كمال الريّاحي: عودة الكتابة المتمرّدة

يزن الحاج

asheqat alnazel  1لم ينتظر القرّاء طويلاً كي تصلهم النتائج الأدبيّة للانتفاضات العربيّة. لم تكد تلك الانتفاضات تنتهي حتى فوجئنا بعشرات الكتب الأدبيّة على اختلاف أجناسها. كان من المفترَض أن تكون الرواية هي آخر ما يتوقّعه القراء، ولكنّ ما حدث هو العكس؛ كانت الروايات هي الجنس الأدبيّ الأغزر خلال السنوات الأربع الماضية. وبالرغم من اختلاف الجنسيّات وتنوّع الأساليب، إلا أنّ التباين لم يكن كبيراً إلى هذا الحد.
بعد الانتهاء من موجة الروايات التي ادّعى أصحابها ريادة «نظرتهم التنبّؤيّة» بالانتفاضات قبل وقوعها، جاءت روايات «كشف الحساب» التي تزامنت مع سيرورة الانتفاضات ومصائرها المختلفة، حيث أعادتنا تلك الروايات إلى زمن الأدب المثقل بالسياسة لا كحامل فنيّ للعمل، بل كموقف لتصفية حساب مع الأنظمة، من دون أن تضيف تلك الأعمال جديداً إلى المشهد الروائيّ العربيّ.

لحسن الحظ، انتهت الموجة الروائيّة الأولى مع السنة الأولى للانتفاضات من دون أن نتذكّر أياً من رواياتها، ولا تزال وطأة الموجة الثانية مخيّمة بقسوة من دون تاريخ واضح لانتهاء صلاحيّتها.
بعيداً من هاتين الموجتين ولدت روايات قليلة تمكّن كتّابها من التقاط الخيوط الصحيحة لما يمكن أن نسمّيه «أدب الانتفاضات»، من دون التخلي عن السياسة كشرط لازمٍ في الكتابة العربيّة عموماً، فعملوا على قراءة السياسة كمراقب خارجيّ، لتكون النتيجة إما توثيقاً لما – قبل الانتفاضات (في البلدان التي لا تزال تشهد ارتدادات الحركات الاحتجاجيّة)، أو توصيف مجتمع ما – بعد الانتفاضات (في البلدان التي أنهت انتفاضتها أو فترتها الانتقاليّة، أو كادت). ويمكن إدراج رواية «عشيقات النذل» (دار «الساقي») للتونسيّ كمال الريّاحي ضمن النوع الثاني من الروايات، أي الأعمال التي تعمل على تشريح مجتمعات ما – بعد الانتفاضات.
تبدو «عشيقات النذل» للوهلة الأولى رواية بوليسيّة، ولكنّ الريّاحي استند إلى تقنيّات الرواية البوليسيّة، والمشاهد السينمائيّة، ليعمل على بثّ التشويق في رواية تجريبيّة متشظّية يكاد يكون كل فصل فيها قصةً مستقلة، أو مشهداً كاملاً بذاته. أما ما يجمع نسيج هذه الشذرات الصغيرة معاً فهو اللغة البرقيّة التي تبدو أقرب للتوثيق، حيث الجمل القصيرة الرشيقة في السرد تقوم مقام الحوار الذي كان سيثقل العمل.
تتجمّع التفاصيل
لتشكّل مرآة ملطّخة بالعنصريّة والتخلّف والدناءة والشر
في هذه الرواية/المرآة يعمل الريّاحي على تشريح قاسٍ للواقع التونسيّ الراهن، لندرك بأنّ الأسباب التي فاقمت المأساة التونسيّة قبل الانتفاضة لا تزال حاضرةً بقوّة الآن، بل ربما على نحو أقسى. في هذا المجتمع الكابوسيّ الذي تدعونا إليه الرواية لا ضحيّة إلا الجمال، والكل مذنب، إذ «ككلّ شيء جميل في هذه البلاد لا بد أن يطرح عليك مأزقاً». في هذا المجتمع الذي يطأ الجمال بوحشيّة سنجد أنّ جميع العناصر التي اعتقدنا أنّ الانتفاضة وحدها ستكون كفيلةً بإنهائها، قد تعاظمت وتكاثرت كالفطر، بحيث انتهت معادلة «الجميع مذنب وضحيّة في آن»، لتتكرّس المعادلة الحقيقيّة «الجميع مذنب» (أو «أنذال» لو أردنا استعارة عنوان الرواية).
لا يزال المجتمع ذكورياً فجاً غارقاً في دوّامات التطرّف والتخلّف. لا تزال الثقافة والتنوير مجرّد مظهرين شكليّين خدّاعين، أما الجوهر لا يزال عفناً كمستنقع. الحياة الثقافيّة هي ذاتها؛ لم ينته دور الواسطة والمحسوبيّة والجنس كوسائل للوصول إلى الأضواء؛ كلّ ما حدث هو أنّ التبريرات ازدادت ليتم تعليق جميع أخطاء وخطايا هذا المجتمع على بو رقيبة مثلاً، أو على النساء المتحررات، أو على فساد الشرطة، من دون أن يقوم «شعب الزهايمر» بالاعتراف بأنّ الجريمة قد وقعت، وبأنّ الجميع مذنبون.
وليست قصة كمال بن الهادي اليحياوي، بطل الرواية، إلا خيطاً صغيراً في أكوام الخيوط المشربكة في المجتمع. كان كمال بدايةً أشبه بضحية لطبقة الفاسدين الراقية، ولكنّه دخل تدريجياً في اللعبة ليصبح أشدّهم إتقاناً لها بالرغم من سقوطه أخيراً. استطاع الريّاحي ببراعة تصوير مسيرة الطبقة الانتهازيّة المعتاشة على خيرات الطبقات الأعلى منها، والقامعة للطبقات الأدنى، متمثّلة بالروائيّ وكاتب السيناريو المثقف: صعود بطيء، تتويجٌ مؤقّت، ثم سقوط مدوٍّ أمام «الأنذال» المكرّسين.
ليست جريمة القتل مجهولة الفاعل وحدها هي الهدف، ولا حتّى الضحايا الآخرين الذين بقوا أياماً طويلة يصارعون الجوع والاختناق، ولا حتّى «العاهرة» هند المونديال التي تبدو مثل «جرح كبير نهرّب إليه أحزاننا الصغيرة، يلتئم عليها فنشفى، لكن ما إن نتركه حتى يتفتّح من جديد لتبقى تتألم وحدها». ما يريده كمال الريّاحي هنا هو تصوير مجتمع بكامله عبر تلك التفاصيل والمنمنمات الصغيرة التي تتجمّع لتشكّل المرآة الملطّخة بالعنصريّة والتخلّف والوحشيّة والدناءة… والشر.
قد يُدرج البعض رواية «عشيقات النذل» ضمن تيّار «الواقعيّة القذرة» الذي يصوّر الواقع بحرفيّته وبذاءته ومجونه، أو ضمن تيّار «الأدب الغاضب» المتمرّد على جميع التابوهات. ولكنّ هذا التصنيف ليس أمراً مهماً، لأنّ الريّاحي استطاع بذكاء التهرّب من جميع التصنيفات المعلّبة لتضم روايته مزيجاً مدهشاً من الأجناس الأدبيّة والفنيّة المتداخلة من دون الوقوع في فخّ الفوضى أو ورطة المتعة لأجل المتعة. ولعل أكثر ما يميّز رواية «عشيقات النذل» هو أنّها لم تُفصَّل على قياس الجوائز، ولا تسعى لإرضاء أحد.

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

«عشيقات النذل» لكمال الرياحي.. الحمل القاتل

طارق عبود
asheqat alnazel  1لأن الحياة الإنسانية مزدحمة بالأزمات الخانقة، فإنّ كمال الرياحي في روايته الجديدة «عشيقات النذل» الصادرة عن دار الساقي، قاربها في سياق سردي جمالي من منظور إنساني؛ تأسس على بناء تصويري تراجيدي للمواطن العربي المعاصر، حيث اتّخذ من الفن القصصي وسيلة تعبيرية ليسرد أعطابًا إنسانية نفسية متنوعة، حيث تحوّل الفضاء القائم على الفوضى والأنا مسرحًا للجرائم والخيانة وكشفاً عن الذات المبنية على حساب الآخر، معترضًا على الواقع، مشّيدًا متخيّله السردي على ركيزتين: الأولى جمالية، عبر الجهد الإبداعي المبذول لنحت النص بطريقة تعبّد الطريق أمام الركيزة الأخرى، وهي الكشف عن عورات السلوك الفردي والجمعي في المجتمع التونسي والعربي. إضافة إلى قناعة الكاتب بجدوى الكتابة كأداة ممكنة للتغيير، أو التصويب على مكامن الخلل المجتمعي، مستلهمًا قول الروائي الصيني غاو شينغجيان، الفائز بنوبل للآداب «الكتابة بمثابة طريقة لضبط الخلل». تحت هذه المظلة كتب روايته الجديدة دافعًا بجرأة واضحة، عددًا من الشخصيات إلى واجهة الأحداث، من طبقات اجتماعية متفاوتة، مركّزًا نقده على الطبقة البورجوازية المترفة، ومجموعة المثقفين والكتّاب، وما تعيشه من كــذب وادّعاء وخـــيانة، دالًا على الطرق الموصلة إلى الشهرة من طريق المال والسلطة.
كمال اليحياوي، كاتبُ روايات ذائع الصيت، وزوجته «ناديا عبد الناظر» امرأة ساديّة متسلطة، صاحبة مؤسسة قرطاج نيوز، وناقدٌ ينافس الكاتب في زوجته، وفي الكتابة، و «سارة» الإبنة الضائعة بين الثلاثة. وثلاثة عشر طالبًا يدرسون «الدراماتورجيا» يحتجزهم الكاتب في قبوٍ مهجور بعد ثورة يناير من العام 2011 في تونس، ليكتبوا له مسلسلات تلفزيونية، بنى من خلالها مجده الثقافي، مقابل أموال يؤمّنها لعائلاتهم.
يحيك صاحب «المشرط» روايته بخيوطٍ معقدّة من العلاقات المشوّهة في صراعٍ طبقي وشخصي، يسوّره الزيف، وتنهشه الأحقاد والوصولية، فتندفع الشخوص نحو القتل والسرقة، بهدف تحقيق مصلحة مرتجاة، في منحى بوليسي سردي تهكميّ لا يخلو من التشويق والإثارة، ولا سيّما في نهاية الرواية، بعدما تتعقّد الأحداث وتتشابك، وتتكشّف المؤامرات التي تحيكها الشخصيات بعضها ضد البعض الآخر، فتتقدّم النظرية الميكافيلية «الغاية تبرر الوسيلة»، وتتحطم المبادئ والأخلاق والصداقات والروابط العائلية وغيرها على صخرة المصالح الدنيوية العاجلة.
تمثّل «حياة»، المرأةُ المتخيَّلةُ من الرواي، اليوتوبيا الجنسية والعشقية التي يتمنّاها، ويحلم بها، لكنه يصطدم بواقع معاكس مع ناديا التي تمثّل الحقيقة الصادمة له، ليستحيل النص وحدات سردية من الخيبات المتتالية التي يشترك فيها الجميع، خيبات من الحب ومن الأمومة ومن الرجولة ومن الصدق، ومن السلطة ومن رجال القانون ومن الثورة.
تتخبّط الرواية في دائرة مغلقة بعناوين متعددة، بنهايات مأساوية، أولاً: الحمل. حمل «حياة» المتخيّل، يوازيه حمل ناديا بـ «سارة» التي لا تعرف والدها، التي تحمل بدورها سفاًحا، ثم تموت منتحرة، في موازاة حمل القطّة التي يقتلها البطل قبل أن تضع جراءها. ثانيًا: الانتحار – الموت -، انتحار سارة المحتمل، يقابله انتحار كمال – البطل – المؤكّد. وموت الطلاب جميعًا في القبو. وموت الناقد «كمال» أيضًا، الذي يتوهم الكاتب أنه قتله، وأطعم كبده لـ (حياة) «حياة، هل أقتله بالرصاص أم بسكين أم بصخرة أم أدفعه أمام قطار؟». (ص. 79). ثالثًا: الخيانة. يتمظهر فعل الخيانة كسلوك جمعي، ناتج من انعدام الثقة والوفاء بين شخصيات الحكاية. كمال يخون زوجته ناديا مع «حياة» و «هند المونديال» وهي بدورها تخون زوجها الأول معه، ثم تخون الثاني مع حسن ستيلا، الذي يقيم علاقة مع ابنتها سارة أيضًا التي تقول: «لن أتخلّص من هذا الجنين مهما فعلتما. لن أخضع لبريستيجها، ولا لسمعتك أيها الكاتب المشهور. إذهبا إلى الجحيم (ص. 113). وهي على علاقة أيضًا مع بوخا، ومع المحامي اليهودي إيفو.
تنتمي الرواية إلى التيار الواقعي الانتقادي في الكتابة، ينأى بها صاحب «الغوريللا»عن الفانتازيا والهلوسات، ليلامس اليومي، عبر مخيال ينتمي إلى الواقع بقسوته وتفاصيله وجزئياته، فالأمكنة التي بنى منها حكايته انحسرت بين» مقهى المونديال، ونهج مرسيليا وابن خلدون، والحلقة الإيطالية و TGM والبابيلون و JFK وغيرها من الأمكنة، وهي أمكنة واقعية في تونس، لكن الكاتب اخترقها بشخصياته التي فرضت عليها أزماتها النفسية والمرضية. وأشار الزمن إلى حالة الإحباط التي فرضتها التطورات السياسية والأمنية على بلاد ما سميّ بالربيع العربي «علينا أن نستمع لوجهة نظره في ما يجري لنا في هذا الربيع الأسود». (ص. 64)
تميّزت الرواية بالحوار المباشر بين الشخصيات، وتوسّل الكاتب لغة متداولة بسيطة، ولكنها غاضبة، مستخدمًا عبارات نابية تقتحم المحرّم، وتعبّر عن المسكوت عنه في مجتمع يحسب أنه أُحبِط بعد ثورة الياسمين التونسية، كما كان محبطًا قبلها، لكنه بالغ في غير حادثة في الحكاية، ولا سيّما احتجاز البطل طلابه في القبو، وكأن لا أحد يسأل أو يفتّش عنهم. وتبتعد اللغة من كونها صراخ احتجاج طفوليًا، يهدف إلى تحطيم ما تطاله اليد، لتظهر رغبة الكاتب في كشف الأزمة وفضحها، ثم عرضها بوسائط جمالية سردية، أملًا في تشكيل وعي عام لمحاربتها والانتصار عليها..
طارق عبود
http://www.assafir.com
فنون وعلوم
تاريخ المقال: 19-05-2015 02:03 AM
Publié dans عشيقات النذل | Laisser un commentaire

