في رواية «المشرط» لكمال الرياحي /عندما تروي خديجة

IMG_5064بقلم: د.محمد الباردي

إنّ فضل هذه الرواية التي كتبها كمال الرياحي وهي باكورة أعماله وعنوانها «المشرط» (تونس 2006) يتمثل في القدرة الفنية على تحويل حدث من الأحداث اليومية العادية التي تتناقلها الصحف ووسائل الإعلام الى مضمون سردي أو مرويّ أساسي من مرويّات الرواية والحقيقة أنّ هذه الاستراتيجية في الكتابة السردية تبدو جديدة في ما يُكتب في تونس من روايات ولكنّها استراتيجية شائعة في أعمال روائية شهيرة كتبها العرب. وأكتفي بالإشارة الى ثلاثية يوسف القعيد المعروفة «شكاوي المصري الفصيح» التي قامت على تسريد خبر تناقلته بعض الصحف مفاده أنّ مصريا فقيرا عرض أبناءه للبيع.
أذكّر أنني ذات صباح في منتصف ثمانينات القرن الماضي، كنت أعبر شوارع مدينة سوسةوأنا أحمل حقيبتي متجها الى دار المعلمين العليا لألقي دروسي الجامعية الاولى. ذاك الصباح اعترض سبيلي رجل وركنني الى الجدار وطلب منّي أن أفتح حقيبتي. قلّب أوراقي ثم أذن لي بالمرور وقد فهمت أنّه من رجال الأمن. كان الرجل يبحث عن مشرط، لعلّه المشرط الذي تتحدّث عنه رواية كمال الرياحي.
والخبر معروف : شخص أو مجموعة أشخاص يلاحقون النساء العصريات بمشارطهم لتشويه أجسادهن من الخلف. وتحوّل الحدث الى خبر تتناقله الألسنة وقد تدخّل خيال الناس ليجعل منه حكايات عجيبة، ليست أعجب من هذه الحكاية التي رواها كمال الرياحي على ألسنة سردية وهم كثر.
1 ـ إنّ البرنامج السردي الذي تتوخاه رواية «المشرط» برنامج إبهار. ولا شكّ أن قارئ هذه الرواية سينبهر وهو يقرأ النصّ للمرة الاولى، بهذه الحكايات العجيبة والغريبة التي حشا بها المؤلف روايته. فهو لا يكاد يخرج من عالم سحريّ مجنّح في الخيال حتى يدخل عالم الخرافة حيث تصبح كل الأحداث ممكنة وهو لا يكاد يترك هذا وذاك حتى يجد نفسه في أجواء فانتازية مثيرة. إنّه المزج بين التخييلي والواقعي، بين أحداث عجيبة ومغرية تخترق المنطق والممكن وأحداث واقعية عادية يخفت فيها التخييل ويقف عند مستواه الادنى.
1 ـ 1 في الجزء الاول من الرواية مجموعة من الحكايات العجيبة والغريبة : في ذكر الخروبة المبروكة التي سكنها الهدهد ـ في ذكر المخّاخ ـ ما أشدّ حماقة من يموت بالحمّى ـ رؤى ـ في ذكر سيدة الروتند. وهي كلها حكايات متنافرة، متباينة، تخرج بالقارئ من مستوى سردي الى آخر ومن سياق حكائي السياق جديد ومن مضمون سردي الى مضمون مغاير.
يروي الحكاية الاولى سارد لا ندرك هويته وهي حكاية شجرة الخرّوب والنسناس والثعبان. لقد سقطت شجرة الخرّوب المقدّسة على البيت وأهله عندما سقط الثعبان وحاول الأب قتله «عندما وصل الأهالي… بحثوا عن الجثتين فلم يعثروا الاّ على هدهد وصغاره تطايروا في كل الاتجاهات ليعلقوا بأشجار الزيتون، بينما سحب أحد الباحثين جثة زرقاء. منذ ذلك اليوم سكن الخراب المكان وحلّت جنائز الملسوعين» (الرواية ص24).
