مشرط الرياحي أو سيرة حياة جـــرح

المشرط

بقلم : محمد بن سالم  

إنّ قدر الفكر المبدع أن يسكن التاريخ، بمعنى مساكنة الوقائع دون استكانة أو ثبات. فالمبدع ليس حكواتيّـا » يكتفي بمجرد القصّ، إنما هو المرتحل أبدا داخل الزمن، فينظم أناته في عقد هو زمن ثالث يتوسّط القبل والبعد، بين أبدا، أي صيرورة مفلتة من قيد الآنات المنسكبة باتجاه الماضي ومن انتظارية لآنات أخرى نأمل أن تكون سعيدة. الإبداع هو شجاعة الانفتاح الذي لا يخشى عنف اللقاء مع المصادف واللا متوقع، لذلك لا يصحّ أن يكون له آباء. يسير في ظلّهم ويتسوّل حمايتهم، بل لعلّه لا يكون إبداعا إلا بقدر يتمه، لا أب له غير جرح معلّق بين بوابات الزمن لا يكاد يدرك بدايته.

ولا هو يدري أين قد يطوّح به نزفه، ليس له أن يكون ثمرة تتدلّى على رأس شجرة عائلية، أو غصنا يحاكي شكل جذرها المطمور في عمق الأرض ويدين له بالحياة، إنما هو زهرة بريّة قد تنبت في حديقة كما في القفر، قد تجاور أزهارا أخرى أو تعانقها، لكنها تحافظ على فرادتها لتهمس بالطريف والمغاير. فالبحث عن آباء مفترضين للإبداع وإنشاء أسيجة -تقيمها قراءات عمودية رديئة تجوس بين المدافن لتنبش قبورا تئــد داخلها الولدان – إنما هو تحنيط للفكر، وإخراج له من آفاق حريته للإيقاع به تحت سلطة نماذج يضعها الوثن الجاثم على فضاء الفعل الإبداعي أو الصور التي تثقل عليه. فالفكر لا يكون مبدعا إلا بقدر ما يكون مرتحلا مزعزعا ومخلخلا لثبات الأطر ولأقنـومية الصور والمبدع، إذ يبحث عن وجهه الموزّع بين الوقائع فإنما ليكشف عن وجوه أخرى بعضها مغيـّب تحت ركام النسيان والآخر معلّق إلى سماء التوقع والانتظار، فيتجـاوز مسطّحات الوحدة والثبات نحو وهاد تسكنها الأضداد والمتناقضات قصد الكشف عن وجه الحياة. فلا تعود الواقعية جولة توثيقية تنقل وقائع مكرورة تكرّس النظام رغم مساحيق الفوضى في  » الأسواق الشعبية  » ( صلاح الدين بوجاه تقديم رواية المشرط )، ولاهي تدبر واقتصاد للحركة والحكاية إنما هي الحركة ذاتها، انسيابية تحليقة طائر العقعق (نوع من الغربان)، إذ يقتنص الثمين لا البرّاق والمخادع من الحكايا، يفكّ أسرها فترتحل على أجنحة المعنى عبر آنات يرتسم وميضها في وقع الحكي باتجاه آفاق بانورامية متعددة الألوان لا تحيل إلى الماضي بما توحي، بقدر ما تجدل ضفيرة المعنى من الأسطورة والخرافة. إنه نوع من الدخول في درب المرايا حيث تبدأ لعبة الانعكاسات والتعاكسات والانشطار بين الزوايا التي لا تجرؤ عليها إلا ذات مبدعة تمتلك آليات فـنّ مخاتلة اللحظة والتسرّب داخل فجوات المخيال وبين ثنايا الواقعات. ذاك هو بعض ما همست لنا به رواية كمال الرياحي  » المـشرط  » الصادرة عن دار الجنوب للنشر ضمن سلسلة عيون المعاصرة التي يديرها الأستاذ توفيق بكار.