The scalpel by Kamel Riahi

When I woke up in the morning I found myself in the midst of a nation that spoke a strange Arabic. They had long heads, with huge Diapositive1bodies covered with hair similar to the fur of a camel, and men wore a long wooden earring in their left ear. They were wearing a cloak and a gray striped tunic, and they walked moving their bottom in a peculiar way (I knew later they were all suffering from venereal disease). They were feeding on grass and did not touch lamb meat, except once a year, on a day called the « feast of Ghurrafah. » As for beef and poultry, they were totally forbidden, and not only did they not know of fish or other kinds of meat from the sea, but the term « sea » had a different, offensive meaning.
I heard one of them insulting his enemy, saying, « Thou art a sea. » When I asked about the meaning, I learned that it was an insult, which meant homosexual. Surprised, I asked about the basis of this comparison. They said: « The sea is the lord of homosexuals and master of the effeminates: foreigners sail him and he shows no annoyance, like a homosexual among humans who gets penetrated by plebs and nobles, men and youths. » I was not convinced by this explanation, but I kept silent as if I was satisfied, because their customs and beliefs were so sacred they did not let the foreigners discuss them. One day, I wanted to ask about the reason behind the name of these people who live by the rocks, so I whispered in the ear of one of them:
– Why are you called « the blowers »?
He glared at me with a disturbing look, his skin color changed, and the muscles of his face were quivering with rage. He replied:
– Ask the question once again, and you will suffer the same fate as that stranger. He pointed to a near place with giant trees that had smooth trunks and few leaves, which looked like ghosts that night. Dazed by curiosity, I went off to that place, and when I got there, a strong and sickening stench like the smell of carrion suffocated me. I sheltered myself behind my cloak and strolled ahead. It was the remains of a corpse, its four limbs were kept up by ropes knotted into two trees, with dangling entrails to the ground, pecked by creepy birds, among which I recognized only crows. Some birds were white, others were gray, and some others had a beak like a saw. The birds were releasing dreadful cries as they chewed the unfortunate man’s innards.
Meanwhile, a huge bird had landed, like a hawk, but it was not a hawk. It had a long head like a mule or a donkey, and a big mouth with thick lips. I was disturbed by the bird that was unlike any other. The strange thing slipped its tongue into the crucified man’s head to lick his cerebrum, after planting his paws on the shoulders of the cadaver. Terrified, I ran away. When I joined the guide who had been away waiting for me, terror had drained the blood in my veins and my knees could no longer support me. He smiled and said:
– Fear not: this is the fate of those who want to reveal our secrets.
I replied: That is not what scared me.
– What is it then?
– The bird-mule!
– You saw it?
– Yes, what is this monstrosity?
– Let’s go, let’s avoid being its prey this evening.
– You did not answer me. What is this thing? Is it one of your secrets too?
– I’ll talk to you when we get closer to the village. Hurry.
***
When we were away from the crucified corpse, the man slowed down, turned to me with a sweaty forehead and said:
– This is the Cerebrophage, he only eats brains and does not touch the rest. He took thousands of children. Each day we find the beheaded bodies. He loves the young brains, perhaps because they are fresh and pure. But the origin of its story is an extraordinary fact that someone other than me might tell you.
At lunch, they brought me herbs and tree roots, with a variety of smelly kinds of onion, some of which were raw and some others were cooked in a yellow sauce. I tasted them but I didn’t enjoy their taste; they tasted like they had been boiled in water without salt. I turned to one of them and asked:
– Can I have some salt?
Struck with amazement, he raised an eyebrow hearing my question. I repeated my request:
– I would like some salt.
He replied: And what is ‘salt’?
I was stunned! I had landed among people who did not know what salt is! I returned to the evil onion, bit off a piece and found it appeasing. I ate until I was full because I was exhausted by hunger. After the meal, they brought a pitcher which, I thought, contained tea, and poured us a white fermented milk-like liquid in wooden cups. I sipped it until I was drunk.
Translated by Sami Lamine
Madison – Wisconsin –USA 12/4/2015

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

رصيف 22 : عشيقات النذل رواية كمال الرياحي الجديدة تعرف كيف توقع القارئ في شباكها

رواية مليئة بالمفاجآت!Diapositive1

يراوغك كمال الرياحي لمدة « ثلثي رواية »، فيوهمك أن ما تقرأه هو الحكاية الحقيقية لبطله، وكصفعة قاسية يكشف لك في الثلث الأخير حقيقة ستغيّر مجرى الرواية. تؤلمك الصفعة، وتدرك أن عليك أن تظل صاحياً في ما تبقى من صفحات، كي لا تقع في الفخ من جديد، وكي تفكك العقد التي نسجها وسينسجها لك.

يرسم الكاتب في « عشيقات النذل » شبكةً كاملة من العلاقات المشوهة، علاقات تنشأ وتنمو في ظل مجتمع طبقي، يغلفه الزيف، وتنهكه الأحقاد والصراعات الخفية، حيث الفرد يدمر ويسرق ويقتل في سبيل الوصول إلى ما يطمع فيه. بطل الرواية أو الشخصية الأساسية فيها كاتب روائي وسيناريست يدعى « كمال اليحياوي »، تصارحه عشيقته السرية « حياة » أنها حامل من زوجها، وتخيّره بين البقاء معها أو تركها. هذه الحادثة ستفجّر في ذاكرته لقطات من حادثة شبيهة حصلت معه في الماضي، حين عادت « ناديا »، الفتاة التي كان يحبها في الجامعة، حبلى من زوجها، وطلبت منه أن يتزوجا بعد أن تنهي أمورها وتحصل على الطلاق. « ناديا أيضاً وقفت قبل سبعة عشر عاماً وقفتها تلك عند باب المرآب تخيّرني: أنا حبلى فهل ستبقى معي؟ (…) كانت لا تزال متزوجة عندما طلبت مني الزواج. كانت تقول إنها فقط تصفّي بعض الأمور العالقة. ولكنها ستطلقه. كيف لي أن أختار بين البقاء معها والجنين وبين تركها بعد انتظارات السنين. لم أكن أنتظر شيئاً منذ تركتني ونحن بالجامعة واختفت”.

يصف الكاتب الطبقة الأرستقراطية في المجتمع، ويفضح ممارساتها، وكيف أنها تسخّر الجميع لخدمتها، ولتحقيق مصالحها بأي ثمن. الكاتب « كمال » يصبح كاتباً لأنه يتعامل مع مجموعة من طلبة « الدراماتورجيا » حيث يحتجزهم في قبو، كي يكتبوا له مسلسلات تلفزيونية يوقعها باسمه، مقابل الكثير من المال الذي يؤمن وصوله إلى عائلاتهم. أما زوجته « ناديا »، فتقيس كل شيء بالمال والمصالح، كل شيء لديها قابل للتحويل إلى صفقة رابحة، حتى رحلات الصيد مع الأصدقاء تتحول إلى حفلات صيد لعقود الدعاية والإعلان، وفي سعيها لتحقيق متعتها وسعادتها لا توفر أي فرصة، تمارس شذوذها إلى أقصاه، ولكن في الخفاء، فالمهم هو الحفاظ على « برستيج » العائلة.

بعد مضي أكثر من ثلثي الرواية يفجّر كمال الرياحي أولى مفاجآته، فيكشف أن كل الصفحات السابقة التي قرأناها ما هي إلا يوميات كتبها « كمال اليحياوي » وهو في مشفى السجن، الذي اقتيد إليه بعد أن اتهمته زوجته أنه قتل ابنتها « سارة ». هذه اليوميات « هلوسات » لا أكثر، و »حياة »، العشيقة السرية التي خيّرته بين تركها أو البقاء معها، فليس لها وجود، بل هي مجرد وهم عاش معه، بعد أن بدأت « ناديا » بتنفيذ خطتها لتحطيم أعصاب زوجها الخائن. « منذ الأيام الأولى لزواجنا، كلما سافرت يأتي بذلك الشيء البدين إلى فراشي المتعب من فرط الخيانات. قضم قلبي مثل فأر لذلك دمرت له أعصابه. مسخني فمسخته مطبّقةً عليه الطريقة الأميركية. حبة في الحليب صباحاً وحبة في كأس النبيذ ليلاً. ستة أشهر كاملة حتى رأيت بداية النتائج. ليلتها ناداني « حياة ». عرفت أن اللعبة بدأت مع ذلك السافل”.

غير أن المفاجآت لن تتوقف هنا، فالكاتب مغرم في روايته بنصب الفخوخ للقارئ، ضمن حبكة بوليسية، يشرك فيها سبعة أشخاص أنذال يتبادلون الخدمات، خالطاً أوراق اللعب بينهم جميعاً، فيما « سارة » الفتاة المراهقة ذات السبعة عشر عاماً هي الخاسرة الوحيدة في لعبة لا تعرف قواعد نذالتها.

تجتمع الخطوط كلها وتتشابك مصائر الجميع، حين يعود والد « سارة » ليطالب بها، فيخاف الزوج الجديد « كمال اليحياوي » أن تتركه « ناديا » وتعود إلى زوجها السابق، تزداد هلوساته، وخيالاته، يقتل قطة صديقه « إيفو » ويكتب له رسائل، فيما « حسن » العشيق السري للأم وابنتها ينتظر الفرصة للانقضاض وتصفية حساباته مع الجميع، و »بوخا » القاتل المأجور جاهز في خدمة كل من يريد التخلص من ورطة.

هكذا، توقع الرواية القارئ مرة أخرى في شراكها: من هو « النذل » المقصود في العنوان، وكل واحدٍ من هؤلاء أنذل من الآخر، وكل واحدٍ فيهم محاطٌ بالعشيقات؟ وممّن حملت « سارة » قبل مقتلها: من « حسن » أم من « إيفو »؟ ما الذي يعرفه « إيفو » ويخفيه عن الجميع، وما سر تلك الرسائل التي يخفيها والتي يريد الجميع الحصول عليها؟ ثم الأهم : من قتل سارة حقاً؟ أسئلة كثيرة تحوم وتحوم والكاتب يتسلى باستخدام أشكال سردية مختلفة في الرواية: حوارات، رسائل، أخبار صحفية، مونولوجات داخلية، أحلام وكوابيس… هو يراوغك وأنت « تركّز » محاولاً أن تنهي الرواية قبل أن ينجح في خداعك مرة أخرى.

كمال الرياحي روائي وصحافي تونسي. فاز في مسابقة « بيروت 39 » التي نظمتها مؤسسة « هاي فيستيفال » Hay Festival عام 2009. له مجموعتان قصصيتان، وبضعة كتب نقدية، أبزرها: « حركة السرد الروائي ومناخاته »، « نصر حامد أبو زيد: التفكير في وجه التكفير ». كذلك له ثلاث روايات: « المشرط » التي حصلت على جائزة الكومار الذهبي لأحسن رواية تونسية عام 2007، و »الغوريلا »، و »عشيقات النذل ». ترجمت أعماله إلى الفرنسية والإيطالية والإنكليزية والبرتغالية.

الناشر: دار الساقي/ بيروت
عدد الصفحات: 190
الطبعة الأولى: 2015
يمكن شراء الرواية على موقع دار الساقي أو على موقع متجر الكتب العربية جملون.

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

«أكثر من حياة» لا عشيقات ولا نذل: تقنيات الصخب والعنف في رواية كمال الرياحي «عشيقات النذل»

ريم غنايم
Diapositive1

«من الضروري أن نأخذ مأخذ الجدّ تلك الفرضية التي ترى أن الإفراط في الخيال هو وحده الذي يؤدي إلى إدراك عمق الواقع». (أنري لوفيفر).

ترتهنُ التجربة الإبداعية بالاعتراف بأنّ كل محاولة للخروج من رحم الأشياء الجاهزة لا بدّ وأن تكون ذات نزعة رهانيّة تخريبية لا تقبلُ النّسخ والاستنساخ. نزعة تميل نحو النشاز وترفض الانسجام الظاهري بين الإنسان وبداهاته الفطريّة ليثيرَ تساؤلات حول مكانة الابداع في سياق اليوميّ والمرئيّ. في هذا السياق، يقتحم الروائيّ التونسيّ كمال الرياحي المشهد الروائيّ العربيّ برشاقة، عبر روايته الصادرة مؤخرًا بعنوان «عشيقات النذل»، ويجترحُ مفهومًا مختلفًا للكتابة ودورها، ويهشّم بشيطانيّة مفاصل «الكتابة الوسطيّة» الآمنة بأفكارها ومقاصدها.

يحلّ الاستبداد والعنف والشرّ أبطالاً في الرواية، ويغدو كلّ ركنٍ فيها مصبوغًا بالعنف: اللاوعي العنيف، الغرائز العنيفة، الخيال العنيف الموجِّه لأحداث الواقع، واللغة الروائيّة الموغلة في العنف والشرّ على بساطتها وخفّتها. هنا، يُموضع الرّياحي روايته في حيّز التلقائيّة المركّبة. هذا الحيّز الدّقيق الذي تبدو فيه الكتابة عملاً طريفًا وعفويًا وسهلاً، لكنّها في باطنها كتابة مركّبة تشبه خيوط بيت العنكبوت تتناولُ قضايا من العيار الثّقيل تسقط فوق الرأس وتهشّمه براديكاليّتها. يدرك القارىء مع عتباتها، فائضًا في المعنى إلى حدّ التفسّخ، وفائضًا في الخيال إلى حدّ الإبهام حيث يغدو الإفراط في استخدام الخيال إفراطًا في فهم الواقع. لذا، لا تدور رحى هذه الرواية حول عشاق وأنذال كما يوحي عنوانها، بقدر ما هي رواية في تكنيكات الخيال والمراوغة تُحدِثُ توتّرًا بين القارئ والأحداث المبنيّة على هيئة لعبة تركيبيّة. يكسر الكاتب من خلال هذه اللعبة مفهوم الحقيقة ومفهوم الأخلاق بل ويتحاشى التآلف معها. تتماهى كلّ شخصيّات الرواية، بنسائها ورجالها، مع العنف الخلاق، هذا العنف الذي يخلقُ نفورًا من قبل القارئ تجاه الرواية ومنطق أحداثها. يلامس العنف هذا الواقع ويفضح تماسكه السّطحيّ ويشظّي وحدته وانسجامه: الحبّ، الخيانة، الزّوجيّة، الأمومة، الأبوّة، الصّداقة، الشرّ، الخير وما إلى ذلك من متواليات مفلسة.

معماريّة الرواية وآجرة سنمّار
تنبني الرواية على مبدأ الانتقال من الحبكة الواحدة إلى الحبكة المتعددة. لكنّ التنقّل بينها، مشروط بعقد سرّي بين القارىء والكاتب، قوامه الاعتراف بأنّ البنيان الكامل للرواية يقوم على افتعال فكرة من الخيال هدفها اقتناص الفرصة لتعمير نصّ متنوّع الدلالات. هذه الفكرة هي هلوسات البطل التي يبني من خلالها شخصيّات وأحداث وجرائم تتأرجح بين الصّدق والكذب. الخيال هنا هو المعادل الروائيّ لمنطق الكاتب المشوب بالقلق تجاه الواقع وظاهره. كلّ محاولة لرفض قوانين اللعبة من قبل القارىء والإشارة الى هذه الآجرة منذ البداية، تعني انهيارًا تامًا لهذه المعماريّة السّاحرة المتكاملة.

كمال اليحياوي كاتب وسيناريست مشهور له ابنة في سن المراهقة ويعاني من علاقة إشكاليّة بزوجة ذات نفوذ بورجوازيّ. يقع في حبّ حياة، «الفام فاتال» المحوريّة في الرواية، امرأة متزوجة قاتلة بجمالها ونعومتها وجاذبيّتها الجنسيّة. يتواعد الاثنان في مطعم، وتعترف حياة له بأنّها حامل من زوجها. «هل ستبقى معي؟» هو سؤال القفل والمفتاح في هذه الرواية منذ البداية وحتى النهاية. يبدأ الراوي الكاتب الشهير كمال اليحياوي رحلته البيكارسكيّة وفضح باقي المؤدّين من لحظة الاعتراف بالحمل الوهميّ. نكتشف في الطريق أنّه على علاقة جنسيّة هامشيّة بامرأة أخرى هي هند التي تساهم في شهرته كسيناريست عبر شبكة علاقاتها مع المخرجين وأصحاب النفوذ في المجال. ثمّ نكتشف عبر فيض التفاصيل الطريفة والعبثيّة، علاقة الراوي الاشكاليّة بزوجته ناديا، سيّدة مجتمع ذات نفوذ كانت أيضًا سببًا في شهرته، وقع في حبها منذ أيام الدراسة، تزوّجت قبله من غريمه الذي يحمل الاسم نفسه (كمال الريحاني)، وأنجبت طفلة، هي سارة، يتضح فيما بعد أنها ثمرة زواجها الأوّل وأن الكاتب لم يكن والدها وأنّه ليس إلا شخصيّة عقيمة معطّلة ومحيّدة.