وفي الحكاية الثانية تنبثق الحياة في تمثال ابن خلدون القائم على قاعدته في «شارع الشوارع» في مدينة تونس ويشق علامة تونس ساحة برشلونة ويمتطي القطار خلسة ثم يرمي بنفسه من نافذة القطار ليجد نفسه في عوالم عجيبة «أفقت صباحا فوجدتني قد وقعت في أمة تتكلم عربية غريبة، أمّة برؤوس طويلة وأجسام عظيمة يكسوها شعر مثل وبر الإبل… يمشون محرّكين مؤخراتهم بشكل غريب… يأكلون الأعشاب ولا يقربون لحوم الخرفان الاّ في يوم واحد من أيام السنة يسمونه عيد الغرّافة» (الرواية ص26) ولهؤلاء القوم عادات غريبة، فالمرأة عندهم «لا تخرج من بيتها الاّ متى حبلت والاّ نعت زوجها «بالبحر»، فاذا طال اختفاء الزوجة في البيت أكثر من ثلاثة أشهر فانّ رجلا من القرية يدخل عليها فيحبلها ويصلب الزوج للمخاخ والجوارح الاخرى…» (الرواية ص33) ويجد ابن خلدون نفسه في خضم هذه الحياة الغريبة التي تعيشها هذه الأمّة العجيبة ولا يستطيع أن يتخلّص منها الاّ عبر حادثة لا تقل غرابة تدخله مغامرة مثيرة (علاقته بزوجة حارس مدينة المنافيخ) ليجد نفسه في النهاية على قاعدته النحاسية من جديد : «وها أنا كما وجدتني أقضي نهاري أخاصر السائحات اللاتي يقفن بجانبي لأخذ الصور التذكارية وفي الليل يأتيني المنسيون لاسترجاع الحكايا ومراقبة دوران عقارب الساعة العملاقة» (الرواية ص50). ويخرج السرد من هذا السياق الحكائي الى سياق مغاير واذا نحن ازاء سارد شخصية، يعيش أزمة نفسيةوروحية حادة يعبّر عنها في مقطع سردي قصير «أين سأبيت الليلة؟ أكاد أجن… لم أعد قادرا على احتماله… إنّه شيء لا يطاق… أمر فظيع… الحلم البشع يعاودني. أنزل من سريري وأتجه نحو الحنفية… الماء يحضر في الجمجمة القذرة، يغسل أفكارها المتطرّفة وقناعاتها المتعفنة…» (الرواية ص53) ثم يمضي السرد من سياق حكائي جديد وهو تسريد لثلاث لوحات لرسامين من ايطاليا وألمانيا بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر وتتعلق اللوحات الثلاث بقصة آدم وحواء وتفاحة الجنة وفي نهاية هذا الجزء يعود السرد الى سياقه الواقعي ليروي قصة سيدة الروتند وهي تلك المرأة التي تنتقل من رصيف الى آخر في شارع الشوارع لتستقر في أحد مقاهيه وتصطاد حرفاءها «جلست والعهر بعينيها تتأمل وجوههم المقلوبة. أشعلت ونفثت خيوط غوايتها في أرجاء المقهى. أين سأبيت الليلة؟» (الرواية ص7).
1 ـ 2 في الجزء الثاني من هذه الرواية نحن ازاء مرويّ واقعيّ بامتياز. ثلاث شخصيات مرجعية (نيقرو ـ شورّب وبولحية) تحيل على بعض الفئات الاجتماعية النازحة من الشمال الغربي الى العاصمة، تؤلف حكايةواقعية تقوم على مجموعة من الاحداث المثيرة. يتعنّف شورّب على صديقه النيقرو الذي كاد يهلك لولا تدخل صديقه الثاني بولحية الذي أخذه معه الى بيت على ذمة صديق آخر، يخرج السرد من هذا السياق الحكائي ليلج سياقا حكائيا آخر يتسم بدوره بالواقعية الثابتة، حارس دار الطالبات يتلصص على الطالبات ويروي أسرارهن في المقهى، ثم ينقطع السرد ليعود الى بعض الشخصيات القديمة ويروي كيف تعرّف بولحية على النيقرو، وفي نهاية هذا الجزء الثاني ينبثق صوت سرديّ لا نستطيع أن نحدد هويته، يروي ما حدث لشارع الشوارع وما ألم بالعلاّمة ابن خلدون الذي تحرّكت الحياة في تمثاله مرة أخرى «لم أصدّق ما رأيت كان القمل يجتاح اللحية في حركة شبيهة بحركة الموج، كان سرب منه قد خط سبيلا على العنق في اتجاه الشعر المبعثر… رأيت العلامة ينحني عليّ ليهمس أرأيت؟» (الرواية ص19).
