« الغوريلا »: البوعزيزي الأسود مات حرقاً ليعلن بدء الربيع العربي

kamelghourilla2.jpg بقلم  فاطمة عبدالله

لم يعلم ان الثورة متوقفة على جسد محترق كي تندلع. ظن ان الذكريات المؤلمة تنتهي بالموت. هناك في العالم الآخر أو اللاعالم ستصله أخبار الشعب الذي يريد التغيير. تغييرٌ بدأ من الجسد، فاستمر بالارواح، ولم ينته عندها. لعله قصد ألا ينتهي، فنهايته ليست سوى بداية، وطريق الشعب نحو الحرية طويلٌ طويل في سيرورة التاريخ الديالكتيكية.

رواية « الغوريلا » للروائي والصحافي التونسي كمال الرياحي لدى « دار الساقي » بمثابة رموز « سياسية » غامضة تتصارع فوق رقعة شطرنج. بطلها واحد ونهاياتها غير مكتملة كأنها تتعمد عدم الاكتمال. الغوريلا لقب صالح، الرجل اللقيط، الأسود البشرة، المختلف المتشابه، الذي فعل في وضح النهار ما لم يستطع كثر فعله في أعماق الليل. كرجل العنكبوت، تسلق الغوريلا برج ساعة 7 تشرين الثاني بتونس العاصمة البالغ علوه خمسين متراً، وهو رمز الانقلاب الذي نفذه زين العابدين بن علي على الرئيس الحبيب بورقيبة في ذاك اليوم من العام 1987. كائن صغير بحجم الإصبع، رجل من ظنون لا تعرف اليقين، تسلق بسرعة الصرصور ساعة الفولاذ المتبرجة كعاهر في آخر سنوات النضال، وأعناق الجماهير مشرئبة، وعيونهم مدهوشة. لم يحدث ان تجرأ احد على تسلقها، هي التي تخضع لحراسة مشددة نظراً الى موقعها « الخطير » في قلب العاصمة. اختيار الرياحي لهذه الساعة بالذات مكاناً لانطلاق الثورة من روايته، لا يمت الى المصادفة بصلة. فللمكان رمزيته السياسية في تونس العاصمة، وله دوره في حث القارئ (ولا سيما التونسي الذي يتوجه اليه الكاتب لغة ومضموناً أكثر من غيره من القراء العرب) على متابعة الرواية حتى النهاية كي تتوضح أمامه بعض ملامحها المكتنفة بالعناصر التالية: عصيان، رجال أمن، تلفزيون رسمي، شعب، نظام، جريمة منظمة، سرقة، نهب، اسقاط أنظمة وثورة حتى النصر. الصعود الى أعلى الساعة جرم كبير ومعصية لا تغتفر. انها « جريمة » تمس الأمن القومي حد الاستنفار واعلان حالة الطوارئ. احتشد الناس كالنمل برغم محاولات رجال الأمن الفاشلة لتفريقهم. الغوريلا هناك في الأعلى في يوم 3 آب الحار. يوم ميلاد الإله الأبيض ذي العينين الزرقاوين الذي أطاحه ديكتاتور الساعة، فنسيه الناس بسرعة. في هذا اليوم أراد ان يقتل صمت السنوات الماضية، ويصرخ بالحرية على الملأ. يحاول ان يُسمع الناس صرخته القديمة، تخونه كفّاه، تنهالان على صدره كجثتين، تنهار صورة الغوريلا ليتصاغر الى قرد منسي في الصحراء يبحث عن شجر أو غصن أو حبل أو كوبرا تلدغه لينتهي عذابه في وطن الشعارات الجاهزة. تنهمر عليه الذكريات وهو معلق في السماء: انه الطفل اللقيط في ملجأ دار الأولاد، لا أم له ولا أب. كان كالمعطف الأسود الخشن في فصل الصيف، ما من عائلة أرادت ان تتبناه، « يُركل أو يُحشر في زاوية أو يُلف كوسادة يستند اليها البائع الجشع ليلاً أو يمسح بها ذكره بعد ان ينتهي من تذكر ردفي امرأة جاءته صباحاً تقلّب حمالات الصدر ». شريط حياته مر مسرعاً وهو يمسك أحد عقارب الساعة. يتساءل: « هل ستكون نهايتي كنهاية ياشين؟ العنكبوت الأسود! حارس السوفيات؟ ». مثل لعبة جدلية غير مسلية، قفزت الى رأسه فكرة الانتحار: « ولماذا لا ينتحر؟ ». ما أعجبه في إرنست همنغواي حقاً هو ذلك المعنى المضيء في موته. نقرأ: « كيف نصطاد أنفسنا؟ كم مرة شعر بأن وحشاً يأكل رأسه بنهم دون توقف. وكم شعر بلسانه النتن وهو يلحس أطراف جمجمته الخاوية؟ ». يذكر برميل ديوجين كم فكر في ان يعتصم احتجاجاً على وجوده القسري في هذا العالم في برميل من الأحزان أمام ذاكرته، وينتظر الإسكندر الأكبر ليسأله عن الشمس التي أكلها أو ربما وضعها في جيبه ورحل. وكم من الأرواح والأحلام التي وضعها في جيبه ورحل! الغوريلا لا يدخل معركة خاسرة. تسلقه ساعة النظام كان بكامل ارادته ووعيه، فكيف ينزلها بإرادة الآخرين، ولا سيما إذا كانوا رجال أمن يأتمرون بعلي كلاب، عصا العائلة الحاكمة، الذي يرعب الشرطة والشعب معاً. وصل علي كلاب الى برج الساعة. أمر بتجهيز الكلاليب والأسلاك، وجعل ينفذ خطته بنفسه حتى يبدو أمر الجريمة طبيعياً وليس صعقة كهربائية. حذره ضابط شاب من ان ما يقوم به مخالف للقانون. لم يسمع صوت ذلك المحتج، وظل يلسع القاعدة، ومع كل لسعة كان الغوريلا يترنح ثم يتماسك محاولاً مقاومة الوهن. يمسك بيديه القضيب الحديد، ويصرخ صرخة مدوية تنزل على الحشود فتات ألم تقشعر له أبدانهم. سمعوه وهو يصرخ: « انهم يقتلونني ». لم يفهموا شيئاً. فما كان يحدث لا يراه أحد. كان علي كلاب يشير بين اللحظة والأخرى الى الغوريلا بأن لا حل له غير سلّم رجال الأمن. تقدم الغوريلا من السلّم مع الصعقة السابعة، وهو يصرخ في عصيانه. فجأة ساد صمت مرعب. أغمض الغوريلا عينيه ليهوي الى أعماق الظلمة جمرةً. تتقدم فجأة مجموعة من الجماهير. تصرخ بلسان واحد: « قتلة… قتلة ». تهجم الشرطة بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي. تلتحق بها فرق اخرى تهبّ من وزارة الداخلية تطلق النار في الهواء. تتناثر الدماء على الشعب وعلى الإسفلت، ويسقط أحد الضحايا في النافورة التي تحيط بالساعة، يتلون ماؤها بسرعة وتتحول المياه الراكدة دماء ساخنة. يلوذ علي كلاب بسيارة صغيرة ويغادر مسرعاً من وسط الحشود الغاضبة. تحت برج الساعة تماماً الغوريلا محترقاً. جثة متفحمة في بركة من الدماء الخاثرة. تحمله مجموعة الجماهير على أكتافها. شاحنة للمتظاهرين تتحرك لتسقط رأس الساعة القبيحة. تتطاير عقاربها في كل مكان محدثة هلعاً بين المتظاهرين. التظاهرة أصبحت بالآلاف في دولة محتضرة تعلن الاستقالة من أداء دورها في حفظ الأمن، وانطلق التصفير والصرخات المنادية بسقوط النظام. فجأة يتحول البلد مسرحاً للمافيا. هكذا ومن دون مقدمات، اشتعلت ثورة تونس، لتنبت ربيعاً عربياً مزهراً ومثمراً للمرة الأولى في التاريخ. عن جريدة النهار 22/10/2011 http://www.alawan.org/الغوريلا-لكمال.html

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans الغوريلا. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s