تقيم ناديا علاقة سريّة مع حسن ستيلا، حسن صديق لدود من أيام الدراسة، ويتّضح أيضًا أنّ «بوخا»، المخبر المجرم، يعمل لحسابه وحساب ناديا. نكتشف في الطريق إلى الإجابة على السؤال المتردد في الرواية «هل ستبقى معي؟»، أن الكاتب البطل يتناول دواء يثير الهلوسات. يقرر الكاتب الشهير الانتقام من كمال الريحاني، الأب الشرعيّ لسارة والذي عاد بعد سنوات يطالب بابنته وزوجته. يستأجر خدمات القاتل بوخا ليستأصل الكبد، ويدعو حياة لتناول الكبد على وجبة عشاء، وتفعل حياة. لكنّنا ما نلبث ان نكتشف أن ذلك كان حلما، وأن الصحف تخبر عن موت الصحفي كمال الريحاني في حادث مرور غامض. هنا نواجه الموت الغامض الأول في الرواية. في هذا الوقت، تظلّ تتردد في الرواية حكاية القبو والفئران. ثمّة من يطارد الكاتب ويهدده وثمّة من يطالبه بالمزيد من المال. تخرج من خلف الستار الابنة سارة ليشكّل الموت الغموض الثاني، والتي تفكّ رموز الرواية في رسائل عنيفة توجّهها إلى والدها المشكوك فيه. ينكشف أمامنا الانهيار الأسريّ، وعلاقتها الغراميّة بحسن ستيلا الذي يفضح أمامها سرّ القبو والفئران أو الأفراد الذين يستأجرهم الكاتب ككتاب في الخفاء، واعترافها بفسادها وبِحَملها (الذي لا نعرف تماما أهوَ من ايفو أم من حسن)، ثمّ قرارها بالانتحار الذي نشرته عبر صفحتها الاجتماعيّة، والذي ينتهي كجريمة قتل غامضة.

يعترف الكاتب بقتل عشيقته حياة بعد معرفته بحملها وإمهالها له أسبوعًا ليقرر إن كان سيبقى معها. يتقاطع هذا الاعتراف مع تهديد سارة بالهرب مع عشيقها وامهالها أسبوعًا للأب للتفكير، وتتعمّق العلاقة بين الوهم والواقع. التخييل يؤكّد لنا أن سارة وحياة وناديا ما هي إلا تحويرات متشظّية لكائن المرأة وتمثيلاته في حياة الراوي الكاتب. تتحوّل المرأة من كائن معشوق، ومن موضوع للحب والعاطفة والهشاشة، إلى كائن مستبدّ يمتلك سطوته عبر الإيروسيّة، والعهر، والبراغماتيّة، والخصوبة الفائضة. حياة، وهند وناديا، وسارة، أربع نساء في هذه الرواية يمثّلن نماذج جديدة للمرأة في الرواية العربيّة الراهنة، نماذج تقصيهنّ عن إيقاعهن المعتاد، لينصهرن هنّ الأخريات في بوتقة «الصخب والعنف» ويتقلّدن مناصب لم تُكتَب لهنّ في إخصاء الذّكورة للتحرّر من سطوتها.

تلوينات الأثر الأدبيّ
يعتمد الرياحي تقنيّة الكولاج، هذه التقنيّة التي ظلّ وفيًا لها منذ بداياته في صناعة نصّه الأدبيّ. يقوم الكولاج على نظام الحشو، أو رصّ النصّ الأدبيّ بأنواع أدبيّة وغير أدبيّة شتّى، تتماهى مع متن هذه الرواية متعدّد الوجوه وتغازله. ينطلق الروائيّ في استخدام الكولاج التقليديّ المألوف فنقرأ عن خبر مقتل سارة في الصّحف، وخبر مقتل الناقد كمال الريحاني في حادث مرور، والتقارير عن حقيقة القبو والكتّاب المرتزقة فيه.

لكنّ الكولاج يتّسع ويتمدّد ليشمل أجناسًا أدبيّة أخرى ليتحوّل من مجرد تقنيّة إلى أسلوب.

يتجلّى الكولاج أولاً من خلال استعارة المشهديّة المسرحيّة، والاعتماد على ضبط فضاء الحدث وسينوغرافيا المشهد. هذا هو الحال مثلاً في أول مشاهد الرواية والذي يستشرف باقتضاب ملغّز أحداثًا قادمة: مجهول يهدّد شخصًا من النافذة مطالبًا إيّاه بدفع مبلغ من المال وإلاّ فضح حكاية القبو والفئران.

يجتهد الروائيّ في ضبط فضاء الشقة، وتفاصيلها وحركة الموجودات فيه، وهي تقنيّة ستتكرر في غالبيّة فصول الرواية خصوصًا تلك التي يغيبُ فيها دور السارد الروائيّ (مثلاً المشهد الممسرح لناديا أمام قبر ابنتها ووعدها بالثأر لها، ومشهد التحقيقات في المخفر، ومشهد الحوار الذي يدور بين المحققين الثلاثة والكشف عن فسادهم وتورّطهم).

تقنيّة أخرى، هي كتابة السيناريو والحوار الصّافي بلا أيّ سرد أو تقديم، وتبدو واضحة ودقيقة وطريفة في نفس الآن مع المحققين الثلاثة في مقتل سارة فيما هم يستجوبون المشتبهين (ناديا، كمال، هند، حسن ستيلا، وايفو). لكن التحقيق البوليسيّ ما يلبث أن يتحوّل إلى لعبة مائعة مع الفصل الذي يليه الذي يكشف عن تواطؤ المحققين، أو بالأحرى مشاركتهم في نثر قطع اللعبة التركيبيّة وزيادة إحساس القارئ بفقدان الثقة بالجميع، وغياب الشعور بالأمن وسط «رجال الأمن».

إلى جانب هذه التقنيّات، يركن الرّياحي إلى مَنتجة الأحداث ويلعب بتقنيّات الزمن بين استباق واستعادة وتجميد وفق المنطق التجريبي. يقحم قصاصات جرائد، وأخبارًا صحفية يختارها الروائي ليخبر عن أحداثٍ مفصليّة في الرواية (مثل موت سارة، وموت كمال الريحاني، وقبو الحكايات). وتقنيّة الرسائل، وتحويرات على رواية التحريّ والجريمة، ودفتر الاعترافات، واليوميات المشطورة، كلّها استراتيجيّات تحاكي المتن الروائيّ وتحاورها.

للعناوين في «النصّ الرّياحيّ»، خصوصيّة تقتصر على الكاتب وأسلوبه.

«هل ستبقى معي؟»، «مقهى تونس لا تثور»، «أي أي أي»، «يجوز؟ لا يجوز»، «جماع الحامل»، «للكمة والفراشات» «هل ستقبّلني في الظلام؟»، «تودوروف السافل»، «احترم نفسك سيّد ماركيز»، وغيرها هي عناوين مصاغة بحرفيّة تغازل ذائقة القارىء من جهة، وتمزج بين المرح والقدرة على إبقاء القارىء متيقّظًا لما هو قادم في الفصل.

الفانتازم والليبيدو وطريق الحرية
عبر العنف والخصاء العاطفيّ يحدّد لنا الكاتب فضاءً جديدًا، حيث يصبح الاحتفال بها جزءًا من الاحتفال المعرفيّ بالحياة. بدلاً من قمع الغرائز والكبت والغضب، تتجه الشخصيّات نحو مداعبة غرائزها وخيالاتها الانسانيّة الفطريّة لضمان استمراريّتها، أو تدمير ذاتها. الفانتازم والرغبات الجنسيّة المكبوتة تطفو على السّطح، ولا نرى شخصيّة واحدة لا تخضع لغرائزها سواء تأرجحت بين الواقع والخيال:

امرأتان تلعبان دورا هامًا في حياة البطل: حياة العشيقة وسارة الابنة، وكلتاهما من اختراع خيال الراوي، الأولى اختراع قسريّ يواجه به المَوت بالإيروس والفانتازم، والثانية من اختراع اللاوعي يواجه به خصاءه: تمثّل حياة بإيروسيّتها واسمها نزعة الحياة وصراع البطل من أجل البقاء. وتمثّل سارة سلاحه الوحيد الذي يرفض عبره الاعتراف بعقمه واستبداد زوجته. كمال اليحياوي كاتب فاشل، يشعرُ على الدوام بالتّهديد والخطر من قبل الآخرين، يعيشُ وحدة رغم شهرته، ينظر الى الآخرين نظرة ارتياب وشكّ، وصوليّ عاجز عن القيام بأيّ حركة ثوريّة تُخلّصه من مآزقه، فاشل في علاقته الزوجيّة، عقيم وله ابنة من رجل آخر، مجرم متيبّس لا تخرج أفكاره إلى حيّز التنفيذ إلاّ عبر الخيال والأحلام. تتجلّى عنصريّته حتّى مع ايفو اليهودي أعزّ أصدقائه وأمين سرّ الدفتر الأسود. ايفو أيضًا يتّضح أنّ له رغبات جنسيّة مكبوتة تطفو على السّطح، رغم هامشيّته ودوره المعطّل على طول الرواية باستثناء النهاية. يتّضح أيضًا أنّه أربعينيّ يقع في حبّ الفتاة سارة ويطلب الزواج بها، ثمّ نفاجأ، صدقًا أم كذبًا، أنّه اغتصبها أو ضاجعها ليغدو هو الآخر متّهمًا في يهوديّته وفي ايقاع سارة بالحمل. حسن ستيلا، مجرم صغير، تتقاطع صورته في الرواية أيضًا مع صورة بوخا وايفو، فهو صديق وعدوّ، خائن ومحبّ، يوقع بالأم والابنة، ويدور صراعه مع الكاتب بالتلميح ومن تحت الطاولة. وعلى نحو طريف نجد أيضًا استدعاءً لصورة تودوروف وباروديا لمشهد زيارته لتونس. تقوم الباروديا هنا، على توظيف رغباته الجنسيّة في مشهد جنسي كوميديّ مع حياة. تمثّل حياة اليوتوبيا الجنسيّة والكيان الأنثويّ الطّاغي الذي يحلم به الزوج ويجد عكسه في الواقع. حياة هي بشكلٍ أو بآخر ناديا في صورتها المثلى التي لم تكتمل في الواقع. تظهر ناديا في مقاطع استذكارية كامرأة مشتهاة طاغية في أنوثتها وجمالها وجاذبيّتها إلى حدّ أسره وقبوله الزواج بها رغم زواجها الأول وانجابها. لكنّها تعود في مقاطع أخرى لتظهر كسيّدة مستبدّة في غاية البرود والحقد، نموذج للسيّدة البورجوازيّة الممتثلة للقوانين. حياة هي اختراع وهميّ متكامل لناديا قبل زواجه بها، وهي وهم ناتجٌ عن إنكار متواصل للواقع الذي آل إليه البطل.

من يخاف من إيفو وقططه؟
لعلّ ايفو وقططه من أكثر الشخصيات محوريّة وشدًا للأحداث. ايفو، اليهوديّ التائه في هذه الرواية، وصديق الكاتب، وحامل الدّفتر الأسود، هو من يعرف أسرارهم جميعًا. هو الآخر يقع في حب سارة، وفي اللحظة التي يطالب بالزواج منها، ينفتحُ صندوق باندورا وتتكشّف عنصريّة الراوي «عنصرية جمعيّة نموذجيّة» واعترافات لاواعية تتخلّل صورًا نمطيّة عن اليهوديّ الغريب. لكنّه رغم «يهوديّته» يظلّ في الظاهر الشخصيّة الوفيّة الوحيدة للكاتب، دونًا عن الجميع «يهودي! صحيح أنني يهودي لكنني لن أسلمك أغراضه. صحيح أنه رفض زواجي بسارة لكنني لن أسلم لحمه لك أيتها القطة البشعة». لكنّه هو الآخر قطعة تركيبيّة ناقصة في بنيان الرواية. فاعترافه بمضاجعته لسارة ورغبته فيها وحملها الجائز منه، يضعه موضع شكّ ويُدخله في لعبة المؤامرة. وتبقى قطط ايفو رمزًا دلاليًا يرسّخ فكرة الفانتازم الجنسيّ والخصوبة الأنثويّة والخيانة المتكررة في هذه الرواية من قبل حياة وناديا وسارة، تودي بالكاتب إلى قتلها على نحو قاس وعنيف وهي في مرحلة العشار، وهو ما يتحاور مع مقتل سارة وهي حامل، ومقتل حياة وهي حامل.

نظام المتوازيات: صمّامات أمان تشدّ الرواية
الرواية خيبة أمل لمفهوم الحب، ومفهوم الأمومة، ومفهوم الأبوة، وحتى لمفهوم الخيانة، هي إعادة نظر في هذه المفاهيم في عصر الهزائم.

يتراوح النصّ في شكله ومتنه الحكائيّين بين الإيروس والكاوس. تعمّق هاتان الغريزتان الطاقة الفلسفيّة للأثر الأدبيّ وتنتجان دلالات جديدة عن مفهومَي الصّخب والعنف الكامنَين في المجرمين والضّحايا. يصبح في عًمق كلّ مجرم ضحيّة وفي قلب كلّ ضحيّة مجرم صغير لا بدّ منه.

تعتمد الرواية المتوازيات في الأحداث كقاعدة وهذا ما يخلق فيها دائريّة ومنطقيّة ما بغضّ النظر عن اللامنطقية الحيويّة كشرط لاستنباط المعاني منه:

الحمل: حمل حياة يوازيه حمل ناديا، يوازيه حمل سارة، يوازيهم جميعًا حمل القطّة وجميعها ينتهي بالموت.

الانتحار: انتحار سارة المشكوك فيه يوازيه انتحار الكاتب المؤكّد. والانتحار كفكرة معروضة في النصّ يمكن تفسيره بأنّه عنفُ موجّه نحو الذوات العاجزة عن إحداث تغيير في واقعها. تبدو الشخصيّات مرضيّة، محكومة بالشكوك والهواجس، تتملّكها رغبة في الانتقام ومشاعر حقد وكراهيّة دفينة تجاه الاخرين أيًا كانوا.

جريمة القتل: قتل الناقد وأب سارة الشرعي كمال الريحاني، وهو قتل مشكوك فيه بين تنفيذه على يد بوخا (ويبقى في المستوى التخييلي) وبين موته او قتله في حادث مرور.

الصداقة والخيانة: صداقة ايفو وخيانته للكاتب بمضاجعة ابنته، وصداقة حسن وخيانته للكاتب بمضاجعة زوجته ناديا وابنته سارة.
الأسماء المتوازية في ظاهرها وفي رمزيّتها: كمال اليحياوي في مقابل كمال الريحاني، وستيلا المجرم الكبير في مقابل بوخا المجرم الصّغير.

قد يكون تفسير هذا التوازي بين «الكمالَين» ليس إلاّ تنافرًا فطريًّا ونزاعًا بديهيّا بين روح المبدع وروح الناقد ينتهي برغبة دفينة في قتل النّاقد وممارسة الكانيباليّة الاحتفاليّة من خلال انتزاع كبد الناقد وأكله (على يد حياة أو ناديا) في المستوى التّخييلي، والتخلّص منه في حادث مرور في المستوى الواقعيّ. وقد يُفسّر أيضًا كانشطار تخييليّ تعاني منه شخصيّة الكاتب في رغبته الباطنيّة أن يكون رمزًا خصبًا للذكورة: زوجًا محبوبًا وأبًا شرعيًا.

هذه المتوازيات لا بدّ منها لفهم بنية النصّ وغموضه، وتحرّك الحبكات باتجاه بعضها على طريقة البينغ بونغ.

الشّر مقياس الخير: عن التفاؤليّة الجديدة
لا علاقة للأدب بالخير بمفهومه النمطيّ. ولا عجب ان تكون إحدى عتبات الرواية اقتباسا لجورج باتاي بأنّه «بمقدار ما تكون الفظاعة مقياسا للعشق فإنّ العطش للشر هو مكيال الحسنات». لا يبدو أي شيء سخيفًا في الرواية، فهي لا تتعامل مع الواقع بمقاييس الخير، وإنّما تحسبه وتعيد النظر فيه من خلال راهن الشرّ والمنظومات الأخلاقيّة المتعارف عليها. من هنا، يصير الشرّ المعادل الموضوعي الذي يشدّ ظهر الرواية ويَصلح لخلخلة المعايير الراهنة وفضح زيفها.

