جريدة النهار: « المشرط » لكمال الرياحي: مؤخرات النساء تفضح عورة المجتمع

صورة

– فاطمة عبدالله 

تنزّ عقولنا ونحن نقرأ رواية « المشرط » للروائي والصحافي التونسي كمال الرياحي بطبعتها الثالثة عن « دار الساقي ». الرواية التي فازت بجائزة الكومار الذهبي لأفضل رواية تونسية عند صدور طبعتها الأولى عام 2006، تأتي بالشواذ من العتمة الى النور. كاتبها رجلٌ مخرّب، ممزِّق، وصادم. يعضّ المجتمع بالآلة الحادة التي يسميها مشرطاً من دون ان يهيِّئ القارئ لمراسم دفن الجثة.

مشرط كمال الرياحي هو النقد، وما الكتاب سوى صفعة مدوية للمجتمع العربي الأصمّ. أرضه مثل أقدام العجائز متفسخة وقاسية. كأن الكاتب يدعونا الى الهبوط من عليائنا. يعترف بهويته الأدبية الضائعة، من دون ان يهدر السطور في الندب والنواح على هذا الفقد المؤلم: « متى تصبحين ملكي؟ متى أيتها الحكاية؟ ».
لا يكتب الرياحي رواية تربط شخصياتها علاقة سردية متينة الأوصار، بل يكتب ليسخر من بشاعة البنية الاجتماعية السياسية في شخصية الكائن العربي الذي سُمي انساناً بذريعة انه أرقى المخلوقات. يكتب ليحرك كل ما هو راكد فينا. بالمألوف. العادات. المحرمات. ثوابتنا الدينية. الجحيم التي تنتظرنا والجنة غير الموجودة الا في فكرنا المهترئ. آن الأوان لصوت يرفض « نعم الحمار » التي تكلّم عنها نيتشه قبل ان يُرمى بالجنون وفقدان الصواب. آن الأوان ليعترف الأدب بالشياطين الحمر لأنها موجودة على مفترقات الطرق.
أمام كاتب مثل كمال الرياحي لا مكان للحل الوسط. يشرّط حتى النزيف ويتشرّب ضحاياه مثل مصاصي الدماء. يخترع من وسط مخاوفنا شخصيات غير موجودة في الواقع، إذا قيس على حجم المصطلحات التي خزّناها بالتربية والعادة. لا يكفي ما تعلمناه في المدرسة لنكوّن معرفة بالأرض. بالبيئة. بالتربة. بالمخلوقات الميكروسكوبية فيها. لا بدّ من ان نمشي على أربع أحياناً، وأحياناً أخرى ان نزحف عسانا نعرف الحكمة وراء سمّ الأفعى والعبرة من دبيب النملة بحثاً عن مؤونة الشتاء.
ابطال الكاتب من النوع الذي يولد من الذهن لا من الرحم. من تلك الانزيمات التي يفرزها الدماغ بدلاً من السائل المنوي. أكثر شخصياته عبئاً على الثابت فينا شخصية « المخّاخ » التي ولّدها نتيجة جماع بين رجل وبغلة! مسخٌ في هيئة طائر قبيح برأس بغل غبي، يتغذى من لحس العقول البشرية ولاسيما عقول الأولاد! كلنا مخّاخون ونحن نشبه المسوخ ببشاعتنا. نزحف وراء الجمال كالديدان غير النافعة لكي نقهر المخّاخ فينا، وعندما نتعرى، نختار الزوايا المخفية والمظلمة كي لا يرانا أحد على حقيقتنا المشوّهة منذ الأزل. منذ الجينات الأولى. ومنذ الانسان الأول. ننام كالمخّاخ. نتفاعل كالمخّاخ. نبصق الآخر كالمخّاخ، ثم نرفض وهن عقولنا فنقنع أنفسنا بأن هذه كلها كائنات أسطورية، لفظها الزمن منذ وُجدت الفلسفة. ولكن، ماذا عن الزعيم العربي عاشق الكرسي الى الأبد؟ أليس رمزاً للمخّاخ الذي يلحس عقول الجماهير ويمدّ لسانه ليلعق آخر قطرة وعي وذكاء؟ ماذا عن رجال الدين؟ أليسوا مخّاخين في السرّ ودعاة نحر ذاك الكائن العجائبي في العلن؟