إنّ الخوض مع الرياح داخل نصّه يدفع إلى حالة من عدم الارتياح، وأكاد أقول الضجر. هو ضجر من هجره النوم في ليلة قائظة الحرّ، تؤرقه ذكريات طفولة محتجزة داخل علبة الخرافة، تشدّ عليها خيوط الفقر محكمة الربط؛ فتبدو ملامحها غائمة وأحداثها متضاربة، ويحرقه واقع ريف المنشأ الذي لا يزال محتجزا داخل نفس العلبة إن لم تكن حاله قد ساءت أكثر، رغم، أو ربّـما بسبب رياح العولمة التي جرفت في طريقها كل إمكانية حياة بعيدا عن قلب العاصفة، تلهبه ترسبات الهزائم المتكررة والخيبات المتتالية وتتجاذبه آلام أحلام مصلوبة على أعمدة صفحات الجرائد الصفراء، وتخنقه عجرفة وتطاول سلطان جاهل مفتول العضلات، فلا يريحه موضع ولا يطمئن إلى وضع حتى يخط المشرط كل دمّـلات المعانات فتتـقيـّـأ قيحها على الصفحات. إنّ المشرط هو جلد للنسيان العقيم صوتا يهوي على جسد الذاكرة « ، فيصدر فرقعة شديدة ويترك حزاما من الدم مرسوما على كتف المسكينة التي تعوي وتروي  » (36). تروي معاناة المبعدين في أعماق ريف الشمال التونسي، حيث يحاصر الفقر والخوف والجهل الحياة. فقر من نسيتهم التنمية وقست عليهم الطبيعة فأجدبت أرضهم و »احتلها السدر والجرذان وعواء الذئاب  » (108)، من ظلمتهم الجغرافيا ورمت بهم في المناطق الداخلية بعيدا عن انفتاح الساحل؛ فهم  » لا يعرفون الأسماك وكل لحوم البحر  » (26)، حتى أنّ لحم الخرفان عندهم رفاهية لا يقدرون عليها  » إلاّ في يوم واحد من السنة  » (26) يوم عيد الأضحى،  » أمّا لحوم البقر والطيور فهي محرّمة عندهم  » (26)، لأنّ هذه الحيوانات إن توفّرت فمنتجاتها تمثل كنزا لا يمكن التفريط فيه. هناك حيث يتحالف الفقر مع الجهل لتصبح الحمّى قاتلة بل تتحوّل إلى طاعون يهلك الأطفال، ريف حيث يقاوم  » المنافيخ  » الموت والفقر بالتناسل ليصبح الإنجاب طقسا لا يفاخر به يوم القيامة فحسب، وإنّـما تحـدّيا لعنف الطبيعة وجبروت الإهمال والنسيان، شمال لا نكاد نعرف أنّه تونسيّ لولا « البرانيس والقـشاشيـب الرمادية المخططة » (26)، ولعـلّ ألم اللقـاء بهذه الوقائع هو ما جعل الكاتب لا يفكّـر في العودة وإنما يقتلع ابن خلدون  » من قاعدة الإسمنت  » ليلقي به في رحلة لا تبدو رحلة في المكان وإنما هي أقرب إلى السقوط في ثقب زمني باتجاه  » الأمم التي خلقت قبل آدم عليه السلام  » (49)، حيث يتكـثّف الغرائبي غرابة الخرافة التي تخيّـم على المكان  » مخـاخا  » يلحس العقول مثل بريق المـدن والزمن العولمي، ويسلب الحياة تحت مسمّـى الأمراض وسوء التغـذية، عنيفا عنف التطرّف وحليفه الفقـر، متجبّرا جبروت السلطان وكيل القطب الواحد، حتى أنّ ابن خلدون القادم من القرن الرابع عشر لا يكاد يصدّق تلك الحال فيقول  » كثيرا ما كنت أفيق صباحا فأحسب ما رأيت كوابيس وأضـغاثا  » (34)، وتتواصل الحكاية ليتواشج وضع هذا الريف مع وضع عربيّ ليس أقلّ مأسويّة ويتواصل جلد الذاكرة التي كلما صمتت إلا وعادت فرقعة الصوت على جسدها، فعوت وروت تفاصيل الخيبات والهزائم المتكـرّرة  » منذ الهزيمة الأولى … منذ خمس وثلاثين عاما  » (73) ولو أنّ الهزائم