لا شيء في مكانه، كلّ المسلّمات تسقط في فراغات سحيقة، تتشظّى معها قناعاتنا وأحكامنا الصّارمة حيال حقيقتنا ومنظوماتنا الأخلاقيّة كـ «نصّ مغلق» لا جدال عليه. عبر هذا «النصّ المفتوح» الذي لا يقدّم يقينًا ما، نتحرّر من سطوة اليقينيّات ومن ثقل الواقع بتشاؤميّته. تعبّر رواية «عشيقات النّذل» بتشاؤميّتها الطريفة، عن مستويات التفاؤلية الجديدة بالواقع، تفاؤليّة تقبلُ بالخراب والفساد في توليفاته الرّاهنة وتحوّله إلى أقصى حدود المغامرة الروائيّة التّغريبيّة للمفاهيم المألوفة. يعالِج الكاتب في إطار التخييل، حدود الغرائز، الانتحار، حبّ ارتكاب الجريمة، الدافع إلى الخيانة، مأزق الفصام النّفسيّ من فشل مواجهة سوء الواقع.

هذه المرّة، يخرج الكاتب التونسيّ كمال الرياحي على القرّاء برواية استفزازيّة بلغتها ومناخها وإفراطها في جرعات عنف الواقع وصخبه في سياقه الراهن، ليثيرَ تساؤلات ومساءلات حول علاقتنا بذواتنا ومنطقنا ومسلّماتنا التي تحفظُ بقاءنا ككتلة مجتمعيّة متناغمة في ظاهرها. ترتكز أحداث هذه الرواية على اللامنطق. إذا كان المنطق يوصلُ إلى الاستنتاج الخاطىء، فعبر اللامنطق وحده قد نبتكرُ إدراكًا واستبصارًا جديدًا للواقع وأشكال تلقّيه. هذا الاستبصار الجديد يعيدُنا إلى مفهوم اتّساع حركة الابداع كلّما ضاقت الحريّة وتمدّدت مآزق الرّاهن. قد يكون هذا الأثر الأدبيّ في توليفته الصاخبة مجنونًا وغريبًا وهجينًا ومهدّدًا لوجودٍ حاضرٍ متداعٍ، لكنّه بلا شكّ نصّ تأسيسيّ في الكتابة الروائيّة. «عشيقات النّذل» رواية تجنح نحو توثيق واقعيّة جديدة قاسية، فظّة، قذرة، متفائلة، جلاّدة، تحيدُ عن غرائز الكتابة القطائعيّة وتتفرّد بخصوصيّة انفتاحها على تأويل القذارة والنذالة والخيانة كموجّهات لإدراك الواقع وتفكيكه .

http://hayaah.net/?p=430918

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

القدس العربي : «عشيقات النذل» للتونسي كمال الرياحي: لا أحد يعلم ماذا يحدث في مطابخ الكتّاب ناجي الخشناوي

Diapositive1رجل مجنون يحجز منذ عدّة شهور ثلاثة عشر قتيلا خلف باب حديدي في الطوابق السفلية، وبالتثبّت في هويّات الضحايا سنكتشف أنهم جميعا طلبة درسوا عند الكاتب/القاتل/النذل مادة الدراماتورجيا طيلة ربع قرن. هكذا يمكن أن نلخّص مجمل الرواية الجديدة «عشيقات النذل» للكاتب التونسي كمال الرياحي، الصادرة عن دار الساقي في طبعتها الأولى فبراير/شباط 2015.
لكن هذه «العقدة البوليسية» لا يلقيها الكاتب بطريقة جافة مثل التقارير التي يحبّرها المحقّقون داخل المخافر الأمنية، أو تلك التي نطالعها في القصص البوليسية ونشاهد مثلها في أفلام الجريمة، بل أن الرّياحي يستدرجنا بخياله الموغل في اللغة، قبل الأحداث، ليورّط قارئه في تهمة «ملاحقة الخيال»، محرّضا إيّاه على اقتراف أفظع الجرائم، هي جريمة بثّ الحياة للخيال، فبالأخير يسكن بداخل كل منّا نذل لا يطيق الدّم، رغم انّه «نذل يقتل في خياله وينام يهذي بجرائمه»… خيال أصبح مثل الفئران لا يتحرّك إلا في الطّوابق السفلية والأقبية المظلمة….
وبعيدا أيضا عن المنحى البوليسيّ المحض الذي تتقاطع فيه الصّراعات وتنمو داخله الحبكة السرديّة من أجل تحقيق مصلحة ما أو هدف معيّن، فإن رواية كمال الرياحي الجديدة تتعدّد فيها الصراعات الجانبية والهامشية لكنّها لا تُغذّى سوى الصراع الداخلي للذات القلقة، لا صراع البطل الروائي وحده، بل هو صراع كل البشر، وأوّلهم شخصيّة كمال الرياحني الكاتب والصحافي التونسي (رجل الخيال)، وشخصيّة كمال بن الهادي اليحياوي، النّاقد الحاقد اللذين استلّهمهما الكاتب من لحم خياله الجامح.
ولئّن نبّهنا كمال الرياحي في روايته «المشرط» إلى أن في داخل كل إنسان مخّاخٌ متربّص بالإنسان الآخر، فإنّه في هذه الرّواية سيحوّل وجهة مصّاص العقول البشرية إلى داخل الإنسان ذاته فنتابع كمال يقتل كمالاً لئلاّ يصاب بالزهايمر ويصبح رقما منسيا في طابور شعبي بدون ذاكرة.

الخيال يقتل الواقع

الخيال ليس في مكان آخر، لا يمتّ إلى الفانتازيا والهلوسات بصلة، إن الخيال ـ ينبّهنا كمال الرياحي في هذه الرّواية إلى ـ أنه لا يسكن سوى هذا الواقع بأدق تفاصيله، يمشي معنا وينام معنا ويحتسي معنا البيرّة ويقلّب معنا صفحات الجرائد وينزعج من مواء القطط… فأمكنة الرّواية وشخوصها وزمن أحداثها «محلّية الصّنع» واقعيّة الهويّة، ووحده دفتر الاعترافات بسرده المتأنّي والمتخفّف من اللغة الجافة يكسر الحواجز الممكنة أمام هذا النّص الروائي الذي «كان محبوكا كقتلة رائعة»، فالأمكنة التي نسج فيها الرّوائي عالمه الخيالي لم تخرج عن «الحلقة الإيطالية والأوسكار والمزار والمألوف وبابيلون والــJFK، ومقهى تونس وسينما المونديال» ومرآب البالماريوم ونهج مرسيليا ونهج ابن خلدون وحانة دار الصّحافي، وطبعا بؤرة الأحداث، شقة بالطابق العلوي للعمارة المطلّة على محطّة TGM أو تحديدا «القبو الذي تخرج منه الخرافات».
أمكنة وفضاءات حيّة وواقعية، يجعل منها كمال الرّياحي أمكنة باذخة بالخيال. فهذه الأمكنة التي تدور فيها الحكايات والأحداث، هي أمكنة حقيقية موجودة في تونس العاصمة تحديدا، غير أن الكاتب يفكّ أسرها الإسمنتي ويشحنها بالإحالات الرمزية التي سنكتشف دورها الوظيفي كلّما تقدّمنا في الأحداث، بل أن هذه الأمكنة ستساهم في تحديد نفسية الشخصيات وانفعالاتهم وردود أفعالهم، وهي غالبا ما تغذّي ذاكرتهم… لتتدافع من خزّانها الأحداث والسلوكيات البشرية…
وواضح أن كمال الرّياحي ضمن هذه الرّواية ـ وتواصلا مع روايتيه السابقتين المشرط والغوريلا ـ يذهب بعيدا في المناخات الواقعية، لا بمفهومها البسيط والمتداول، بل الواقعية النّاهضة من مرارة الإخفاق وخيبة الأمل، كتلك التي ظهرت في فرنسا خلال القرن التاسع عشر، كرد فعل على خيبة الأمل التي برزت عقب إخفاق ثورة 1848، وتنامي بورجوازية طفيلية ورجعية، لعل أبرز مثال لها شخصية امرأة الأعمال الشهيرة ناديا عبد النّاظر في رواية «عشيقات النّذل»، فــ»البرجوازية القذرة حطّمته وتسبّبت في مقتل سارة».
بل أن كمال الرّياحي لا يسقط في براثن الخلاص الكاذب الذي بشّرت به الرّواية الرومانسية، فهو وإن أنهى روايته بهذين السؤالين «كيف أنجو من هذه الظلمة؟ كيف سأخرج من هذا الكابوس؟»، فإنّه على كامل أحداث الرّواية يقترف جميع الجرائم الممكنة من أجل استعادة «حياة» ومع ذلك لا تأتي… فــ:»حياة هذه لا أثر لها، إنها من هلوساته»، بل أن كمال الرّياحي يُسقط رومانسية الهروب إلى الأمام بخلاصها الكاذب والوهمي وسط «المبولة وأغلق عليها الباب بالمزلاج الدّاخلي»… ومع ذلك لا يتخلّص الرّاوي/البطل، ككاتب، أي كمال الرياحي، من حلم أن تحبل منه «حياة»… لا من غيره… فلا عقدة للكاتب إلا أن يكون «فحلاً أدبيًا» ويكون نصّه من صلبه هو لا من غيره… حتى لو كان غابريال غارسيا ماركيز…

الأدب في خطر

إن كمال الرّياحي وهو يحيلنا إلى كتاب «الأدب في خطر» لتودوروف، فهو ينبّه نفسه قبلنا إلى أن يكون «دقيقا كمشرط ابن الكلب» ليتمكّن من إعادة الصلة بين الأدب والعالم أو بين الأدب والواقع، ولا يسقط كمال الرّياحي في الشكلانية أو البنيوية المحضة، وإن تواترت مواقفه من الكتابة داخل هذه الرّواية، إلا انه يقترب من ديستوفسكي ومارسيل بروست، عندما نعلم أن المناخ الروائي الذي خلقه في «عشيقات النّذل» لا يبتعد كثيرا عن عالم وواقع كمال الرّياحي الكاتب، وهو لا يقدّم هذه الرّواية لرغبة دفينة فيه للتّحدّث عن العالم واقتراح رؤية مخصوصة، بقدر ما كان «مهووسا» بأن يبرهن على أنه جزء من هذا العالم، فاعل فيه ومنفعل بتقلّباته.
بل أنّنا سنكتشف «تعصّب» الكاتب لهذا الواقع السفلي المليء بالفئران والرّوائح العطنة، لا سحرية فيه ولا عجائبية، وهو يسقط الأقنعة، لا من خلال الألفاظ واللغة التي تخيّرها في هذا النص، بل أيضا من خلال الوضعيات الإنسانية الهشّة والعلاقات المقطوعة والمؤسّسة ليتم فردي يتجمّل بهتانا بالأقنعة، حيث يلتقط الكاتب خبر وفاة غابريال غارسيا ماركيز ليثبت لنا الأدب فعلا في خطر عندما يبتعد الكاتب عن صورته الحقيقية وعن واقعه القريب منه مثل «الله»، ويمسك بتلابيب ماركيز مثلا أو حتى تودوروف.
يكتب الرّياحي في الصفحة 108 «كل أصدقائي رفعوا صورة ماركيز بدلا من صورهم» ويضيف «حتى المعجبات المتعصّبات لي ولأدبي قليل الأدب تجنّدن لماركيز. أينما وليت وجهي أجده مرفوعا على الوجوه قناعا»، بل أن الكاتب كمال الرّياحي يرمي خوفه على الأدب عندما يقول، «لا أحد يصدّق أن الله مات بينما يصدّقون موت ماركيز»، ولا يتردّد الكاتب في إعلان موقفه الأدبي، ربّما من الواقعية العجائبية أو السّحرية، التي أسسها غابيتو (كنية أصدقاء ماركيز) خاصة بعد روايتيه «مئة عام من العزلة» و»الحب في زمن الكوليرا»، إذ يكتب كمال الرّياحي في الصفحة 98 «احترم نفسك سيّد ماركيز. بدأت أضيق بك ذرعا. سأرمي أمّك من النّافذة.»… لقد أصبح كمال الرّياحي يكلّم كمال الرّياحي… أو مثلما يقول في الرّواية «سأقود أنا الآن» لأنه أيضا مثلما يكتب «لم يقتنع بما قالته لي تلك الكتب البائسة»… انّه يترك جميع العطور الباذخة ليتشمّم رائحة قلمه هو وخياله هو وواقعه هو… فقد «ظلّت حياة تهديني العطر نفسه».

موت غابيتو… حياة بيكارو

غير أن كمال الرّياحي وهو يهرب من سلطة ماركيز وواقعيّته العجائبية والسّحرية، فهو لا يتخلّص تماما من سلطة محمد شكري وواقعيّته الاحتيالية أو تحديدا النّزعة البيكارسيكية الإسبانية، ذلك أن صاحب «الخبز الحافي» و»الشطّار» و»زمن الأخطاء»… يعترضنا في رواية «عشيقات النّذل»، من خلال الجمل القصيرة التي تختصر مشهدا كاملا، ومن خلال تتابع الحركات وتواتر الأفعال أكثر من الأسماء، ومن خلال القاموس اللغوي الموغل في النّذالة والسّفالة وطبعا الفضاءات السّفلية بسلوكاتها البشرية الموغلة في النّذالة، مثلما روّج لذلك نقّاد وقرّاء محمد شكري.
بل أن كمال الرّياحي يقترب كثيرا من عوالم محمد شكري وهو يكتب روايته هذه التي تحفر عميقا في الاوتوبيوغرافيا الروائية، فكمال الرّياحي النّاقد الأدبي والصحافي الثقافي الشّاهد على حركة المسرح وذاكرة الأفلام السينمائية… كمال الرّياحي الذي يصف نفسه في الرّواية فيقول «كنت وحيدا أقرأ الكتب وأكتب الكتب وأشتري الكتب وأبيع الكتب وأضاجع الكتب لأنجب منها كتبا أخرى»، لا يقدّم لنا من خلال هذه الرّواية سوى صراعه الدّاخلي بين النّاقد المتربّص بداخله والرّوائي الجامح فيه… الرّوائي المتحرّك فوق حقل من الألغام المجتمعية، الباحث عن «كبد النّاقد»… ولئن أفرد يومية واحد بشكل مباشر من يوميات الدفتر بعنوان «كمال وأنا»، فإن كامل الرّواية لا تكتب سوى تفاصيل هذا الصّراع الداخلي، ويكفي أن ننتبه إلى طبيعة الأمكنة المغلقة في الرّواية.
وهو على كامل النّص يرسم لنا وجوها من داخله، للصّعلكة والهجاء والانتقاد والتّمرّد، وهي ذاتها المناخات التي يتحرّك داخلها محمد شكري الشطّار، وهو المتأثّر بالأدب الإسباني الذي منه انتشرت الرّواية الشطّارية/الصعلوكية أو البيكارسكية/التّشرّدية منذ القرن السّادس عشر ببطلها «بيكارو» باعتباره نموذجا لشخصية «حذرة وشيطانية وهزلية، تحيا حياة غير هنيئة»، أو أنه:» بطل مغامر شطاري مهمش صعلوك محتال ومتسول».
إن كمال الرّياحي لا يقتل غابيتو مرة واحدة، ولا يعيد الحياة إلى بيكارو دفعة واحدة، فالشّخصيّات في روايته لم تكن مركّبة ومعقّدة تماما، وهي أيضا لم تكن مسطحة وبسيطة تماما، بل كانت شخصيات كاملة بتعقّدها وبساطتها.