1ـ3 في الجزء الثالث يظهر السارد ـ الشخصية، مالك المنفوخي سي بولحية فنفهم أنه كاتب يشتغل في إحدى الصحف «قصصك لا يصدقها أحد ومن الأفضل لك أن تهتم بإصلاح المقالات التي تصلك الى مكتب الاصلاح لأني اكتشفت أخطاء كثيرة في كل المقالات التي تكلف بها» (الرواية ص 116 وعندئذ يعرض مجموعة من الأخبار الصحفية عن القدس والوطن العربي والبيان والشروق والرأي يتعلق أغلبها بموضوع الاعتداء على المؤخرة :(التأمين على مؤخرة جنيفر لوبيز يعادل ثلث مبالغ مكافحة المجاعة الافريقية ـ حصان يقضم قطعة من مؤخرة أشهر مطربة بوسنية ـ قضية قناص النساء سلسلة ذبح مؤخرات النساء في تونس تدخل الأحياء الراقية). وعن هذا الحدث المركزي تتناسل مجموعة من الحكايات يرويها بولحية الذي ينشغل بالحدث الذي حرك الرأي العام ويتهم أقرب الناس اليه من معارفه واصدقائه الى ان اغلق ملف قناص النساء نهائيا «كما نعلم القراء ان ملف قضية القناص اقفل نهائيا ولم يعد يعني جريدتكم «الحقائق» في حلتها الجديدة، لا من قريب ولا من بعيد (الرواية ص177) وبذلك تنتهي الحكاية ويقفل النص.
2 ـ 1 ـ تبدو هذه الرواية مفككة الاوصال من خلال اجزائها الثلاثة ذلك اننا ازاء سياقات حكائية مختلفة ومتنوعة ـ كما اسلفنا ـ ولسنا ازاء حكاية واحدة يمكن ان تحدد عناصرها بسهولة. ثم ان الاصوات السردية تتعدد وتتنوع بدورها فلا نستطيع ان نحدد هوية المتلفظ في الابان. فالرواية تبدأ بالحكاية التي تحمل عنوان «في ذكر الخروبة المبروكة التي سكنها الهدهد» ولا يستطيع القارئ ان يدرك ان السارد (الشخصية) في هذا مقطع السردي هو بولحية الا من الصفحة الثانية والاربعين بعد المائة «كل الذين يحيطون بي مؤهلون لارتكاب الجريمة، بولحية مثلا اقواله متضاربة بشكل غريب، مرة قال لي ان والده مات مع امه بعد ان تهدم بيتهم عندما سقطت عليهم شجرة الخروب» (ص142). وفي المقطع الذي يحمل عنوان «في ذكر المخاخ… يلتبس الامر بين صوت السارد وصوت ابن خلدون الذي يروي مغامرته «وفي سكك الربوع ينبت شجر يسمى «البطوم» ربما هو الذي سكنه النسناس، وهو شجر عظيم باوراق صغيرة وكثيرة يطرح ثمرا صغيرا كعناقيد العنب يسمونه «قدوم الجن» بعضها اخضر وبعضها بنفسجي وآخر اسود ووهو ألذها (الرواية ص31) واحيانا كثيرة يلتبس الامر بين صوت بولحية وصوت النيقرو، فالمقطع الموسوم بـ«في ذكر سيدة الروتند» يمكن ان ينسب الى الرجلين او الصوتين السرديين وخاصة اذا علمنا ان المرأة من رواد قاعدة تمثال ابن خلدون «اكل الجبل الشمس قبل قليل ورمى الليل لحافه على كتفي الشارع المطعون بنور فانوس نحيل، اتى صوت المؤذن من بعيد داعيا الى الفلاح، سائلا ان اتركوا هذا الراوي المجنون» (الرواية ص69) وعلينا ان ننتظر تقدما في السرد لندرك علاقة النيقرو بالمرأة الحاصرة، سيدة الروتند.
بهذا المعنى يتعمد مؤلف الرواية اسلوب الالغاز، فهو لا يحدد هوية الصوت السردي منذ بداية المقطع السردي ولا يعلن عن طبيعة المتلفظ وعلى القارئ ان يكتشف هذا وتلك في غضون الحكاية وفي مسار السرد. ولذلك لا تخلو الرواية من شيء من الغموض وهو ذاك الغموض المستحب الذي يجعل النص مفتوحا ومحاورا.
