الكتابة بالمشرط

IMG_5059آدم فتحي 24 نوفمبر 2006
تقرأ أحيانًا كتابًا فتتمنّى أنّك لم تفعل وتقرأ كتابًا آخر فتتمنّى أن «يغتنمه» الجميع مثلما يغتمون فرصة للحياة والجمال..تلك هي الفكرة التي راودتني وأنا بين يدي رواية المشرط لكمال الرياحي الصادرة بمقدّمة لصلاح الدين بوجاه ضمن سلسلة عيون المعاصرة التي يشرف عليها أستاذنا توفيق بكّار.
بين مطلع الرواية وخاتمتها نشهد على تحوُّلِ «الحقيقة» إلى «حقائق» ونكتشف مجتمعًا من مسوخ يتشكّل أمامنا في هيئة العجيزة الجماعيّة (خديجة حسب الرواية) التي يتولّى الكاتب تشريحها بمكر وسخرية.
يلهب الروائيُّ «خديجة» بمشرطه فإذا هي تحملنا «زقفونة»، وإذا هي تفضح ما تفشّى فينا من نواقض القِيَم ونقائض الحريّة، وإذا هي تواجهنا بنقائصنا في ضوء العورة ( النقيصة الجذريّة )، وإذا نحن لا نعرف في النهاية ما الفرق بين الروائيّ والقنّاص الآثم الذي نشرت الصحف قبل سنوات أخبار استهدافه مؤخّرات النساء.
هكذا تقف الكتابة على الحافة فإذا هي فعلة «يقترفها» صاحبها كما يقترف الآخرون الآثام..وهكذا يلعب كمال الرياحي في روايته «المشرط» لعبةً جميلةً شديدة الجديّة وشديدة الخطورة، ككلّ لَعِبٍ بالمشرط وما شابهَهُ من أدوات حادّة..وكدتُ أقول: ككلّ رواية حقيقيّة.
هي لعبة جميلة لأنّ معمارها يدعم شاعريّتها..وهي لعبة جادّة لأنّها تجابه جراح الذات والجماعة وتصطدم بالعبث وتغامر في الممنوع..وهي لعبة خطرة لأنّها تعوّض القلم بالمشرط فإذا نحن فيها جسد مباح لجراحة دون تخدير..لكنّها تظلّ لعبة لأنّ صاحبها يحافظ على مسافة تتيح له الإيفاء بذلك الميثاق السحريّ: أن يستمتع القارئ بالقراءة على قدر استمتاع الكاتب بالكتابة.
من الصعب إيفاء الرواية حقّها في مثل هذا الحيّز الضيقّ..لكنّي أعترف بأنّي استمتعت حقًّا بقراءتها، وأريد أن أشير إلى بعض وجوهها على سبيل ردّ الجميل لكاتبٍ قدّم لي مثل هذه المتعة.
قد تبدو «المشرط» رواية تجريبيّة، لكنّي أزعم أنّ كمال الرياحي في عمله هذا استطاع أن يتجنّب فخاخ التجريب..فهو يستخدم التركيب السينمائيّ والكولاج ويحاور التشكيل والموسيقى ويدعو السرد إلى مساءلة نفسه ويعتمد الباروديا ويجمع بين الواقعيّ والعجيب وبين الوثائقيّ والمتخيّل ويقود أوركسترا لغويّة يتناغم داخلها التراثيّ باليوميّ..لكنّ هذه العناصر لا تتسبّب في إعاقة القراءة مثلما هو الشأن مع روايات حديثة كثيرة..بل يطلع منها القارئ بحكاية يستطيع أن يساهم في حبكها..ويظفر بلغة يستمتع باكتشاف سرّ ألفتها وغرابتها..ويخرج بشخوص لا تُنسى (كالمخّاخ والنسناس) يصدّقها على الرغم من (وربّما بفضل) عجائبيّتها..ويعود بلوحات جميلة ترقى إلى مستوى البطولة (كلوحة تمثال ابن خلدون وهو يتحوّل إلى كائن حيّ..) وهذه كلّها عناصر مذوَّبةٌ في كوريغرافيا تصالح بين التجريب والمقروئيّة..والرواية من هذه الناحية، دليل آخر على أنّ كلّ رواية حقيقيّة، هي دائمًا، رواية تجريبيّة.