اللّوك الجديد للكاتب

الزّمن في هذه الرواية قد يكون انطلق «اثر أحداث يناير/كانون الثاني 2011 بعد أن أغلق صاحب القبو سلسلة مطاعمه» وقد يكون انتهى يوم 28 أغسطس/آب 2014 في تمام السّادسة إلا الرّبع عندما يكتب الرّياحي:»لم تبق إلا النّهاية. يكفيه ما أنهى من الحكايات. هذه حكايتي التي كتبتها وجعلته يعيشها بدون إرادة».
قد يكون هذان التّاريخان الزّمن الفعلي للأحداث، لكنّ الرّواية تأخذنا إلى زمن برزخي لا بداية فيه ينطلق منها، ولا نهاية يتوقّف عندها. زمن قد يمتد على طول الزّمن، مادام المسدّس الضخم لا يحتوي على الخراطيش الضروريّة لقتل الأب. وعقدة قتل الأب لا يلقيها كمال الرّياحي من جهة علم النّفس ولا من جهة أسطورة أوديب الإغريقية، بل هي لا تأتي من جهة ديستوفسكي ومن جهة الشذوذ الجنسي مثلا، إّنها هي تأتي من الوعي بلاوعي الكاتب… فالرّياحي ـ وهو يسخر من «الفرويدية المقلوبة» ـ واع بضرورة قتل كل الأدوات التقليدية والكليشيهات السابقة ليصنع نصّه بعيدا عن أي سلطة أبوية/ روائية ليصنع «اللّوك الجديد للكاتب»، ويكفي أن ننتبه إلى التصدير الأول، وسابق للتصدير الثاني لجورج باتاي، الذي كان على لسان احد أبطاله وهو لطفي بوخا، ذاك المخبر القميء، عندما يقول «لم يفلت مني أحد. حسمت مصائر الجميع هنا. بقي أن أحسم رؤوسكم»، بل هو يُلحق محمد شكري بقائمة القتلى السّابقين، فلئن منع السّارد في رواية «زمن الأخطاء» لمحمّد شكري والده من إيذاء أمه، وهدده إن فعل بأن يضربه بيد الهاون، فان كمال الرّياحي لا يشفق حتى على أمّه، لأن رصاصة خياله ترديها جثة باردة مع جثّة والده…فالكاتب منذ البداية يعلن تمرّده، على الأب وعلى الإله، ويهدّد الجميع باقتراف جريمته الخاصة، التي لن تشبه جرائم السّابقين، ولئن يوهمنا كمال الرياحي بقتل النّاقد، فهو لا يفعل سوى قتل ضوابط الكتابة وحدودها عندما يعلن صرخته منذ البداية ليظل صداها عاليا على كامل الرّواية:»لا أريد أن يمتلكني أحد ولا أريد امتلاك أحد»، وهو أيضا سيحدّد لنا منذ الصفحات الأولى للرواية، طبيعة الكتابة التي سيمنحنا إياها، إذ يقول :»عاهدت نفسي على أن اكتب كل شيء مهما كانت فظاعته».
ولعبة الزمن أيضا، في هذه الرّواية تتكثّف في أسبوع واحد، المدة التي تمهلها حياة لكمال، «هو أسبوع فقط. أمهلك أسبوعا كاملا لتقرر»… ليتحرّر هذا الأسبوع من أيامه السبعة ويمتد بما يكفي ليصبح الكاتب «خبيرا في البشر»، بل أن الزّمن سيفلت من زمن الرّواية ليظلّ معلّقا في انتظار زمن الكتابة المقبل، لأنّ كامل هذه الرّواية (وكامل حياة كمال الرّياحي أيضا) لا تدور في غير سؤال حياة لكمال:»هل ستبقى معي؟»، وهو أيضا سؤال كمال الرّوائي لكمال النّاقد، فأسبوع سؤال حياة، هو زمن حياة كمال الرّياحي الإبداعي.

الكاتب ليس راهبا

تتقاطع الحبكة السردية بالعقدة البوليسية مع المشاهد السينمائية بالتفاصيل الدقيقة للسيناريو، وتقفز كتابة اليوميات بتواريخها وأحداثها جنبا إلى جنب مع السيرة الأتوبيوغرافية المتأرجحة بين الوقائع الصحيحة والشطحات الخيالية، ولا تتخلّف ألوان الرسم التشكيلي والتّداعيات الحرّة في هذا النّص المغاير شكلا لمدوّنة كمال الرياحي الروائية والمستمرّ في المناخ الذي بدأ يستوطنه الكاتب ضمن نصوصه الروائية… إنه يفتك مكانه عن جدارة في عالم الواقعية القذرة، أو الواقعية الاحتيالية، بوضعياتها ومفرداتها وأفقها، ويكفي أن نتذكّر الأمريكي ريتشارد فورد، أحد أبرز مبدعي تيّار الواقعية القذرة ونتذكّر عنوان روايته «العاشق» التي تعدّ أهم الأعمال المجسّدة لطموحات الواقعية القذرة، وكذلك يكفي أن نعود إلى مدوّنة الروائي المغربي محمد شكري لنقف على شخصية كمال الرّياحي متوثّبة داخل هذا النّص الروائي… شفّافة مثل البلّور كتلك التي نطالعها في اعترافات جان جاك روسو، أو هي شخصية لا تتقن سوى «رقصة الحب» (التانغو) بما تعتمله من حميمية والتصاق وتقارب… تقارب الكاتب مع ذاته ومع خياله ونصوصه.
إن كمال الرّياحي بهذه الرّواية وهو يدخل إلينا من باب الجريمة في مفهومها البسيط والأوّلي، يلقي في وجهه ـ قبل وجه قارئه وناقده ـ جريمة أعمق وأخطر، يلخّصها في الصفحة 145 من رواية «عشيقات النّذل» عندما يكتب»مشكلة الصحافيين (الكتّاب) أنّهم يفسقون ويفسدون ويزنون ويكذبون ويرتشون ويشربون المخدّرات والكحول وتجدهم يكتبون عن الفسّاق والزّناة والمرتشين والمدمنين كما لو كانوا رهبانا»، وهو أيضا يعرّي الخطر الدّاهم ويدقّ النّواقيس عندما يكتب في الصفحة 173: «أمر لا يمكنك أن تخفيه، وهو أمر مفزع فعلا. الرّائحة. لقد فقدت رائحتك أيّها الكاتب».

كاتب من تونس

ناجي الخشناوي

http://www.alquds.co.uk/?p=307351

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

« عشيقات النذل ».. رواية عن الابتزاز والخيانة والجريمة لكمال الرياحى

10991542_10153150991184874_3928208911478453733_o بلال رمضان

صدر حديثًا عن دار الساقى للنشر، رواية بعنوان « عشيقات النذل » للكاتب كمال الرياحى، وتقع الرواية فى 192 صفحة من القطع المتوسط. وفى « عشيقات النذل » تُقتل سارة، الفتاة المراهقة ذات السبعة عشر ربيعًا، فتتّهم والدتها ناديا، وهى صاحبة مؤسّسة إعلامية شهيرة وابنة أحد أقطاب الإعلام، أباها كمال اليحياوى بقتلها. وهو كاتب سيناريو وروائى ذاع صيته بفضل شبكة علاقات زوجته، كما أنه سينمائى معروف بفضل عشيقته هند المونديال. ولكن ما قصة الفئران القابعة فى قبو بيت كمال اليحياوى؟ ولماذا أقدم على قتل قطة صديقه إيفو؟ وما العلاقة التى تربطه ببوخا، المخبر والقاتل المأجور؟ وما شأن غابرييل غارسيا ماركيز بهذه القصة كلها؟… وأخيرًا، من قتل سارة حقاً؟! « عشيقات النذل » ليست رواية بوليسية، كما قد تبدو. هي، بالأحرى، عن النذالة، أو عن مجموعة من الأنذال تتقاطع خيوط أقدارهم وأطماعهم، فيفتك واحدهم بالآخر، عبر الابتزاز والخيانة والجريمة … حيث «العطش للشر هو مكيال الحسنات»، وحيث تُحسم المصائر بحسم الرؤوس! وكمال الرياحى روائى وصحافى تونسى، فاز فى مسابقة « بيروت 39 » التى نظّمتها مؤسّسة هاى فيستيفال عام 2009. صدر له فى الرواية عن دار الساقى « الغوريلا » و »المشرط »، وترجمت أعماله إلى الفرنسية والإيطالية والإنكليزية والبرتغالية، وفازت روايته «المشرط» بجائزة الكومار الذهبى 2007 لأفضل رواية تونسية.

http://www.youm7.com/story/2015/2/26/%D8%B9%D8%B4%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B0%D9%84-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D8%B2-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7/2083149#.VRK08_xwvfU

Publié dans عشيقات النذل | Laisser un commentaire

بول أستر : كاتبُ مصادفات . كمال الرياحي

بول أستر : كاتبُ مصادفات . كمال الرياحي.

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

بيت الخيال ورشة دولية رقمية للكتابة الأدبية مع الروائي كمال الرياحي

Diapositive1
 » ورشة الكتابة الأدبية يديرها الروائي والناقد كمال الرياحي. الدورة ستنطلق في فيفري القادم وستكون شهريا ببرنامج خاص كل شهر وبمعدل حصة بالاسبوع مساء الأحد من 15س إلى س19 وتتواصل رقميا من خلال تبادل النصوص والمناقشات طوال الاسبوع مع المشرف
تنتهي الدورة بانتهاء المشروع وتفتح الورشة الجديدة بموضوع جديد.
ستعنى الورشة بالكتابة السردية . القصة القصيرة والرواية واليوميات والسيرة الذاتية والتخييل الذاتي وأدب الترسل.
عدد المشتركين سيكون محدودا
الدورة مفتوحة للمشتركين عن بعد العرب والتونسيين بارسال نصوصهم لمناقشتها في الورشة
وتلقيهم للملاحظات عبر البريد الالكتروني ووسائل الاتصال الحديثة
الدورة الاولى في شهر فيفري
مكان الورشة الضاحية الشمالية للعاصمة. المنار.
الدورة مفتوحة للجميع للكتاب الهواة.
للتسجيل ودفع معاليم الاشتراك.
الاتصال بالصفحة الرسمية للمشرف
https://www.facebook.com/KamelRiahiNovelist
ــــــــــــــــــــــ

مدرب الورشة: كمال الرياحي
روائي وناقد تونسي ومدير ورشات الكتابة السردية. اشتغل مراسل الصحافةالأجنبيةمنذ سنة 1999 ونشر في كبريات الصحف العالمية. متحصل على شهادة الدراسات المعمقة في الأدب الحديث اختصاص نقد روائي. تحصل سنة 2007 على جائزة الكومار الذهبي لأفضل رواية تونسية عن روايته « المشرط » وكان الفائز التونسي الوحيد سنة 2009 في مسابقة بيروت39 لأفضل 39 كاتبا عربيا دون سن 39 سنة التي نظمتها مؤسسة هاي فيستفال وهو كذلك التونسي الوحيد الذي اختير ضمن أفضل 5 كتاب دون سن الأربعين شاركوا في جائزة البوكر في دورتين. ينشر رواياته بدار الساقي اللندنية وقد صدر له العديد من الأعمال الأدبية والنقدية منها:
« نوارس الذاكرة » مجموعة 1999
« سرق وجهي » مجموعة قصصية2001
« المشرط » رواية متحصّلة على جائزة الكومار الذهبي الأدبيّة لعام 2006. ط 2 .2007ط3. 2012
« الغوريلا » رواية2011
« حركة السرد الروائي: بحث2005
« الكتابة الروائية عند واسيني الأعرج »: بحث2009
« هكذا تحدث فيليب لجون » حوار في سلسلة2010
« هكذا تحدّث واسيني الأعرج »: حوار في سلسلة 2010
نصر حامد أبو زيد/ التفكير في وجه التكفير 2014
ترجمت أعماله أو أجزاء منها إلى الفرنسية والايطالية والإنجليزية والبرتغالية والسويدية والاسبانية والبولونية.
أدار عدد كبيرا من الورشات في تونس وفي العالم العربي. مؤسس ومدير مختبر نهج السرد وصالون ناس الديکأمرون

ــــــــــــــــــ
لاستفساراتكم حول الورشة وطريقة دفع معاليم التسجيل الرجاء مراسلة المشرف
https://www.facebook.com/KamelRiahiNovelist
بيت الخيال / مشروع حلم سينطلق قريبا . ورشة دولية مقرها تونس ومنفتحة على العالم . كل من يريد المشاركة فيها من كتاب العربية وهواة الأدب في الدول العربية وأوروبا وأمريكا وأستراليا . نديرها ببرنامج شهري دقيق ينتج مادة كتاب شهري في فنون الأدب من قصة ورواية وسيرة ويوميات. مرحبا بكل من يريد أن يعيش معنا مغامرة الخلق في بيتنا السحري/ بيت الخيال.
ــــــــ
كمال الرياحيDiapositive1

 

Publié dans ورشات | Laisser un commentaire

عريضة مساندة من المثقفين التونسيين والعرب للروائي كمال الرياحي من أجل هيبة الثقافة

Diapositive1img_5107.jpg

عريضة تضامن مع الكاتب والصحفيّ التونسيّ كمال الرّياحي في ضوء ما تعرّض له من إهانةوتعنيف من قبل ممثل شركة الكوكا كولا بسبب تحرير تمثال ابن خلدون
انطلاقًا من إيماننا بحريّة المثقّف ودفاعه عن الرّموز الثقافيّة التي طالتها أيدي الرأسماليّة في مجتمعاتنا العربيّة، والتي لا تتردد في تشويه المعالم الثقافيّةوالحضاريّة وحجبها لصالح الدّعاية وخدمة الشّبكة الاستعماريّة العنكبوتيّة التي تمدّدت لتضرب كلّ قيمة ثقافيّة وأدبيّة وتكمّم أفواه كلّ من يحاول التصدّي لها،

نعلنُ هنا عن تأييدنا الكامل للكاتب التونسي كمال الرياحي واعتصامه السلميّ الذي تصدّى من خلاله لهذا الاعتداء على سيادة الثقافة وجوبه بهجمة وعنف فيما كان يطالب بإنزال لافتة إشهاريّة تحجب رؤية تمثال
ابن خلدون.
نستنكر الاعتداء الجسديّ واللفظيّ الذي بدر من ممثّل شركة « كوكا كولا »على الكاتب في حملته السلميّة الهادفة، ونؤيّد سلوك الكاتب ونهجه الواعي في مظاهرته السلميّة ونجاحه في التصدّي للشركة وإعلانها أمام رمز ثقافيّ تونسيّ وعربيّ ونطالب بمعالجة القضيّة بحزم وموضوعية من قبل الجهات الرسميّةالمسؤولة.
تقديرًا لهذا العمل، وإيمانًا منّا بأنّ ما قام به الكاتب والأديب كمال الرياحي ما هو إلا واجب فكريّ وطنيّ ثقافيّ يواجه دون هوادة كلّ محاولة تعبثُ بشكل اعتباطيّ أو منظّم برموز وقيم ومعالم ثقافيّة هي واجهة كلّ بلد يقيّم الفكرويحترم أصحابه.
بناءً على ما ذُكر نؤكّد أنّ قضيّة كمال الرياحي هي قضيّة وطنيّة بالدرجة الأولى، وقضية كل مثقف ومبدع في العالم وأي شكل من أشكال الاعتداء عليه يُعدّ اعتداءً على الفكر وحريّة التعبير . كما أننا نرفضُ وندينُ العمل الذي قامَت به الشّركة ونطالب بعدم تكرارالمشهد في أيّ ساحة تحترمُ معلمًا أو رمزًا فكريًا وتخلّدُ قيمة إنسانيّة وتنويريّة في البلاد، لأنّ ذلك يُعتبر اعتداءً على حرمة الفكر والعلم.
نؤكّد دعمنا التامّ لسلوك الكاتب التنويريّ والسّلميّ .
وتبني بيانه الذي ورد فيه التالي:

نزلت الشارع دفاعا عن صورة المثقف والمبدع والمفكر ودفاعا عن الشعب التونسي الذي هتف بأن الشارع لنا . الشارع ملك الشعب كان يقصد الشارع الجميل وعليه ان يبقى جميلا , وقد اسقط الشعب التونسي الديكتاتورية يوم 14 جانفي بمشهد جمالي ظل العالم كله منبهرا به وأسقطه بالشعر وببيت الشابي « اذا الشعب يوما اراد الحياة » لذلك لن يقبل بان ينتهك الشارع بكل هذه البشاعة الاشهارية ولن يقبل أن تمس نخبه ورموزه الفكرية وعلى كل الحكومات القادمة ان تعي ان المثقف خطا احمر وأن عليها ان تحترم الفكر والمفكرين وابن خلدون احد اهم الرموز الفكرية في العالم المنتسبة لتونس وتمثاله الذي نحته الفنان زبير التركي بطلب من الزعيم الحبيب بورقيبة تقديرا للفكر لا يجب ان يمس بسوء وعلى الحكومة ان تتحمل مسؤوليتها في اعادة الشارع والساحة لتمثال العلامة وعليها ان ترعاه بالترميم والارتفاع بقاعدته وحراسته لا ان تشوهه او تسمح بشويهه او تهميشه .
وعليها ان تعلم أن من ضمن حقوق الشعب : حقه في شوارع جميلة وراقية تليق برقيه وبتضحياته.
انه احتجاج ضد القبح . وتوجه الروائي برسالة وصفها بالعاجلة إلى دولة ما بعد المؤقت والجمهورية الثانية قال فيها:
يوم 19 جانفي 2011 نزلت احتج على وضعية ابن خلدون وأنادي بتحريره لانني مؤمن بان الثورة لا تاتي لتعتقل المثقف. وقتها منعت من التصوير لان المنطقة عسكرية فهل مازلنا نرضى اليوم بعد كل هذا المسار من الانتقال الديمقراطي واجراء الانتخبات مرتين وانتقالنا من الوضع المؤقت إلى الوضع الشرعي أن يبقى رمز الثقافة معتقلا؟
رسالة إلى جيشنا الباسل والذي حمى الثورة والثوار ومازال يدافع عن الشعب من المخاطر الخارجية والداخلية وعلى رأسها الارهاب أن يفك الحصار عن العلامة ابن خلدون ويعيده إلى شعبه حرا كما كان دائما. وان تتحمل وزارة الثقافة مسؤوليتها في العناية به وحديقته وتهيئتها بما يجعلها لائقة بمفكرنا الكبير وعالم الاجتماع العالمي والمؤرخ العظيم .

