مشرط» كمال الرياحي : رواية التفاصيل وخيط الحرير الرفيع

img_2971.jpgمسعودة أبوبكر

في روايته «المشرط» يخوض كمال الرياحي تجربة الكتابة الروائية غير مستعجل . ربّما لوعيه بصعوبة هذا الفن وأهمّيته على غير ما يتصوّر البعض ممن يركبون هذا الفن بلا تهيّب، ويجري في الفؤاد أنّه الباب الواسع الذي يلج منه كلّ شيء بلا حسبان.

يتركب العنوان من كلمة واحدة: أمّا العنوان الفرعي «من سيرة خديجة واحزانها» فقد غاب وجه الإسم ووجاهته، وغابت الدلالة في اللغة ليظل المعنى في كنايته من قاموس «شورّب» إحدى الشّخوص المنحرفة وجماعته.

يتموضع الكاتب في حمّى المعيش في حاضر الحياة، وسط جغرافية الأحداث حتّى وهو يستدعي الماضي إلى الحاضر في رمز من رموز الفكر الإنساني ( عبد الرحمان بن خلدون) محاورا تارة و منصتا تارة أخرى.

أمّا الرّاوي، فيضطلع ـ منذ البداية ـ دور شخصية الشاهد على صيرورة الوقائع من حوله يقف عند وسط الحلبة في حاضره بين الماضي والآتي، متوغّلا في الذات الإنسانية، مسائلا وعي الإنسان انطلاقا من أحد الوجوه الراقية في سلم المجتمع المتمثل في العلامة والذي كما يقول نادر الرنتيسي «يعدّ بنظر علماء النفس نمطا راقيا من الأسوياء الذين يتمايزون عن العاديين من الناس» ومواجها من جهة أخرى المرابطين في المستنقع، في الدرك الأسفل من الحياة ، في الحضيض أمثال «شورّب» وجماعته. عند نقطة الوسط يتموضع الكاتب.

يرى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز أنّ للوسط أهميّة خاصّة في الكتابة الأدبية ويرى أنّ الأشياء لا تبدأ في مزاولة الحياة إلاّ في الوسط. والوسط هو الطريق، وهو الحاضر، وهو ما يتمسّك به الكاتب المبدع ويحقّق الصيرورة والمرور والقفز والقوّة الخارقة، واستمرارية التواشج مع الخارج.

قد تبدو الرواية متاهتية في قراءة عابرة. لكن سرعان ما يكتشف القارئ أنّ الشخصية الشاهدة تشدّ خيط الوقائع، من جهة، خلف تحرّكات بقيّة الشخوص الرئيسية منها والثانوية تتموضع في قلب الحلبة، ومن جهة أخرى، على خطّ التقاء كل الأفكار المختلفة في مضامينها ومستوياتها وطروحاتها وتفاعلاتها مع المحيط ، وتفاعل الأحداث ليربط بين كل ذلك. يقول جيل دولوز ينبغي إحلال الربط محل الوجود.

نمضي خلف أوّل الأتلام في طينة النص فتنبجس كلمة الحقيقة ساطعة بأحرف بيضاء مطوّقة بالسواد وكأني بالسارد يشير قبل بدء الحكاية “ هنا مربط الفرس” وببلاغ رسمي. تماما مثل بلاغات الموت المجاني الذي يقتحم هدأة البيوتات يندلق من أفواه مذيعي قنوات الأخبار بكلّ أنواعها، بلاغات عن الكوارث الطبيعية المختلفة واحصاءات القتلى والمغتالين والمذبوحين والمغتصبين والمشنوقين والمحروقين ومقطوعي الأعناق بالسيف والصورة وبرودة الدم، والتائهين والمنبوذين، مع تتبيل المعرض الكوارثي ببعض التفاصيل والصور البليغة، وكما لا تخلو بعض الأخبار من اللبس جاءت بداية هذا النص ملتبسة . لخبطة مقصودة. كبّة من خيط الحرير الرفيع التي هُتك لفّها فضاع رأس الخيط واختلط بعقبه.

ثمّ يبادرنا الرّاوي في مستهل أخباره عن الهدهد الذي سكن الخروبة المبروكة. هذا الطائر الذي كثيرا ما كانت العامة تربط بنواصيه الأخبار. وله في قصّة الملك سليمان إخبار عجيب وقاه من عقاب شديد. يليه خبر الثعبان الذي يتسيّد في موضع غير موضعه. يخلي له أهل البيت المكان طوعا ورهبة. أليس هو الولي الصالح في عداد الخرافة وتفسير الأحلام ؟ أليس هو الذي لا يجوع ولا يبيت في الخلاء ولا يؤذي إلا من يؤذيه! وهنا تظهر المفارقة عبر صورة التقديس والرهبة من قبل أهل الخرافة وحقيقة الثعبان المتسلطة الذي لا يبطن غير السمّ لكنّ الكثير لا يعقلون. وتمضي الأخبار المعلّقة بناصية الهدهد القائم في الخراب. وأيّ خبر في حجم ذكر المخّاخ! يمتصّ ما في الرؤوس ويبث الهلع في النفوس.