تتمحور شخصيات الكتاب حول رجل مجهول الهوية، يطارد النساء عبر دراجته النارية، ويشرط مؤخراتهن بالمشرط لينشر الرعب في المدينة. كل ما يدور في المجال الدرامي والبنيوي لهذا الشخصية الشاذة يُصاب هو الآخر بالشواذ: الشوارع التي تمزقها عمليات الترميم القبيحة. تمثال ابن خلدون المزروع وسط الخراب كشاهد زور على صناعة البشاعة بعدما كساه الغبار واجتاحت ذقنه صرر القمل حتى أصبح يقيد الأنفاس. العصافير المنتحرة في شكل جماعي. البوليس الجديد للأخلاق الحميدة الذي ينبت في قلب المدينة المعربدة ملاحقاً العشاق في الحدائق والمقابر. الوجوه البلهاء بعد الثورة، والمومس التي أوشكت على التقاعد وهي تئنّ من تحمّل هزائم الوطن الكبير، سائلة الثوار المحطمين: « أين سنبيت الليلة؟ ». من هذه التركيبة السردية، تخرج الشخصيات باحثة عن سرّ الجريمة لتروي من دون ان تتخذ من الكتابة مهنة أو هواية، سيرة خديجة.
خديجة في الرواية ليست حبيبة أو زوجة أو حتى عشيقة لتمضية الوقت. انها كناية عن مؤخرة المرأة! هذا المجنون الذي اخترع المخّاخ ليحرّضنا على أنفسنا، جعل من اسم خديجة، برمزيته في المجتمع الاسلامي، اسماً للمؤخرات! الكتّاب يجمّلون الواقع وهذا التونسي يظهره على حقيقته: مشوّهاً. الواقع الاسلاموي المتشدد يتقن اجتراح الفتاوى، فيحلل ذبح مؤخرات النساء الخارجات عن شرع الله في بلاد الاسلام لأن ثواب ذبح مؤخرة « فاجرة » واحدة، بمئة حسنة يوم القيامة.
كمال الرياحي يكشّر عن أنيابه أمام الأورام فيما الآخرون يطبعون على وجوههم ابتسامة بلهاء ويتابعون المسير. أمام الجثث المتفحمة يصير طعم الحلوى علقماً ورفع الأنخاب سقوطاً نحو البربرية. ثم، إذا كان « التضحيك » من مهام الكاتب، فهل تتحمل الحكومات العربية وزر التعويض على المهرجين المستقيلين من العمل؟
يمتلئ النص بالسلطة الذكورية قبل ان يفرغها الكاتب من التضخّم الدلالي. اللغة مليئة بالإيحاءات الجنسية من النوع الذي لا يحرك فينا شيئاً. يحرص الكاتب ألا يكون مخّاخاً ويلحس بقايا العقل فينا، فيهذّب الرموز القابلة للتأويل وهو يردد: « أحياناً أتمنى ان أكون أقل ذكاء لكي لا أشقى بهذا الوعي ». اختياره مؤخرات النساء للدلالة على عورة المجتمع العربي يجيء ضرباً من الجنون مقروناً بالاختراق: « يبدو لي ان كل أسرار الخلق في مؤخراتهم. في ذلك المكان تتجمع كل الحكايات التي لم تخرج الى العلن. ويبدو، والله أعلم، انه كلما كبر حجم المؤخرة كبرت أسرار المرء ».
بين دفتي هذا الكتاب بشاعة النفس البشرية في مجتمع ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، حتى ليرى العقلاء أنفسهم أشبه بمن يتهم بمعاشرة قردة في الحرام.

Tue, 01/22/2013

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans Uncategorized, المشرط. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s