ونطالبُ الجهات المسؤولة بحماية حقوقه كمواطن وككاتب وكمثقّف مهما بلغت الذرائع، إيمانًا منّا بأنّ ثمة مساحة كبيرة للمثقّف يعبّر فيها عن رأيه وعن ثقافته ومقوّماتها ويدافع عنها ضد وحشية العولمة التي تمثلها الشركات المتعددة الجنسيات
مجموعة من المثقفين الأحرار في العالم

الدّعوة للتوقيع على العريضة مفتوحة لكلّ من يرغب ويؤيّد ما جاء فيها في شبكات التواصل الاجتماعيّة.

الرجاء كتابة الاسم والمهنة او الصفة والبلد

شكري الباصومي . صحفي ثقافي
مكي هلال. اعلامي
ماجدة الظاهري. شاعرة
منير بعزيز. سينمائي
سعيف علي. كاتب
منال مبروك . سينمائية
رضا بن صالح . كاتب
سامي السنوسي . كاتب
عادل العاشق . ناشط نقابي وثقافي
منجي السليماني. باحث
سمير العبدلي. شاعر
جمال الجلاصي. شاعر ومترجم
رانية السواهي , ممثلة
ريم غنايم. كاتب ومترجمة. فلسطين
أريج الامام . باحثة في التاريخ
حسن العشي رئيس الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي
أعضاء نادي سينما طاهر حداد
البشير موسى . شاعر وباحث
منتصر حملي . شاعر ومترجم
صالح سويسي/ كاتب وإعلامي
محرز القروي. ناقد سينمائي
سيف الضريف / ممثل
رضا تليلي/ مخرج سينمائي
سعدية بن سالم روائية
علي السعيدي. كاتب
سلوى الرّاشدي كاتبة تونسيّة
محمود قفصية – ملحق ثقافي – فنان تشكيلي – رئيس الجمعية المتوسّطية للفنون التشكيلية بالمنستيرْ
مهدي عثمان. روائي
حمزة مرزوق . صحفي
اسماء بالخوجة . محافظ تراث
ابتسام قشوري. كاتبة
سوسن العجمي. كاتبة
محمد مهدي المستوري أستاذ منشط بوزارة الثقافة
صلاح بن عياد. كاتب
خولة لحفاف أستاذة عربية تونس
ضحى طليق -صحفية
عبد القادر الدريدي . ممثل
صابر قرين – استاذ تعليم ثانوي و مدوّن
عبد الحكيم ربيعي مربّي و شاعر و رئيس صالون الربيع الثقافي
الدكتور مقـداد رحيم: أستاذ جامعي، شاعر وناقد وباحث أكاديمي- العراق.
عبير اسطنبولي . نفسانية
سنية الزواغي استاذة و رئيسة نادي سينما الطفل و الشباب بتوزر
سلوى بن رحومة . شاعرة
ثريا ميلاد. صحفية
الاسعد دخيلي مخرج
توفيق عمران / رسام كاريكاتير / تونس
مـاهـر عبـد الرحمـان – إعـلامي مستقـل
محمد بوعود . صحفي …… تضامني الكامل
حبيب السائح . روائي . الجزائر
رشدي بلقاسمي راقص و كوريغراف تونسي .
معزالعمامي / أستاذ ونقابي المنستير
حامد محضاوي/تونس/ ناشط سياسي.
سامية حاجي. كاتبة
شمس الدين عبد اللطيف : أستاذ و كاتب و رئيس جمعية
نصيرة عبد الواحد مواطنة تونسية
ايمان فنيِّش معلمه بصفاقس
وائل حاجي، مسرحي واستاذ تنشيط ثقافي.
شريف محمد الحداد – مهندس – مصري
عبد الرزاق الميساوي مدير إعدادية بزغوان، ناشط في المجتمع المدني ومهتمّ بالشأن الثقافي والأدبي

بتول العيسى . كاتبة وباحثة . الأردن

محمد سفينة ، صحفي .
فوزية ثابت كاتبة و مخرجة مسرحية
المختار كمون. اعلامي

مليكة همامي مترجمة

هشام بن زيد / كاتب
مريم بالليلي. استاذة
محمد معتصم. ناقد أدبي من المغرب
علي محمد دقو. باحث جامعي
آدم فتحي, شاعر ومترجم واعلامي
محمد الجابلي . كاتب. تونس
علاء الدين بن عبد الله، جامعي، كندا
اسماء السحباني . استاذة
زهور كرام. أديبة وأكاديمية . المغرب
ناجح جغام، مواطن تونسي، جامعي (فرنسا
عادل التليلي مصمم غرافيك
جميلة الشريف .كاتبة روائية
جهان معتوق – محامية – تونس
أمامة الزاير : شاعرة
حمدي عبيد جامعي – القيروان
وئام حميد _تقني صوت
جميل عمامي / شاعر و استاذ تنشيط ثقافي .
توفيق السلطاني نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فرع سوسة
نورالدين الشواطي نقابي وناشط سياسي ثقافي -سليمان نابل-….
وفاء بالطيب /فنانة تشكيلية * شاعرة * مديرة دار ثقافة
رفيق بوسنينة. فنان تشكيلي
عبد الحليم المسعودي كاتب و أستاذ جامعي
جوهر الحسين أولاد حمودة : رئيس جمعية مجاز للثقافة والفنون

نصر الدين اللواتي – رئيس تحرير نشرات أخبار
رانيه الحلبي – مذيعة – لبنان
عمارة لخوص، روائي جزائري وإيطالي
محمود طرشونة أستاذ جامعي و روائيّ.
خليل قطاطة – قاص
وحيدة بن حمادو المقراني مترجمة
زهية جويرو ،جامعية وباحثة في الحضارة العربية
هاجر صمادح , استاذة تعليم ثانوي
عبد الرحمن مزيان استاذ محاضر بجامعة محمد الطاهري بشار الجزائر
مها الجويني , كاتبة وناشطة مجتمع مدني
العادل خضر أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والفنون والإنسانيات منّوبة/جامعة منّوبة، تونس
سارة البربوشي أستاذة وباحثة جامعية
البيان
https://kamelriahi.wordpress.com/2014/12/27/بيان-من-الروائي-كمال-الرياحي-عن-تمثال/

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

Ibn Khaldoun enfin libre !

10897123_10153012993584874_1521182197725076008_n
Le nouvelliste Kamel Riahi vient de mener ces derniers jours une rude campagne pour libérer le penseur
Ibn Khaldoun du joug d’une bouteille géante de soda qui a été plantée et qui l’a privé de son rituel quotidien.
Des vents sur l’avenue Bourguiba ? Est-ce un profond ouf de soulagement d’Ibn Khadloun qui a passé des jours terribles, derrière ces cartons industriels et qui avait peut-être des doutes sur le résultat d’une confrontation probable entre la pensée, l’artistique et la mémoire d’un côté et le pouvoir, l’argent et l’industrie de l’autre? Ibn Khaldoun a peut-être été également inquiet de ne pas pouvoir, comme à l’accoutumée, rencontrer au quotidien les yeux des Tunisiens et écouter leurs pensées.
C’est depuis de longues années qu’il pose somptueusement à l’avenue Habib Bourguiba. Œuvre majeure des deux maîtres Zoubeïr Turki et Amor Ben Mahmoud, Ibn khaldoun est sans doute l’emblème de cette artère principale de la ville. Un burnous tunisien sur les épaules, serrant l’un de ses bouquins, peut-être sa «Muqaddima» qui a fait sa renommée ou encore son «Livre des préceptes» (Kitab Al- Ibar), Ibn Khaldoun veille depuis au moins trois décennies sur les différents monuments de l’avenue Bourguiba. Témoin de différentes mutations qu’ont vécues la Tunisie et les Tunisiens, Ibn Khaldoun, le sociologue, le penseur et l’historien semble bien placé pour tout voir de cet emplacement stratégique… Lui qui a suivi de près les événements du 14 janvier et qui, depuis, observe attentivement les changements sociopolitiques et culturels, suit les campagnes électorales… C’est son rituel quotidien jusqu’au jour où il s’est trouvé du coup bloqué, privé de tout ce qui lui fait plaisir : contempler les Tunisiens dans leur va-et-vient, les écouter et surtout essayer de les comprendre. Certes, tout a changé. Mais pour notre grand sociologue dont les écrits ont changé le cours de l’histoire, tout doit passer par l’observation.
Le tournant…
Cherchant à cibler un grand nombre de consommateurs, une grande société de production de sodas n’a trouvé mieux pour sa campagne publicitaire que de placer un écran géant et une immense bouteille en carton devant notre sociologue. Pour cette entreprise économique, tout est dans l’ordre tant qu’elle a toutes les autorisations nécessaires des autorités concernées. Oui des autorités qui ne semblent pas bien savoir l’importance de cette présence symbolique de ce statut d’Ibn Khaldoun. Statut dont les valeurs scientifiques, artistiques et académiques sont indiscutables. Rebelle comme il a été toujours, le nouvelliste Kamel Riahi n’a pas tardé à son tour de mener une «guerre» intellectuelle pour libérer Ibn Khaldoun, un penseur qui a libéré l’humanité des préjugés et qui a permis à la sociologie de devenir une science… «Free Ibn Khaldoun», tel est l’intitulé de cette campagne à laquelle quelques citoyens ont adhéré. Campagne qui s’est achevée avec une belle victoire à la pensée, à l’humanité… D’ailleurs, c’est depuis le vendredi soir que Ibn Khaldoun a retrouvé sa liberté, contemplant cette Tunisie qui s’apprête à accueillir un nouvel an avec tant d’espoir !
ـــــــــ

Imen ABDERRAHMANI
Le Quotidien – Dimanche 28 décembre 2014
Action culturelle
«Incarcéré» depuis quelques jours

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

Ibn Khaldoun éjecte Coca-Cola

Un panneau publicitaire vantant les mérites de Coca-Cola a été érigé devant la statuekamel-riahi-coke-271214 d’Ibn Khaldoun, au centre-ville de Tunis, en pleine avenue Habib Bourguiba, dissimulant en partie le monument. Une vision que M. Kamel Riahi, le romancier et directeur de la maison de culture Ibn Khaldoun, n’a guère appréciée.

Durant trois jours, il protestera des heures durant au cœur de la capitale, contre ce qu’il considère comme «une humiliation à l’égard de notre culture nationale».

Une prise de position qui lui vaudra même, à ses dires, d’être victime d’une agression. Mais il ne lèvera pas le camp. La société commerciale finira par céder devant l’insistance persistante de l’homme de culture. Le panneau sera enlevé, le vendredi 26 décembre. La statue en question, sculptée par l’artiste Zoubeir Turki sur la demande de l’ancien président Habib Bourguiba en 1978, représente Ibn Khaldoun, l’un des pères de la sociologie, un historien dont l’œuvre est jusqu’à nos jours étudiée, commentée, analysée. L’auteur des «Prolégomènes» (Al Muqaddima) est donc clairement l’un des symboles les 10522887_10153002105559874_4321329599914812862_n (1)plus brillants de la culture tunisienne.

La statue, érigée au centre de Tunis, l’expose en turban, et en burnous, tenant à la main un livre. Une œuvre d’art qui met en valeur, le mariage de la raison et de l’authenticité enracinée dans des millénaires d’histoire. Serait-elle malmenée par le bulldozer du marketing échevelé? Voici, en tous cas, qu’elle trouve des défensrs.

Le geste de M. Riahi, l’un des premiers du genre, en Tunisie, pourrait être considéré comme une victoire de la culture contre l’un des porte-drapeaux du mercantilisme mondialisé. Une résistance portée par un intellectuel contre l’ordre marchand qui entend imposer ses clinquantes valeurs importées.

A noter que Coca-Cola, qui a lancé une campagne marketing particulièrement agressive en Tunisie, a dû faire face, ces derniers mois, à un large mouvement de boycott en Europe. Dans un pays comme l’Espagne, les ventes de la boisson gazeuse d’origine américaine ont même chuté de 50% en février 2014 par rapport au même mois de l’année précédente (voir ici).

De son côté, l’écrivain égyptien Ibrahim Sonallah a même ironiquement considéré Coca-Cola, dans son roman «Le comité» (al lajna) comme l’incarnation de l’idéologie mondiale dominante. Reste à savoir si le microcosme de l’intelligentsia tunisienne saura apprécier à sa juste mesure le geste de M. Riahi, dans un contexte où la culture fait plus que jamais figure de parent pauvre.

Soufia Ben Achour

http://www.mag14.com/culture-a-medias/54-culture/2933-ibn-khaldoun-ejecte-coca-cola.html

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

بيان: من الروائي كمال الرياحي عن تمثال ابن خلدون والكوكا كولا ومناهضة العولمة

10881714_10152994327504874_4149732061046111386_n10891687_10153003505229874_4515054056120862756_n

اعتصم الاعلامي والروائي التونسي اعتصاما سلميا لمدة 3 أيام أمام تمثال ابن خلدون بالعاصمة التونسية احتجاجا على زرع لافتة اشهارية عملاقة لشركة الكوكا كولا التي حجبت التمثال الشهير الذي نحته الفنان الكبير زبير التركي بطلب من الزعيم الحبيب بورقيبة تقديرا للفكر والمفكرين.

وقد تواصل الاحتجاج والاعتصام يوميا لمدة ساعات حتى أجبرت الشركة على رفع اللافتة يوم 26 ديسمبر على الساعة 12.30 قبل موعد رفعها بأيام والمقرر يوم 31 ديسمبر.

