فنّان يتألقان في كتاب كمال الرياحي «هكذا تحدّث فيليب لوجون»!

lojon-a2raj2
هادي دانيال /تونس/

عرف القارىء التونسي بخاصة، والعربي بعامة الحوار الصحفي الثقافي تحت مسمّيات عديدة مثل «المقابلة» و«الحديث» و«المواجهة»، التي تفرد لها الصحيفة أو المجلة حيّزاً ضيّقاً أو واسعاً بهدف تقديم إشهاري غالباً لشخصية ثقافية اشتهرت في مجالها، رغبة من الصحيفة أو المجلة في إبقاء هذه الشخصية تحت الضوء من جهة، وإرضاء لفضول القرّاء في التعرّف على بعض التفاصيل المتعلقة بالحياة الخاصة لهذه الشخصية العامة من جهة ثانية.
إلا أننا منذ ثمانينيات القرن الماضي بدأنا نتعرف على حوارات ثقافية سجالية يرتقي فيها «الصحفي المحاور- بكسر الواو» الى طرف ثانٍ في سجال حول مسألة ثقافية أو أكثر يطرحها نتاج المحاور- بفتح الواو أو مواقفه وسلوكه، وهذا يعني توافر «صحفي» على كفاءة مهنية ومعرفية عالية تمكنه من إدارة الحوار واستنباط الأسئلة من الأجوبة، مما يجعل القارىء شريكاً ثالثاً في هذا الحوار الحار.

