة تسمح له برؤية ما لا يرى لاختراق أكثر الأماكن سرية.

ويصل إلى مخدع الرجل الكبير ويكشف أسباب ما تعيشه أفريقيا من بؤس وما يجعل شعوبها تقف منتظرة في طابور هروب طويل باتجاه أوروبا. يجعل العش من هذا الطابور العجائبي فضاء لروايته التي تبحث شخصياتها الحالمة عن يوتوبيا جديدة وأرض بكر تتسع لأحلامها الصغيرة بالحياة والسلام.

في روايته الثالثة « محاكمة كلب » يلتف العش حول سيرته الذاتية ليقتحم ما سماه الكاتب سيرج دوبروفسكي بالتخييل الذاتي، كاشفا كأول كاتب عربي -على حد علمي- بعد المغربي محمد شكري أسرار طفولته وما تعرض له من مهالك وقصة اكتشافه المتأخر أنه ابن بالتبني. كل ذلك يجري في أسلوب عجائبي يذكرنا بكابوسية كولن ولسن وفرانز كافكا، جاعلا من بطله يتردد بين البشرية والحيوانية، كائن مستكلب يحاكم بتهم شتى عن أسباب وجوده في هذا العالم مع جملة من المهمشين الذين يشكلون عالما منسيا في الأرض التونسية، خارج إطار ما يقدمه المركز كهوية لهذا الشعب المتروك بأحلامه وآلامه إلى الهامش.

غلاف رواية أفريقستان للتونسي عبد الجبار العش (الجزيرة)

كاتب تجريبي
تتخذ الكتابة عند عبد الجبار العش من التجريب مسلكا، وتقطع مع الكتابة التقليدية والسرد الخطي للأحداث، فتتعالق في روايته الفنون والنصوص الغائبة القديمة منها والحديثة، لتشكل متنا حداثيا يقدم خصوصيته باعتباره كتابة عالمة وباحثة.

غير أن خصوصية كتابة العش وتجريبيته لا تسقط النص في الغموض ولا تشكل تلك المعارف مأزقا في عملية التلقي، فقد تمكن من تذويب كل تلك المعارف التاريخية والأدبية والفنية والسياسية في التخييل ليمضي النسيج النصي راسما حبكة متماسكة، محافظا على التشويق إستراتيجية وعقدا صارما بين الكاتب والقارئ، وفيا لرهانه في رسم واقع الإنسان الجريح ذاتيا ووطنيا وإقليميا وعالميا.

تلقى روايات العش نجاحا جماهيريا في تونس، وتحاول جاهدة أن تعبر إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط من خلال ترجمتها إلى لغة موليير. وقد بادر المترجم والباحث الهادي خليل بترجمة روايته » محاكمة كلب » إلى الفرنسية وصدرت عن المركز الوطني للترجمة. وما زالت تجربته الأدبية والحياتية تغري السينمائيين والمسرحيين، فقام بمقاربتها المخرج التونسي المقيم بإيطاليا عادل بكري في فيلم وثائقي مستوحى من مجموعته الشعرية « جلنار ».

وقريبا من هذه العوالم الجديدة التي تقتحمها الرواية التونسية منذ بداية الألفية الثانية تنهض أيضا كتابات كمال الزغباني صاحب رواية « في انتظار الحياة » وغيره من الأصوات الجديدة مبشرة بأفق روائي تونسي مختلف حقق المعادلة الصعبة بين الجماهيرية والفنية العالية، فاكتسبت هذه الأصوات احترام الداخل والخارج الثقافي.

المصدر:الجزيرة

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s