ثمّ يروى الشاهد عن العلاّمة وكيف أنّه يرحل إلى عصر تفصله عنه ستة عقود رأى فيه ما لا يقلّ عجبا عمّا شهد في عصره المترجرج بالأحداث. وكأني به يروي إلى جليسه الليلي (شاهد الوقائع) رحلة سندبادية في جزيرة من جزر الرعب والسحرة والعفاريت التي طوّف بها في رحلاته العجيبة محدّثا إيّاه ـ وهو يشاطره تدخين سيجارة ـ حديث العجب : عن بغلة تلد مسخا… فينطلق هذا المسخ يتهدّد الإنسان ويلتهم ما ضمّ قحف الدّماغ . فإذا الأجساد كجذوع النخل الخاوية بلا نبض وبلا عقل. إصبع ممدودة إلى المسوخ الإنسانية التي تهيم في عصرنا منبتّة عن هويتها وكرامتها وطمأنينتها وقد سلب لبّها وضميرها فإذا الجسد، كما يقول الرّواي ص 54:

“ ينساب الجسد، يتحوّل إلى شيء غريب أشبه بجذع شجرة يابسة اجتثّته الريح من مكانه ورمت به في شارع مقفر تصطاف فيه الريح ويواقع فيه الوحشةَ الغبارُ تتلاشى تضاريس وجهه ويتلاشى إحساسه بها… هو لا يذكر كيف كانت ملامحه، ينتابه شعور بالنسيان وإحساس بالخوف ورؤيا تخلع أقفال مخازنه.”

تأتي الوقائع مسرودة بشكل إخباري، ويستبطن المتن سخرية مريرة. وإن بدا النص مثقلا بمدلولاته ومرموزاته ففي بعض المواضع تمتد إصبع الإنتقاد مباشرة إلى العلّة، إذ النص خطاب نقدي واضح لقضايا المجتمع وأورامه.

إنّ نصاّ يحضر فيه ابن خلدون ويحضر فيه شورب وجماعته وبولحية وآدم وحوّاء ومومس شارع الشوارع ، لدليل على عصر اختلاط الحابل بالنابل، تعكس مراياه وضع المثقف في نسق اجتماعي غريب. قاموس خطابه ومفاهيمه مرسوم بالفج، فاتح على الخواء الروحي وقانون العنف والمادةّ، في مجتمع تحق فيه قولة الماغوط :

نصفه نجوم ونصفه الآخر بغايا

وأشجار عالية

ذلك الشارع المنكفىء على نفسه

كخيط من وحل.

“ المشرط” نص يتقصّد خلخلة ناموس الحكاية. هزهزة مجلسها الثابت. إرباك الكتابة وإخراجها عارية مشوشة من مخدعها ومباغتتها حتّى تطلع بلا مساحيق تجميل، بلا زيف تحت الشمس. فاستمرأت هذا التحدي والإستفزاز وهي تلمح الكائنات تمنح لشمس السؤال عريها بكل ما تستملحه العين وتستقبحه وبكل ما يباركه الوعي ويستهجنه.

هو نصّ يؤكد أنّ كلّ شيء قد قيل، ولكن كل شيء قابل للتعرية بوسائل وطقوس لم تستنفذ بعد، ووسائل تتغير بمتغيّرات عصرها، فإذا هو نصّ مضمّخ بسرّ إمتاعه وطرافته.

الحكي في هذا النصّ قد غيّر أبجديته وأربك المجلس التقليدي لروّاد حكواتي الخرافة. و السؤال قد بعثر نقاط استفهامه المنكفئة حول استدارة بطنها ببلاهة الخنوع.

أن تصدم بلا هوادة، ذاك هو القصد البيّن من هذا النصّ. فمبضع الجرّاح حاسم في فصده لنسيج اللحم وإلاّ تاه عن موطن الخلل في العضل العليل.

“ المشرط “نصّ منفتح ـ ربّما ـ على تجربة الرواقصّة حيث الفصول متصلة منفصلة، تتغيّر الأحداث والراوي /الشّاهد /الشخصية الأساسية القابع خلف كاميرا المعاينة، واحد ، يتموضع وراء منسج الوقائع، هو نفسه … وإن اختلفت الأقنعة.

الرواية صادرة عن دار الجنوب 2006

 

نشر المقال بأخبار الأدب المصرية

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans المشرط. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s