وقد أفضى هذا التراكم اللافت لحوارات تجذب إليها المزيد من جمهور القرّاء الى نقلة نوعية- نسبياً- في تونس، ترتقي بالحوار الى جنس من أجناس الكتابة، التي تقدمها لنا دور النشر في كتب مستقلة على هيئة سلاسل «جمع سلسلة»، وكانت دار سيراس للنشر رائدة في هذا المضمار بإصدار العدد الأول من «سلسلة شواغل»، الذي تضمن حواراً طويلاً مع الناقد والجامعي التونسي «توفيق بكّار» أنجزه الكاتب الروائي «حسن بن عثمان».
ولكن هذه السلسلة التي بدأت بمحاورة شخصية ثقافية كانت تستهدف محاورة «الشخصيات التونسية العامة المشهورة في مجالها الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي»، ولذلك كان دورها في بلورة «الحوار» كجنس ثقافي محدوداً، لكنها بالتأكيد صدرت عن وعي ناضج بمواصفات هذا النوع من الكتب عندما وضعته «في مرتبة بين جديّة المواضيع وأهميتها، وبين حيوية طرحها ويسر عرضها، فضلاً عن أنها صيغة تجمع بين عمق التفكير والتأمل واللا معهود في الآراء والتجارب، وبين فنّ الحوار الثقافي وذكائه في الاستدراج والزج في مناطق الاحراج»، على حد تعبير «محمد بن اسماعيل» مدير دار سيراس للنشر في مقدمته للكتاب الأول من «سلسلة شواغل»، الذي صدر سنة 1990، بل إن «ابن اسماعيل» تلمّس واحدةً من خاصيات «الحوار» عندما وضعه في أفق ديمقراطي كونه يقرّ «بالاختلاف والتعدّد والتسامح في قبول الرأي المغاير».
ولكن «سلسلة شواغل» توقفت بعد شوط قصير، لننتظر الى سنة 2008، حينما أقدم الشاعر التونسي الشاب «وليد الزريبي» على اصدار سلسلة حوارية عربية «تكلّم حتى أراك» افتتحها بكتاب تضمن حواراً مع الشاعر المصري «أحمد فؤاد نجم»، تلته كتب تضمنت حوارات مع شعراء وكتّاب من تونس والعراق وسورية وليبيا والبحرين، ولم تتوقف هذه السلسلة بعد، ليفتتح الروائي التونسي «كمال الرياحي» سلسلة بعنوان «هكذا تحدّث» بكتاب تضمن حواراً مع الإنشائي الفرنسي والمرجع العالمي الأول في دراسة السيرة الذاتية «فيليب لوجون».
والى جانب ذلك شهدت تونس صدور كتابينا «الحوارات» الذي صدر سنة 2006 عن دار صامد للنشر متضمناً الحوارات التي أجريت معنا وأبرزها الحواران اللذان أجراهما كل من «كمال الرياحي» و«وليد الزريبي»، و«أسئلة الأدب التونسي»، الذي صدر سنة 2008 متضمناً حوارات كنا أجريناها مع رموز الأدب والشعر والنقد الأدبي في تونس، فضلاً عن كتابنا «المسرح العربي على ركح قرطاج» الذي تضمن حوارات مع رموز المسرح العربي مثل «سعد الله ونوس، عبد الحق الزروالي، يوسف الصايغ، جواد الأسدي، والمنصف السويسي»، والذي صدر سنة 1998 عن دار نقوش عربية، كما نشير في هذا السياق الى كتاب حواري فكري تضمن حواراً أجراه القاص «ناجي الخشناوي» مع «الحبيب الحنجاني».
ولعله من المفيد أن نشير الى المكانة التي بات يتبوّؤها «الحوار» في الحراك الثقافي التونسي من خلال تسلله الى الكتب النقدية الصادرة مؤخراً، كما هو الحال في كتاب الناقد التونسي الشاب «نبيل درغوث» المكرس لتجربة «كمال الرياحي» السردية، والذي صدر في العام المنصرم تحت عنوان «العين الساردة»، وفي كتابنا النقدي الذي صدر مطلع هذا العام عن دار نقوش عربية تحت عنوان «حميد سعيد وعياً شعرياً مقاوماً»، حيث تضمن الى جانب قراءات في مجموعات شعرية لحميد سعيد وفي كتب تناولت تجربته ثلاثة حوارات مع هذا الشاعر العراقي المقاوم.
وتأكيداً لهذه المكانة نشير الى أن المحاورين- بكسر الواو، في جميع الكتب المشار اليها سابقاً ليسوا صحفيين عاديين أو طارئين، كما كان الحال في الحوارات الثقافية، التي كانت تنشرها الصحف والمجلات، بل هم جميعاً من المبدعين في أجناس أدبية مختلفة كالشعر والقصة والرواية والنقد الأدبي، وهذا له مدلوله الإيجابي.
إن ما ورد أعلاه كان بمثابة المدخل الضروري لقراءة كتاب الصديق المبدع «كمال الرياحي»، الذي صدر تحت عنوان (هكذا تحدّث «فيليب لوجون»)، الذي صدر في سلسلة «ترافلينغ» في حوالي 130 صفحة من القطع الصغير، وتضمن هذا الحوار الذي أجري أصلاً باللغة الفرنسية مع ترجمة له الى لغتنا العربية قام بها الروائي التونسي «صلاح الدين بوجاه»، وذلك في طبعة أنيقة بفضل التصميم الجمالي الذي قام به الشاعر «وليد الزريبي».
لقد قسّم «كمال الرياحي» الكتاب/ الحوار الى 12 فصلاً، الأول بعنوان «فيليب لوجون» الذي ولد في 13 آب 1938، وبدأ الكتابة في العاشرة من عمره ليعرف منذ السبعينيات بكتابه المؤسس «أدب السيرة الذاتية في فرنسا» ليصدر لاحقاً مجموعة من الكتب أبرزها: «الميثاق السير ذاتي» 1975، «ممارسة اليوميات الشخصية» و«كراستي العزيزة» 1990، «مسودات الذات» و«من أجل السير الذاتية» 1998.. وغيرها.