10522887_10153002105559874_4321329599914812862_n (1)
يذكر أن الروائي كمال الرياحي تعرض في اليوم الأخير للعنف المادي واللفظي من ممثل الشركة الذي انتحل صفة عسكري وحاول منعه من التواجد في ساحة التمثال ودفعه خارجها وقد تمسك الكاتب بحقه في التواجد في ساحة العلامة ابن خلدون وانجر عن ذلك تجمهر للجمهور لمشاهدة ما يجري من اعتداء على الكاتب كمال الرياحي وعلى تمثال المفكر.
اقتيد الروائي إلى مركز الشرطة صحبة ممثل شركة الإعلانات ميديا ان صاحبة اللافتة الإشهارية بعد فرار ممثل شركة الكوكا كولا أمام الجمهور والأمن في سيارته وأثناء التحقيق بمركز الشرطة الساتيام وشارل دي غول حاول ممثل الشركة انكار ما حصل وإنكار وجود الشخص الذي انتحل صفة العسكري وعنف الروائي والاعلامي كمال الرياحي لكن هذا الأخير قدم ادلة دامغة على تواجده ومنها صوره وهو يدير عملية رفع اللافتة مما جعل ممثل الشركة الاعلانية يتراجع في اقواله ويعترف بوجوده كاشفا هويته كممثل لشركة الكوكا كولا لا لشركة الاعلانات.
وتمسك كمال الرياحي بمقاضاة الجاني والفار من العدالة بتهمة العنف اللفظي والمادي ومحاولة اجباره على مغادرة الساحة وبتهمة انتحال صفة عسكري.
يأتي هذا الاحتجاج في اطار الدفاع عن صورة المثقف وتقديرا للفكر ودفاعا عن الشارع التونسي بصفته ملكا للشعب من أي تشويه يطاله من الشركات الامبريالية التي أصبحت تهدد الثقافة التونسية من خلال حجب رموزه.
وقد سبق للرياحي ان تصدى لعملية إهمال تمثال بن خلدون ايام ترميم الشارع منذ سنوات بكتابة روايته المشرط التي اشتهرت عالميا وخصه بفصل كامل تحدث عن ابن خلدون رمز الفكر في تونس يطارده طائر دموي اطلق عليه اسم اللمخاخ الذي يمتص العقول في إشارة الى كل ما يهدد العقل .
وانجر عن ذلك محاولة مصادرة روايته وهرسلة من النظام السابق دفعته الى مغادرة تونس الى الجزائر بعد إضراب جوع سنة 2009 نتيجة تعطيله عن العمل بشهادة الدراسات المعمقة لمدة 11سنة

المشرط
واليوم هذه رسالة جديدة يقدمها المثقف للحكومات القادمة مفادها أن الثقافة والمثقف خطا أحمر لأنه لا معنى لثورة دون ثورة ثقافية أساسها احترام الدولة للمثقف مؤكدا أن زمن اهانة المثقفين قد ولى بلا رجعة.
وقد صرح الرياحي لإذاعة مونتيكارلو الدولية وإذاعة الشباب التونسية قائلا: نزلت الشارع دفاعا عن صورة المثقف والمبدع والمفكر ودفاعا عن الشعب التونسي الذي هتف بأن الشارع لنا . الشارع ملك الشعب كان يعني الشارع الجميل وعليه ان يبقى جميلا , وقد اسقط الشعب التونسي الديكتاتورية يوم 14 جانفي بمشهد جمالي ظل العالم كله منبهرا به وأسقطه بالشعر وببيت الشابي « اذا الشعب يوما اراد الحياة » لذلك لن يقبل بان ينتهك الشارع بكل هذه البشاعة الاشهارية ولن يقبل أن تمس نخبه ورموزه الفكرية وعلى كل الحكومات القادمة ان تعي ان المثقف خطا احمر وأن عليها ان تحترم الفكر والمفكرين وابن خلدون احد اهم الرموز الفكرية في العالم المنتسبة لتونس وتمثاله الذي نحته الفنان زبير التركي بطلب من الزعيم الحبيب بورقيبة تقديرا للفكر لا يجب ان يمس بسوء وعلى الحكومة ان تتحمل مسؤوليتها في اعادة الشارع والساحة لتمثال العلامة وعليها ان ترعاه بالترميم والارتفاع بقاعدته وحراسته لا ان تشوهه او تسمح بشويهه او تهميشه .
وعليها ان تعلم أن من ضمن حقوق الشعب : حقه في شوارع جميلة وراقية تليق برقيه وبتضحياته.
انه احتجاج ضد القبح .  وتوجه الروائي برسالة وصفها بالعاجلة إلى دولة ما بعد المؤقت والجمهورية الثانية قال فيها:
يوم 19 جانفي 2011 نزلت احتج على وضعية ابن خلدون وأنادي بتحريره لانني مؤمن بان الثورة لا تاتي لتعتقل المثقف. وقتها منعت من التصوير لان المنطقة عسكرية فهل مازلنا نرضى اليوم بعد كل هذا المسار من الانتقال الديمقراطي واجراء الانتخبات مرتين وانتقالنا من الوضع المؤقت إلى الوضع الشرعي أن يبقى رمز الثقافة معتقلا؟
رسالة إلى جيشنا الباسل والذي حمى الثورة والثوار ومازال يدافع عن الشعب من المخاطر الخارجية والداخلية وعلى رأسها الارهاب أن يفك الحصار عن العلامة ابن خلدون ويعيده إلى شعبه حرا كما كان دائما. وان تتحمل وزارة الثقافة مسؤوليتها في العناية به وحديقته وتهيئتها بما يجعلها لائقة بمفكرنا الكبير وعالم الاجتماع العالمي والمؤرخ العظيم .

ــــــــــــــــــــــــــ
عن موقع الإعلامي والروائي كمال الرياحي

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

الروائي كمال الرياحي يحرّر تمثال ابن خلدون

عبّر الروائي ومدير دار الثقافة ابن خلدون كمال الرياحي عن إنزعاجه من اللافتة الاشهارية للعلامة التجارية « كوكا كولا  » التي تم وضعها امام تمثال العلامة ابن خلدون وسط شارع الحبيب بورقيبة. وإعتصم الروائي امام التمثال مدة 3 أيام قبل ان يجبر شركة الاشهار عن ازاحة اللافتة الاشهارية حيث اعتبر الرياحي ان هذه اللافتة هي اعتداء على العلامة ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون وهو ما دفعه الى المناداة بوقفة احتجاجية لتحرير التمثال. 

ويذكر انه تم الاعتداء على الروائي كمال الرياحي من قبل موظف تابع لشركة الإشهار حيث انتحل صفة عسكري واعتدى عليه.

سناء الماجري

أخبار الجمهورية  

نشر في  26 ديسمبر 2014  (20:28)

http://jomhouria.com/art22232_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%20%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AD%D9%8A%20%D9%8A%D8%AD%D8%B1%D9%91%D8%B1%20%D8%AA%D9%85%D8%AB%D8%A7%D9%84%20%D8%A7%D8%A8%D9%86%20%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%86%20%D9%88%D9%8A%D9%87%D8%B2%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%83%D8%A7%20%D9%83%D9%88%D9%84%D8%A7

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

عبد الوهاب المؤدب.. سؤال التنوير المثير للجدل بقلم كمال الرياحي

441

غيّب الموت الخميس الماضي عبد الوهاب المؤدب، أحد أهم المفكرين والمبدعين التونسيين، وأحد أهم الناشطين في الشأن الثقافي والحقل الأكاديمي في أوروبا بخصوص الثقافة العربية الإسلامية وتحاورها مع ذاتها ومع الثقافات الأخرى.
توفي المؤدب -أو « المدّب » كما ينطق في تونس- ليترك وراءه أكثر من ثلاثين مؤلفًا، تناولت الفكر والثقافة الإسلامية من منطلقات تفكيكية ارتكزت على تحليل الخطاب الداخلي بمخزونه وتناقضاته.
وهدف المؤدب إلى إعادة إلقاء الضوء على الإشكاليات المتراكمة لهذه الثقافة وما احتوته من تضاربات، في إطار مشروعه النقدي الفكري التنويري.
ورغم أن هذه المساهمة في قراءة الموروث الإسلامي وفجواته في إطار نقدي مكنته من حصد جوائز كثيرة كجائزة الدوحة عاصمة للثقافة العربية عن مجمل أعماله، وجائزة فرانسوا مورياك عن كتابه « مرض الإسلام »، وجائزة ماكس جاكوب عن ديوانه الشعري « خامة العصافير »، وجائزة بنيامين فوندان عن كتابه « مواعظ مضادة »، إلا أنه ظل شخصية فكرية خلافية تؤخذ أفكاره بالكثير من الريبة في وطننا العربي، مثله مثل محمد أركون ونصر حامد أبو زيد ومحمد الشرفي، لما تعرفه طروحاته من جرأة في قراءة المقدس وما جاورها من بحوث متعلقة بالتفسير والتأويل.
عائلة عريقة
نشأ عبد الوهاب المؤدب في عائلة تونسية عريقة ومحافظة من أصول موريسكية، وتربى على ترتيل القرآن والتردد على جامع الزيتونة الشهير بالمدينة العتيقة.
« المؤدب يعتبر أن ازدواجيته اللغوية وهوياته المتعددة جعلت منه استثناء داخل المشهد الفرنكفوني ودفعت به ليكون سفيرا للذاكرة الشرقية داخل ذلك الفضاء الأوروبي »
إلا أن هذه النشأة الدينية لم تمنعه من التشبع بالثقافة الغربية في شبابه عندما فتح لنفسه نافذة للمعرفة على أعمال ديدرو وبودلير وأبولينير.
وهذه الثقافة المزدوجة هي ما ميزته بعد ذلك في المشهد الفرنكفوني، عندما اختار باريس مقرا له، حيث كان يتقن العربية والفرنسية بنفس الدرجة تقريبا، إلى جانب اطلاعه على الثقافة الشرقية بقدر اطلاعه على الثقافة الغربية.
ويعتبر المؤدب أن ازدواجيته اللغوية وهوياته المتعددة (عربي وأوروبي وتونسي وفرنسي) جعلت منه استثناء داخل المشهد الفرنكفوني ودفعت به ليكون سفيرا للذاكرة الشرقية داخل ذلك الفضاء الأوروبي، شأنه شأن صاحب « الهويات القاتلة » أمين معلوف في الأدب.
المبدع والمفكر
عُرف المؤدب الذي توفي يوم الخميس السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري في العاصمة الفرنسية باريس عن سن يناهز 68 عاما، شاعرا ومثقفا تونسيا بالمهجر، ولكنه كان كذلك أستاذا جامعيا برتبة أستاذ محاضر بجامعة باريس نانتير، وهو مختص بالأدب المقارن والدراسات الفرنكفونية.

وكان المؤدب جامعيا مرموقا وأستاذا زائرا بجامعات يال الأميركية وجنيف السويسرية وفلورنسا الإيطالية.
« المؤدب انشغل بترجمة مؤلفات بعض المتصوفة الفرس مثل شهاب الدين السهروردي وأبو يزيد البسطامي، إيمانا منه بأهمية الترجمة في تكريس التواصل الثقافي الخلاق ومناهضة التعصب الفكري »
وناقش المفكر التونسي سنة 1991 -ولو بشكل متأخر نسبيا- أطروحته للدكتوراه في الأدب المقارن تحت عنوان « الكتابة والجينيالوجيا المزدوجة »، وهي المسألة التي مثلت في مشروعه الفكري الخيط الناظم لجميع نصوصه إلى حدود سنة 2002، قبل أن يعمق المؤدب صياغتها ودراستها من خلال رهانات المعاصرة بين الشرق والغرب.
لم تقتصر إسهامات المؤدب الفكرية على الشعر والرواية -وهي من الأجناس الأدبية التي كتب فيها الفقيد واعتنى بها ترجمة وتدريسا وتحليلا- بل امتدت إلى مجالات الكتابة أو المحاولة النقدية، والتي مكنت المؤدب من صياغة مستحدثة لتقليد « أدب العالم » الألماني، من خلال تسليط الضوء على الخلفيات التنويرية التي تمخضت عنها في التراث العربي الإسلامي نصوص ابن عربي نموذجا.
وانشغل المؤدب بترجمة مؤلفات بعض المتصوفة الفرس مثل شهاب الدين السهروردي وأبو يزيد البسطامي، إيمانا منه بأهمية الترجمة في تكريس التواصل الثقافي الخلاق ومناهضة التعصب الفكري، ولكنه ترجم كذلك إلى الفرنسية رواية « موسم الهجرة إلى الشمال » للروائي السوداني الطيب صالح.
كما اهتم بالمتصوفة والشعراء العرب القدامى والفرس، وتركز ذلك في النموذج المقارن الذي بلوره بين ابن عربي ودانتي: نموذج التقاطع الثقافي الذي تنتجه روافد الحداثة الفكرية من رحم الثقافتين العربية الإسلامية والغربية، وهو النموذج الذي يمنح نصوصه خصوصية الالتزام الفكري الحداثي والتنويري باعتباره التزاما ينهض ضد الرجعية والعنف الدينيين.
ومن رواياته فانتازيا (1986)، والغزالة والطفل (1992)، ومحطات يال التسعة والتسعون (1995).
ومن محاولاته النقدية التي ترجمت إلى أكثر من عشر لغات أجنبية لأهمية الطرح النقدي الذي تبلوره لمسألة الغرب والإسلام المعاصر وإمكانيات التنوير الذي يحتمله: المنفى الغربي (2005)، والإسلام نصيب الكوني (2006)، والخروج من اللعنة.. الإسلام بين الحضارة والهمجية (2007)، كما كتب المؤدب في التاريخ المعاصر بالاشتراك مع مؤرخين فرنسيين بارزين مثل بنيامين ستورا وكوليت فلوس.
وقد تنقل المؤدب بين حقول معرفية شتى منها النشر والتعليم، فقد عرفته الساحتان العربية والفرنسية ناشرا مع دار سندباد التي تعنى بالآداب الشرقية، كما أشرف لمدة طويلة على المجلة الدولية « ديدال » الناطقة باللغة الفرنسية، والتي كان قد أطلقها منذ 1993 قبل أن يلتحق بالتدريس والاهتمام بالأدب المقارن وتاريخ الفن.
وتمحورت بحوثه أساسا حول إشكالية الإسلام والغرب منذ العصر الوسيط إلى الرحلات الاستشراقية خلال القرن الـ19. كما تركز جانب كبير من نصوصه على علاقات الشمال والجنوب من خلال التفاعلات الحضارية والجمالية التي تكرست في السياق الكولونيالي في القرنين الـ18 و19، واستتباعاتها الأيديولوجية في مرحلة ما بعد الاستقلال.
وتندرج إسهامات المؤدب في دراسة الآداب الفرنكفونية المقارنة في إطار هذين المحورين في الأساس، لا بما ينتج باللغتين الإنجليزية والإسبانية في آداب المهجر فحسب، بل في ثقافات الشرق الأدنى أيضا.
المنهج والمشروع
ينتهج عبد الوهاب المؤدب في بحوثه منهجا « جينيالوجيا » عابرا للتاريخ والنصوص والثقافات، مستعينا بأدوات النقد الثقافي لبلورة شعرية وجمالية مخصوصتين: « شعرية العبور والترحال » التي لا تعترف بالقوالب الجاهزة، وجمالية « عابرة للفنون » لا تعتني بالنص الأدبي إلا بالقدر الذي تضيئه الفنون التشكيلية وتعيد صياغة رهاناته مع بقية الممارسات الفنية المعاصرة له.
« سؤال المعاصرة هو الذي دفع بحوث عبد الوهاب المؤدب إلى محاورة نصوص ومشاريع فكرية غربية معاصرة من أهمها أعمال الفلاسفة المعاصرين جورجيو آغامبان وأنطونيو نيغري وآلان باديو وجون ليك نانسي »
والمتأمل في مدونة عبد الوهاب المؤدب يلاحظ أن السؤال الرئيسي الذي ينظم خيوط مشروعه الفكري، على اختلاف مجالاته البحثية وثراء آفاقه وتنوع أدواته هو سؤال المعاصرة: ماذا يعني أن يكون عرب اليوم عاجزين عن معاصرة العالم، أي أنفسهم؟
سؤال المعاصرة -إذن- هو الذي دفع بحوث عبد الوهاب المؤدب إلى محاورة نصوص ومشاريع فكرية غربية معاصرة لم يفتأ المؤدب يصغي لها ويرافقها بقراءاته النقدية، من أهمها أعمال الفلاسفة المعاصرين جورجيو آغامبان وأنطونيو نيغري وآلان باديو وجون ليك نانسي.
وقد ظل المؤدب وفيا لفكرة التجاور والتحاور بين الثقافات، ولذلك لا يجد حرجا من مقارنة ابن العربي -المفكر والمفسر والشاعر- بدانتي صاحب الكوميديا الإلهية الذي وُلد في السنة نفسها التي توفي فيها ابن عربي.
المفكر المُرتاب
ظل المؤدب مفكرًا محل ريبة ولا تستقبل كتاباته الفكرية -وحتى السياسية- بالكثير من الحفاوة في الوطن العربي، فسرعان ما يثار حول مؤلفه وابلٌ من النقد، بعضه موجه للأفكار وكثيره موجه للشخص، فهو إما معادٍ للإسلام من قبل البعض أو أن أفكاره غير أصيلة ولا مجددة، كما يقول السيد ولد أباه، وقد سبقه إليها محمد أركون، وأن المؤدب ليس سوى واحد من الذين خرجوا من عباءته مثله مثل عبد المجيد الشرفي أو مالك شبل أو رشيد بنزين.
وتبقى الفكرة الأكثر شبهة عند المفكرين الإسلاميين ما ردده في بعض مؤلفاته من ضرورة مراجعة فكرة « خلق القرآن » عند المعتزلة إذا أريد للإسلام أن يتخلص من طابعه الأصولي ويدخل التفكير الإسلامي مرحلة التنوير.
« ضمّن المؤدب أفكاره في مؤلفات أشهرها ما سماه « مرض الإسلام » الذي يرى ضرورة تخليصه من « الميتافيزيقيات » الكبرى لحمايته من السقوط في التأويلات المتطرفة التي أرجع إليها أصل التخلف والتعصب والجمود »
وقد ضمّن عبد الوهاب المؤدب هذه الفكرة في مؤلفات أشهرها ما سماه « مرض الإسلام »، الذي يرى ضرورة تخليصه من « الميتافزيقيات » الكبرى لحمايته من السقوط في التأويلات المتطرفة التي أرجع إليها أصل التخلف والتعصب والجمود.
ويؤكد في أكثر من موضع على الأصول اليهودية للإسلام، حتى أنه صرح في أحد الحوارات قائلا « إنني أذكر كل مسلم بأن الإسلام هو وليد اليهودية، وبأن اليهود لا يمكن أن يكونوا أعداءنا لأنهم آباؤنا ».
وتشكل هذه الأفكار الصادمة -وبعضها رائج- مأزقًا معرفيا وعقديا عندما تأتي من مفكر كبير ومعروف مثله، مما دفع باحثا مغربيا مثل أحمد القديدي إلى اعتباره قد مرّ في مشروعه من لحظة التنوير إلى لحظة التدمير واعتبره يغازل بتصريحاته حول الإسلام اليمين المتطرف في الغرب، وقد وصل به الأمر إلى التشكيك في علمية خطابه.
الثورة التونسية
لم يقف عبد الوهاب المؤدب صامتا أمام الانتفاضات العربية، وخاصة التونسية، واجترح لنفسه تلك المشروعية بصفته تونسيًا مقارنة بنظيره المغربي الطاهر بن جلون ومن حقه محاولة فهم ما جرى في تونس وتفكيكه وتحليله، ولم يتسرع مثل بن جلون الذي كتب كتابه عن البوعزيزي في الشهر الأول من الثورة التونسية.
وظل المؤدب يتابع هذا الحراك الشعبي قبل الكتابة، وتوصل في كتابه إلى أن « شعب الإسلام » أثبت أنه قادر على الثورة وقلب الأنظمة « الشمولية » مثله مثل بقية الشعوب الأخرى اليهودية والمسيحية، ولكنه يستدرك فيوضح أن هذا الشعب التونسي لم يطح بالديكتاتور بخلفية إسلامية، بل بمكتسبات هذا الشعب من الثقافات الأخرى.
رحل عبد الوهاب المؤدب وترك أسئلته معلقة، كما رحل من قبله فرسان التنوير المعاصر مثل محمد أركون ونصر حامد أبو زيد ومحمد عابد الجابري، ليبقى السؤال الأكثر حرجا هو: هل ما زال المشهد الثقافي العربي اليوم قادرا -براهنه المأزوم- على إنتاج عقول جريئة بذلك المستوى؟
المصدر : الجزيرة