أقدم من ذلك، مذ سلّم ابن العلقمي بغداد للمغول مرورا  » بسايكس بيكو  » إلى 1948 ثم 1967 ودير ياسين وتل الزعتر وصبرة وشاتيلا والقانتين ( قانا مرتين ) إلى حدود  » آخر تصريحات النسناس : لقـد انتهـت الحرب… أبدنا النظام … أسقطنا التمثال  » (72)، ويعربد جنوده على طاولات الفضائيات يصمّون آذاننا بصيحة  » دخلنا من مؤخّرتها، قطعنا أنسجة أمّ قصر  » (74)، ولا زال الصمت المخزي يحرس بيت الدعارة العربي، لا زال  » القريشي واقفا أمام الباب يحرس سيارة الــ jeep الخضراء  » (175)، ولا زالت خيرات هذه البلاد و »بعضها أخضر وبعضها بنفسجي وآخر أسود وهو ألـذّها  » (31) تـنهب فقـد « كان بعض التجّار اليهود يحتكرونه » (31) في إحالة عن الاحتكاريات الكبرى التي تستغلّ كلّ كنوز هذه الأرض لتسوّقها لنا بضائع مصنعة. إنّ هذه الكائنات العولميّة الهجينة، هجانة  » طائر المخـّاخ  » قـد دمّرت كلّ الذكريات الجميلة فقد  » طردوا بائعي الزهور وبطاقات الحب واقتلعوا أكشاك الجرائد، ذبحوا الأشجار ودمّروا البلاط وشدّوا خدّي الشارع … وفـرّ ما تبقّـى من عصافيره القديمة  » (97)، وانتصبوا حرّاسا يسيّجون بالخوف والترهيب كلّ مظاهر الحياة ليحوّلوا شعوبا بأسرها إلى كائنات أسطوريّة شائهة لا أشكال لها بل لا أصوات لها فمنهم من  » كلامهم دويّ  » ومن  » كلامهم كلام الطير  » ومن كلامها همهمة لا يفهم « ، ومن  » يصفّرون تصفيرا  » وغيرها كثير، ممّن صادرت العولمة أصواتهم فأفقدتهـم إنسانيتهم. ولسان كلّ هؤلاء المفترض هو الصحافة صوتا للواقع ولسانا للمقهورين الذين ينهش لحمهم  » رأس المال والخوصصة والملكية الفردية، لكنّ صحافتنا استقالت من مهامّها وتحوّلت إلى  » كلام فارغ عن الكرة وإعلانات المشعوذين والبيع بالتقسيط  » (116)، صحافة عاهرة تغازل السلطة والنافذين، تنتظر كلّ سلطان قادم « في قميص النوم شبه عارية … (وكلّما ) وصل « شورّب » أو السلطان أمامها صاحت وارتمت بين يديه  » (90) فهي خليلة سلطان منحرف بل إنّها مثل  » لطفي زوزو » الذي  » أصبح مباحا لكلّ الأيور الدقيقة والغليظة والبيضاء والملوّنة  » (136) تؤتى من قبل ومن دبر، فيركبها سيّدها من حيث شاء إنها ملحمة العهـر يخوضها عدد من صحافيّينا وصحفنا، أولئك الذين على شاكلة هندة الطالبة يتعهّـدون بالصّيانة وجه « وحش آدمي » ليحوّلوه إلى « سبارتكيـس وغيفـارا وكلكامش وحمزة … » (94)، صحافة في خدمة من يخلقون الإشاعة ويزرعونها في جسد المجتمع لتصبح سرطانا ينشر الرّعب ويتهدّد الحيـاة ويشرّع للقمع وكبت الأنفاس؛ مثل قضيّة سفّاح المؤخّرات التي تفشّـت في أغلب المدن التونسية لتحوّل الأنظار عن قضايا حقيقيّـة تعصف بالمجتمع، ثمّ اتخذت ذريعة لسنّ قانون الأخلاق الحميدة أو إحيائه من أجل تبرير التضييق وانتهاك الحقـوق، فبعض « أعوان الشرطة استغلـّوا هذا القانون للاعتداء على الحريات الشخصية للمواطنين » (154)، كل ذلك بفضل صحافة دهسها قطار التكسّب والانتهازيّة، ودقّـت عنقها مطرقة السلطان وامتطـاها الشـواذّ والمنحرفون ممّـا جعلها  » تحتـاج إلى تقويم أعضاء  » (110).