وفي هذا الحوار النهري كما درج «كمال الرياحي» على وصف الحوارات الطويلة التي أجراها سابقاً مع عدد كبير من المبدعين العرب نتعرّف على مشروع «فيليب لوجون» النقدي ومفهوم السيرة الذاتية ومآزق التعريف وراهن الكتابة الذاتية، وواقع التخييل الذاتي وعوامل نشأة هذا المصطلح ومساهمة دوبروفسكي النقدية والإبداعية في هذا الجنس الأدبي فضلاً عن نضال «لوجون» ضمن الجمعية من أجل السيرة الذاتية وتفاصيل أخرى، أما عناوين الفصول الأخرى فهي على التوالي: «السيرة الذاتية مشروع حياة»، «الميثاق السير ذاتي ونشأة التخييل الذاتي»، «اسم العلم والهوية السردية»، «مدينة السيرة الذاتية»، «الميثاق السير ذاتي مرة أخرى»، «الكتابة عن الذات والتجربة الرقمية»، «اليوميات الحميمة في الانترنت هل مازالت حميمة؟»، «السيرة الذاتية المتحركة»، «السيرة الذاتية والديكتاتورية»، «اليوميات الحميمة والمحظور»، و«أسلوب السيرة الذاتية».
نحن اذاً إزاء حوار مكرّس للخوض عميقاً في جنس أدبي بدءاً من ظهور بداياته الأولى في الغرب، وفي فرنسا بخاصة، وصولاً الى التجربة الرقمية الراهنة عبر العالم، وهذا الجنس الأدبي عرفه مشهدنا الثقافي من خلال أعمال وضعها أدباء ومفكرون عرب مثل «طه حسين»، «سهيل ادريس»، «سليم بركات»، «عبد الرحمن مجيد الربيعي»، «محمود درويش» و«هشام شرابي»، كما عرف من خلال أعمال اختلط على القارىء تصنيفها بسبب الفوضى النقدية، التي رافقتها، كما هو حال بعض أعمال «توفيق الحكيم» وأعمال «محمد شكري» كافة.
كما يمكننا أن نشير الى توافر المكتبة العربية على أعمال أدبية سردت سيرة الآخر الذاتية- إن صحّ التعبير- كما هو حال الراحل «صدقي اسماعيل»، الذي سرد السيرة الذاتية لكل من الأوروبيين الشاعر آرثر رامبو والرسام فان غوغ.
ولكننا لم نعرف جهداً تنظيرياً بخصوص هذا الفن السردي، كالذي يؤسس له «كمال الرياحي» بهذا الكتاب الذي بين يدينا، وهو جهد يرتقي الى مرتبة المشروع. اذا علمنا أن الكتاب التالي لكمال الرياحي في هذا السياق هو «هكذا تكلّم سليم بركات» فضلاً عن كونه بصدد إنجاز رسالة دكتوراه عن السيرة الذاتية العربية المعاصرة محورها نتاج الكاتب المغربي الراحل «محمد شكري»، الذي درج النقاد على التعامل معه- كما أسلفنا- كنتاج روائي قافزين عن الواقعي- الحقيقي وعدّه متخيلاً روائياً أحياناً دون أن يدركوا أن السيرة الذاتية عند «شكري» كانت «مشروع حياة»، بمعنى أن الخيال في نتاجه هو واقعه، الذي وصفه بإخلاص ودقة، اذا جاز لنا أن نستعير تعبير «فيليب لوجون»، وهو يتحدث عن نتاجه هو، بينما يكون دور «المخيال» خلال البحث عن الذات هو أن يجعل «الباحث عن ذاته» من مخياله ما أمكنه ذلك «موضوع وصف واضح جلي»، كما يعبر «لوجون» أيضاً ص20.
وهنا تتنزّل أهمية قول «فيليب لوجون»: «كنت أحلم بـ «السيرة الذاتية» القائمة على الالتزام بالحقيقة، والمُعرِضة عن التخييل، والملمّة بمجال ابتداع أشكال جديدة» ص11.
وهنا أشدّد على هذه الكلمات الثلاث، التي نطقها «لوجون»: «ابتداع أشكال جديدة»، لأنها تعني تحول السيرة الذاتية الى إبداع، لأن الإبداع يتحقّق من الشكل، الذي يظهر به وعليه المضمون الواقعي- الحقيقي، ومن طريقة سرد هذا المضمون، وعلى هذا الأساس جعل القرن العشرون «السيرة الذاتية تولد على اعتبارها فناً».

A propos kamelriahi

KAMEL RIAHI Kamel riahi: tunisian novelist and journalist , born in 1974. He works as a cultural correspondent for prominent universal broadcasting including; newspapers, televisions and news agencies. He worked as the head of translation department at Arab Higher Institute for Translation in Algeria .In 2010, he returned to Tunisia where he joined the ministry of culture and took charge of the cultural panel in important spaces in the Tunisian’s capital. In 2007, got the “Golden Alcomar” prize to the best novel named “the scalpel” in Tunisia.In 2009 he was the only winner in “the Beirut 39” literary contest organized by high festival foundation to choose only 39 best arab novelists .One of the best five writers under the age of forty selected to participate in “the Bouker’s competition for two rounds. He issued a set of literary and monetary books such as; “Gulls memory” , “Stole my face” , “the scalpel” , “the gorilla” , “the movement of narrative fiction and it’s climate” and “thus spoke Philippe lejeune” and “the novel writing of wasiney al aaradj”.Some of his works have been translated into French,English,Italian,Hebrew and Portuguese languages.
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s