وقد تبدو «المشرط» منخرطة في سياق ما اصطلح على تسميته بأدب الهامش..لكنّي أزعم أنّ كمال الرياحي لم يقع في فخّ الهامشيّة المصطنعة التي وصمت كتّابًا توهّموا أنّهم ينجحون كلّما شحنوا رواياتهم بالشخصيّات التي جرى تهميشها..ناسين أنّ الرواية الحقيقيّة عالم متكامل للهامش فيه مثل ما للمركز وإلاّ بطل السحر وانعدمت المصداقيّة..وقد فهم صاحب هذه الرواية خطورة هذا الفخّ..فأعطانا شخصيّات من لحم وخيال، ما أن تنتقل إلى مركز الرواية حتّى تفقد هامشيّتها في المجتمع..حيث وحده الكاتب يقف على الهامش كي يكتب..وإلاّ تحوّلت الكتابة إلى إستراتيجيّة سلطويّة..ومن هذه الزاوية فإنّ كلّ رواية حقيقيّة هي رواية تُكتب من الهامش كي تقبض على المركز.
وقد تبدو «المشرط» قريبة من تلك النزعة القديمة الجديدة التي يمكن إدراجها تحت تسمية « أدب سوء الأدب »..تسمية تهمّ تلك الروايات التي «تسيء الأدب» بمعنى الجرأة في تناول المحرّمات أو في استعمال سجلّ لغويّ يراه البعض لدى روائيّي «الواقعيّة القذرة» وينسبه آخرون إلى «كتّاب القاع.. » وقد تلقّف عدد من كتّابنا العرب هذه «الصرعة» فإذا هم يظنّون أنّ الرواية تنجح كلّما فاحت بالروائح النتنة أو فاضت بالعبارات النابية..يتوهّمون أنّهم يتماهون مع البذاءة باعتبارها نوعًا من الانشقاق، لعلّ أعمالهم تصبح انشقاقيّة..وهو وهمٌ قد يُغفر للجهلة لكنّه لا يُغفر للكاتب المثقّف..لأنّ من شأن الكتابة أن تعلّمنا أنّ الأدب هو ابن الواقع أحيانًا وأبوه أحيانًا أخرى لكنّه نقيض الواقع الخام في كلّ الأحيان..ولأنّ من شأن الثقافة أن تعلّمنا أنّ البذاءة هي سمة الخطاب المتسلّط حين يريد امتهان الآخر..وهي التجلّي اللغويّ الذي يثبت به القويّ للضعيف أنّه صاحب السلطة..وليس من انتصار للقاهر على المقهور أكبر من أن يراه ينجرّ إلى الاقتداء به في لغته (ومن ثمّ في فكره) على غرار اقتداء المغلوب بالغالب..ومن ثمّ فإنّ تبنّي اللغة البذيئة ليس انشقاقًا بل هو اعتراف بالهزيمة وانخراط في لغة المتسلّط.
لكنّ كمال الرياحي لم يقع في شيء من هذا..فقد استطاع أن يجعل صعاليك الأزقّة ينطقون بكلمات تقولهم دون ابتذال، وتعبّر عنهم دون تزلّف، وتتجاور مع قطوف من التراث والشعر في غير قلق..وكأنّه استبطن عبارة ستاندال حين قال «إنّ الرواية مرآة تتجوّل في الطريق العامّ.. » وهكذا توهّجت «المشرط» بلغة منحوتة من واقع الشخصيّات ومن جسد الكاتب وروحه، تعكس نقاط الجمال بجماليّات الأدب..وتعكس بذاءة الواقع بأسلوب يجعل منها أدبًا لا بذاءة..كلّ ذلك من خلال نسيج طريف يصالح بين مختلف السجلاّت في توازن محسوب.
ثمّ إنّنا أمام رواية لا تستعرض المعرفة ولا تعتبر المعرفة تهمة..فصاحبها مطّلع على نظريّات السرد..وهو قارئ نهم للمتن السرديّ من الحكاية الشعبيّة إلى الحبكة البوليسيّة ومن ألف ليلة وليلة إلى ميلر ومن كافكا إلى بورخيس..لكنّ هذا كلّه مصهور داخل العمل، جارٍ في شرايينه، مساهم في بناء فرادة أسلوبه..يكثّف دون أن يرهق ويثري دون أن يثقل.
وخلاصة القول، إنّ كمال الرياحي في هذا العمل، من الروائيّين القلائل الذين ما أن تقرأ لهم أوّل ما كتبوا حتّى تشرع في البحث عن كلّ ما كتبوا.
أذكّر بالرواية: المشرط (من سيرة خديجة وأحزانها). دار الجنوب للنشر. سلسلة عيون المعاصرة.2006

::. آدم فتحي
::. شاعر و مترجم و اعلامي تونسي

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans المشرط. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s