إنّ حكاية مشرط الرّياحي ليست قصّة مشرط طبيّ في يد جـرّاح يستأصل الأورام أو يجمّل مواضع قبيحة، ولاهي حتّى حكاية منحرف يشطب بمشرطه على مؤخرات النساء، إنما هي مأساة  » خديجة  » (إحدى تسميات المؤخرة في القاموس الشعبي) التي استعاض بها بعضهم عن رأسه ووجهـه المدفونين بين رجليه، ليستقبل بها العالم ويجعلها عرضة للضرب والجرح، فوحده من يمشي واقفا، منتصبا يستقبل الجرح في وجهه مثل  » النيقرو  » الذي علّم على وجهه السلطان « بشطحة من موسه » (77)، وهو ما أسعده فيقول  » لأوّل مرّة أحسّ أنّي أحسن حالا من غيري؟ جرحي في وجهي وجروحهم في … (137) وهي قصّة النسناس، بماهم  » أمّة من العرب مسخوا، كلّ إنسان منهم نصف إنسان له نصف رأس ونصف بدن ويد واحدة ورجل واحدة  » (30)، واستعبدهـم المخّـاخ ابن الشهوة والعـقم  » ( البغلة ) في حضارة يعتصرها الانغلاق، فتحوّلت إلى سجن مؤبّد يقيّد حركة الفكر لأنّ « من دخل على أمّتنا لن يفارقها إلاّ إلى النار أو إلى الصلب » (44). كما يقول حارسها، إنّه حكم المرتدّ في أرض يسيطر عليها التعصّب والرّعب من هذا الكائن الأسطوري الذي ينثر بذوره داخل رحم الجهل والعقـم والتخـلف، ليترك باقي الأدمغة تعهر مع السلطان  » فالورم قد اكتسح الجميع والعار كالجذام تفـشّى في كلّ البيوت  » (90)، فـأغلب البيوت لا تخلو من متطرّف، مرشد أو بوليس أو قلم مأجور راكع تحت أقدام السلطان يـؤبّـد صمت الهزيمة والاستسلام، فلا صوت يعلو على « رنّـة حذاء رعاة البقـر الذي ينتعله  » (90)، فالسلطان يتنقـل ويقف على أرجل النظام العالمي الجديد، صورته بعض من المخّـاخ  » رجل غريب بشقرة بربريّة بشعة … يشـدّ شعره الأصفر الطويل ذيل حصان … وشم الثعبـان المخيف يطلّ من تحت القميص الضيّق … تضاريس عضلاته المفتولة تحزّمها عروق خضراء ناتئة، بينما تكشف فتحة القميص صدرا رياضيّا أملط يزيّـنه خيط سميك يتـدلّى منه صليب معقوف ووجه فرعون … له وجه جمل وشفتاه الغليظتان تجعلانه وحشا آدميّا أشقر  » (145) وقد نقلنـا هذا المقطع كاملا لأنّـه الصورة الوفيّـة والأكثر بلاغة وإبلاغا عن طبيعة السّـلط في دول العالم الثالث صورة مقـزّزة، هي مزيج من رعاة البقر ومن عصابات المتشرّدين راكبي الدراجات الناريّة تحمل وشم ثعبـان علامة رأس المال، وتكـرّس شعار التـأليه والإنفراد بالسلطة كفرعون كما تحمل دمويّة النازيّة واستبدادها، تسعى لامتلاك الفكر وتحنيطه، فكلّ حركة داخله هي تهديد لاستقرارها وكلّما حاول الانفـلات  » أعادوه إلى مكانه مكبّـلا بالأصفاد (…) استلـوا أحزمتهم السوداء وعصيّهم البيضاء وانهـالوا على المسكين جلدا  » (110) فليس لغير المخاخ أن يطير في سماء هذه الأوطان، لذلك قتلوا كلّ العصافير بردا لمّا ذبحوا الأشجار التي كانت تؤويها، لأنّ عصافير هذه البلاد وقحة أحيانا  » (100).