2 ـ 2 ـ من مظاهر هذا الغموض ان القارئ لا يفهم هذه الرواية الا اذا ادرك ان كل تلك المقاطع السردية المتأخرة او تلك الحكايات المتنوعة ليست في حقيقة الامر الا مجموعة من القصص كان قد الفها بولحية، هذا الصحفي الكاتب بما في ذلك الحكاية التي تتعلق بالعلامة ابن خلدون والتي رواها بنفسه «انا خائف على بولحية جدا، يبدو انه يتقدم نحو الجنون بسرعة عجيبة منذ مدة كان قد حدثني انه يفكر في كتابة رواية عن تمثال ابن خلدون، قلت له ان الفكرة طريفة قرأ لي جزءا منها فأبديت اعجابي بما كتب (الرواية ص131). ويصرّح السارد نفسه ان قصة المخاخ كتبها بولحية قال لي يومها النيقرو انه استيقظ متأخرا وانه كان تحت وطأة كابوس… يبدو لي الآن انني في تلك الليلة كتبت قصة المخاخ (الرواية ص144). ولكن بولحية لا يروي وحده كل المقاطع السردية في الرواية اذ يشاركه فيها صديقه النيقرو. يؤكد هذا الرأي مدخل الرواية تحت عنوان الحقيقة العدد 2006، فبعد اختفاء بولحية الذي كلف بمتابعة قضية قناص النساء وكذلك صديقه النيقرو دخل رجال الامن الشقة «وعندما كسروا الباب الخشبي واقتحموا الغرفة المتربة لم يعثروا الا على حزمة من الاقلام الجافة وفتات خبز اخضر ودفترين بخطين مختلفين ولم يهتد احد الى تمييز خطه من الخط الآخر لذلك قررنا نشر ما جاء في الدفترين..» (الرواية ص17) وهذا يعني ان الحكاية كلها هي هذه المادة المتردية التي وردت في الدفترين والتي نشرها صاحب صحيفة حقائق. وبالتالي فان كل الحكايات التي منها تتألف رواية المشرط مبررة تبريرا فنيا لا يخفي براعة مؤلفها وما نستنتجه في النهاية ان هذه الرواية على تنوعها حكاياتها محكمة البناء متماسكة الحكي وما تفكك الاوصال الذي يبدو للقارئ الا تفكك ظاهري ناتج عن الانتقال من مستوى سردي الى آخر ومن طبقة سردية الى اخرى وهو مظهر من مظاهر حداثة هذا النص الروائي.
2 ـ 3 ـ لقد استدعت الرواية نصوصا قديمة وحديثة وهي نصوص تراثية تنتمي الى الثقافة الشعبية ونصوص شعرية حديثة كهذا النص لادونيس «ألمح بين الكتب الذليلة في القبة ـ الصفراء. كما استدعت نصوصا دينية من الانجيل. وقد استدعاها المؤلف على سبيل التضمين والاستشهاد بدون مبالغة ولا اسقاط كما يفعل بعض الكتاب فأثرت الحكاية وعمقت بعدها التخييلي كما استدعت ايضا لوحات فنية تعتمد المؤلف تسريدها وبنى من خلالها حكائية حكاية تدعم هذا التنويع الذي التجأ اليه وبذلك جمع بين ثلاثة انماط من التشخيص فالرواية شخّصت الواقع الاجتماعي وشخصت الفن وشخصت ذاتها عندما تحولت الرواية الى رواية داخل الرواية وهي بذلك كله تحولت الى رواية تجريبية بامتياز.
2 ـ 4 ـ ومع ذلك اتسمت الرواية بضرب من الجرأة المحسوبة عندما جعلت من مروياتها الحديث المسرد عن خديجة. وخديجة ليست خديجة، إنها كناية تنسق من حادث عام عابر لتلج عالم «الكراوكة». وبذلك هتك المؤلف المحظور فان بالغ احيانا في ذلك عندما جعل من ثقافة «خديجة» مرويا اساسيا من مرويات الرواية.
لا شك ان هذه الرواية كما اسلفنا رواية تجريبية بامتياز، سعى من خلالها المؤلف الى توظيف ثقافته الادبية والسردية، والى الكتابة على نهج كبار الروائيين العرب ولكنه كتب نصا جميلا ورواية انيقة تثري المكتبة السردية التونسية.

عن جريدة الصحافة التونسية

الخميس 20 مارس 2008

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans المشرط. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s