إنّ حضور التماثيل في رواية المشرط هو كذلك حضور للسلطان، سواء كي يخلّد ذاته أسما على سفوحها، إذ يحاول القبض على الرمزية الخالدة في المعلم، أو أن يكون علامة دالّة على استمرار حكم يسقطونه بمجرّد إسقاط تمثاله « بعد عمر من الانتصاب الوهمي » (72)، وتلك كانت حكاية التمثال الذي كان مواجها لابن خلدون لمّا كبا الجواد لكي لا ينهض بعد ذلك ويلقي بفارسه على إسفلت الشارع لتحلّ محلّه ساعة  » كالقيامة تلسع قلوب المنسيين « . (25) والآخر كان مقيما في ساحة فلسطين قبل أن يمرّغوا وجهه في العلم القذر وتجرّه الدبابة خلفها، لتبقى الشوارع تقاوم وحيدة أسراب المخّاخ في تجسيد للرؤيا 18 من الإنجيل فبابل أو بغداد  » صارت وكرا للشياطين ومأوى لكلّ روح نجس ولكلّ طائر نجس مكـروه  » (69)، إنه جرح الجراح وخيبة الخيبات التي دمّرت الآمال وأجهزت على كلّ حلم، وكأنّنا بالخروبة الدولة الحلم تسقط مرّة أخرى لتعيد تدمير بيتا أكبر وفراخ الهدهد تفشي نتانتها في المكان تحتلّ حقول النفط، والتجار اليهود يجهّزون خليطهم المسكر ليبيعوه أكلة  » تذهب بالعقل وتقوّي الجماع وتهيج الشهوة، فإذا بآكلها يركب كلّ من يعترضه  » لتركب البلاد بعضها ويسود القتل والصّراع والشقاق وإذا بالمحافظات الثمان والعشرون صارت  » مائة وعشرون أمّة  » (49) والبطل / الأمل  » قالـوا إنّهم أخرجوه من حفرة، بدا لي مثل صرّة قمل. الغلام البض يقلّب رأسه أمام الضوء بمشرطه الطبّي… أشعر كأنّه يقلب خديجتي بذلك الشيء  » (169)، كانت تلك صورة صدّام حسين والإعلام يصوّره مثل مختلّ أو متشرّد قبل أن يتعهّده المحتلّ بالتنظيف والتهيئة ليقدّمه قربانا للمخّاخ ينحره يوم عيد الأضحى، ويعدم معه ما تبقّى من غبار كرامة فوق مراحيض « بيت الراحة العربي » (77) حيث أصبح يأتي « الكل يفرغ حمولة قرن من الحمل الكاذب » (74).
إنّ المشرط هو تهويمة المنسيّيـن والمطرودين من فردوس العولمة والسلطان، لأنهم قالوا لا، و »البـلاء كلّ البلاء في تلك »الـلاّ »،  » (86) ويتردّد السؤال الذي طرحته حـوّاء لمّا طردت مع آدم من الجنّـة  » أين سنبيـت الليلـة  » (53) يعيد طرحه المثقّف ثمّ تطرحه المومس على نفسها. إنها لعبة الترحال والتشريد، لعبة الخوض في الحرام والممنوع، لعبة الحياة المومس قد تغتالها  » شحطة  » على المؤخّرة والحكاية المومس المتاحة للجميع ولا يمتلكها أحد حين تناجيها الرّواية  » متى ستصبحين ملكي : ؟؟ ا ا متى أيّـتها الحكاية ؟ ا  » (81) حكاية الثعبان والخروبة والبيت والهدهد والمخّـاخ والسلطان وهنـدة ولطفي زوزو  » الذي رأوه يتسلّم وساما في مؤتمر دولي للإعلام  » (136) حكاية المومس سعـاد وبو لحية والنيقرو وجها أسود مفلوح بسكين السلطان حكاية العراق والتمثـال واليهود وخيرات هذه البلاد، وسفّاح المؤخّرات قصّة من جوّعوا وصلّبوا وأحرقوا في مذابح النظام العالمي الجديد. وتنتصب الرّواية صوتا رافضا صداميّا مقاتلا متعـدّد النّـبرات يعيد إلى القاموس كلماته التي طردتها الأخلاق، وإلى الحياة وجهها الذي قضمه السلطان بأنواعه، يقتحم بالحب معاقل الجريمة وجحور الخوف لأنّ  » الحب يقتل الخوف  » (156)، يضع الإصبع في عين صحافة لا ترى إلاّ ما يحبّه السلطان، وتشيح بوجهها/ المؤخّـرة عن الناس حتّـى أنّ  » أحسن طريقة تنـمّي بها رغبتك الأصيلة في الانتحار هي قراءة الصّحف صباحا (124)، صحافة يحمل الكاتب ثقلها كما حمل ثقل ذكرى قريته التي تحلـلت جثّـتها على كتفه بعد وعد كاذب بالثأر، غير أنّ النصّ يحاول أن يكون صرخة نسناس يحاول أن يستعيد وجهه رغم الجراح  » نسناس أحمر يشبه عبد الرحمان، يشبهني ويشبهك  » (176) وهو أحمر ربّما بلون النزيف أو بلون ذكرى لا تزال قائمة رغم السقوط

محمد بن سالم سالم.

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans Uncategorized, المشرط. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s