http://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2014/11/9/عبد-الوهاب-المؤدب-سؤال-التنوير-المثير-للجدل

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

رواية “الغوريلا” لكمال الرياحي الصعود إلى الهاوية أو ملحمة المهمّشين بقلم: شوقي العنيزي

بين الصمت المطبق وصرخة الفزع التي تخرج من رحمه، وبين جرأة الصعود ودويّ السقوط، مسافةٌ لIMG_5108ا تعْمُرها غيرُ الوحشة واليُتم والتهميش قطعها “صالح” ومن ورائه كمال الرياحي في روايته الجديدة “الغوريلا” الصادرة مؤخّرا عن دار الساقي ببيروت. قطعاها ولم تنته بهما إلى محطّة، وإن كانت محطتُها المـُعلَنة مقتل “صالح” الشخصيّة المحوريّة بعد سقوطه من أعلى ساعة السابع من نوفمبر، واندلاع المظاهرات التي أفضت إلى انهيار النظام.

الرواية مشروع لكتابة الثورة. ولكنّها لا تتورّط- بوصفها مشروعا- في نقل أحداث الثورة أو محاكاتها محاكاة آليّة باهتة مثلما هو شأن أغلب الروايات التونسيّة التي كُتبت بقدرة قادر وصدرت بعد الرابع عشر من جانفي ودماء الشهداء لم تجفّ بعد، حتّى خلنا أصحابَها من أهل الكرامات والنبوءات. بل هي محاولة للحفر عميقا في بنية مجتمع تآكلَ من الاستبداد والقهر والتهميش وفضحِ نظامٍ جعلَ التجهيل مقصدا والقمع أداةً والفرحَ زيفًا لا وجود له خارج شاشات التلفاز أو ملاعب كرة القدم. وكلّ شيء بالساعة معقودٌ. فهي في التاريخ رمز الانقلاب الذي نفذّه بن علي على الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، وفي تشييدها بدلا من تمثاله الذي كان منتصبا هناك إبدالٌ لذاكرة بأخرى. وهي في الرواية جسرُ عبور من مرحلة إلى غيرها، من مرحلة كان تسلّق الساعة فيها مقرونا بالفرحة العمياء، وكان حدث السقوط من عليائها قادحا للقمع والتخويف “لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الساعة منذ سنتين بعدما سقط منها أحد مشجّعي كرة القدم فرحا بفوز فريقه بكأس الجمهورية.” إلى مرحلةِ كسرِ حاجز الخوف والتلاعب برمز النظام في إشارة إلى تصدّعه. وبذلك يغدو السقوط وسط النافورة المحيطة بالساعة أشبهَ بطقس العبور. “يسقط أحد الضحايا في النافورة التي تحيط بالساعة، يتلوّن ماؤها بسرعة وتتحوّل المياه الراكدة إلى دماء ساخنة. نحاول إخراجه، تنهال علينا العصي والرصاص فتلتحق بالنافورة جثثٌ أخرى”.
تنطلق أحداث الرواية في إهاب من السكون يلفّ قلب العاصمة التونسيّة، ولا يجرحه غير كائن صغير بحجم الإصبع تسلّل في غفلة من الجميع ليتسلّق بسرعة الساعة المنتصبة في قلب المكان. “عند الساعة الواحدة بعد الظهر تقريبا. كانت الريح تدحرج علبة جعة منهوبة الروح في الشارع المقفر. سكون كبير يصل قوس بَابْ بْحَرْ ببرج الساعة العملاقة عند تقاطع شارع محمد الخامس وشارع الحبيب بورڤيبة (…)كان الناس ينعمون بقيلولة شهر أغسطس المقدّسة. الحرارة تعدّت الخمسين درجة وشيطان منتصف النّهار يفلي عانته من بقايا لذّة هاربة. فجأة ذبحت أصوات سيارات الإسعاف والشرطة القيلولة النائمة فهرع الجميع ببقايا نعاسهم أو ما تيبّس عليهم من منيّهم إلى شارع الشوارع. كان الحدث هناك، عند الساعة الشاهقة. أحزمة من الشرطة تسيّج المكان. رجال”التدخّل السّريع“يختفون وراء خوذاتهم الباردة، يدفعون بعصيّهم المتفرّجين الذين هطلت بهم أبواق السيارات من كل مكان. بشرٌ بلا عدد يرفعون رؤوسهم إلى قمة السّاعة القاسية. كائن صغير بحجم الإصبع، يتراءى للجميع من بعيد، يتسلّق بسرعة الصرصور الساعة أمام دهشتهم ليعلن القيامة.”

تنفتح الرواية بهذا المقطع معلنة منذ البدء عن الحدث الرئيسيّ وما أثاره من تحوّل حاسم في حالة الشخصيّات والسكون الذي كان يسود المكان. تحوّل يُطالعنا للوهلة الأولى موغلا في الغرابة والغلوّ إذا قارنّاه بطبيعة الفعل الذي أنتجه “تسلّق ساعة”. ولكنّ هذه الغرابة سرعان ما تحتجب حين يتعلّق الأمر بساعة السابع من نوفمبر وما تكتسبه من رمزيّة في علاقة بالنظام حتّى غدت وثيقة الصلة بالمحظور وغدا انتهاك فضائها انتهاكا لأحد المقدّسات رغم الحراسة المشدّدة عليها فـ“الصّعود إلى أعلى الساعة جرم كبير ومعصية لا تُغتفر وما حدث يومها مسألة تمسّ الأمن، والشرطة في مأزق. كيف يمكن أن تسيطر على الأمر والفضيحة تحدثُ أمام الجميع: أهالي وأجانب والبلاد في عزّ الموسم السياحي؟
يكاد الضابط يأكل وجه شرطي مهزوم وهو يسأله للمرة الألف:”كيف وصل ولد القحبة إلى هناك؟ أين كنتم يا بهايم؟ كيف تركتموه يقترب من السّاعة ويتسلّقها أيضا؟“
وفيما كنّا ننتظر بقيّة الأحداث وقد بدأت السخرية تسري في النصّ وتتولّد من صلب المفارقات التي يطفح بها هذا المشهد بين طبيعة الفعل وأبعاده وبين حجم الشخصيّة أعلى الساعة وحجم الحشود تحتها بل ومن دقّة وصف جهاز أمنيّ يحاول أن يستر عورتَه بعد أن عبث بغروره هذا الكائن الصغير، يقطع علينا الراوي هذه الضجّة ويترك بطله معلّقا، ولم ير منه شيئا”كائن صغير بحجم الإصبع“، ويعود بنا إلى ماضي هذه الشخصيّة ويصحبنا معه في رحلة للتعرّف إلى مسارها عبر سلسلة من الرواة هو إحدى حلقاتها في متاهة سرديّة أقرب إلى لعبة”البيزل“ففي كلّ مرّة يقدّم لنا جزءا من الشخصيّة ومرحلة من حياتها دون ترتيب تاركا لنا مهمّة تركيبها من جديد، فإذا نحن قبالة”صالح“الطفل في إحدى ديار الأيتام واللقطاء الذين اصطلح على تسميتهم بـ”أطفال بورقيبة“دلالةً على احتضان الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة لهذه الفئة المهمّشة في المجتمع التونسيّ.” قبل ثلاثين عاما كانت دار الأطفال قبلة الأزواج الذين فقدوا الأمل في الإنجاب. يذهبون إلى هناك ليختاروا ما يناسبهم من اللقطاء أو الأيتام. مثل محل للروبافيكيا(بيع الملابس المستعملة-التحرير) يُعرض الأطفال من الدرجة الثانية يوم الأحد فيتطايرون إلى فوق بين أيادي الزائرين. كان هو كالمعطف الأسود الخشن في فصل الصيف ما من زبون يريده، يُركل أو يُحشر في زاوية أو يُلفّ كوسادة“ولكنّ محنة”صالح“لا تقف عند حدّ الجهل بالأبوين أو قضاء الطفولة الأولى في ملجإ أيتام، وإنّما تتجاوزه إلى لعنة اللّون، ولعنة التسمية. أمّا لعنة اللون فتتمثّل في سواد البشرة لذلك كان خلافا لأقرانه موضع صدّ من قبل الجميع ولم يقع تبنّيه إلاّ حين انعدم الاختيار في وجه”ساسية“وزوجها”عيّاد“وقد قدما من إحدى القرى النائية. وأمّا التسمية فلم تعد مصدر فخر لارتباطها باسم الزعيم بورقيبة وإنّما صارت مولّدا لجملة من المترادفات النابية ولعنة تلاحقه بين أترابه فـ”عندما عيّره أطفال القرية لأوّل مرة بأنّه من “أطفال بورڤيبة” ابتسم ابتسامة عريضة مثل ابتسامة بورڤيبة تماما وكأنه يؤكّد النسب. لكنّه لم يبتسم بعدها أبدا عندما انهالت عليه مترادفات العبارة:كبّول، ولد حرام، ملقوط، batard، فرخ. رأى ساعتها أسنان بورقيبة مثل قواطع وحش يتقدّم نحوه ليكسّر عظامه“. إنّ هذه السمات التي أضفاها كمال الرياحي على شخصيّته المحوريّة وهو يتفنّن في نحتها هي التي جعلتها شخصيّةً مأزومة، قلقة، كافرةً بكلّ الأعراف والنواميس وقد تجلّى أوّل مظهر من مظاهر تمرّدها في إطلاقها الرصاص على قبر الزعيم بورقيبة وكأنّها تحاول أن تتنصّل بذلك من ذاكرة موبوءة أو في البول على قبر الأب في إشارة رمزيّة إلى قتله. ليتحوّل من طفل بورقيبة إلى”الغوريلا“وهي التسمية التي أطلقت عليه لما يعتمل في دخائله من عنف.

ولئن كان الراوي في هذا الأثر الإبداعيّ راويا عليما فإنّه لم يحكم قبضته على السرد بل فسح المجال إلى عدد من الشخصيّات لتسرد جانبا من سيرة صالح أو”الغوريلا“وهو ما أسهم من الناحية السرديّة في تعدّد زوايا النظر وكشف جملة من العلاقات الاجتماعيّة المعقّدة مثل”الجطّ“تاجgorillaر المخدّرات وخرّيج السجون الإيطاليّة سابقا أين تعلّم”فنّ البطرنة“و قطع عضو أحد المساجين بسكّينه أو”حبيبة“عشيقة”الغوريلا“التي”اختطفها من بين أحضان الجط عارية وفرش لها معطفه. ولم يغتصبها رغم أن الأمر كان في يده وهي لا حول لها ولا قوّة“. أو شكيرا المثليّ الذي حاول التحرّش بصالح داخل قاعة السينما. ولعلّ الشخصيّة الأبرز من بين هذه الشخصيّات جميعا هي شخصيّة”علي كلاب“ضابط الأمن الذي تربطه بـ”الغوريلا“علاقة عداوة شخصيّة بعد أن رفض تقديم رشوة له ممّا يدرّه عليه عمله دون رخصة في حراسة موقف للسيّارات لذلك اعتبر علي كلاب”الذي روّع شطّار الجبل الأحمر وحي الزهور وروّض مجرمي الكبّارية وحي النّسيم والملاّسين“هذا السلوك تحدّيا لشخصه من قبل ”مجهول أسود“. ومنذ تلك اللحظة ستنعقد علاقة بين”علي كلاب“و”الغوريلا“لا محرّك لها سوى الحقد والكراهيّة ولا منطق يحكمها غير ثنائيّة الخفاء والتجلّي. ينمو حقد”علي كلاب“أو”عزرائيل كلاب“كما يحلو له أن يُنعت بعد حادثة موقف السيّارات فيكلّف سبعةً من المشبوهين ليقطعوا الطريق على”الغوريلا“ويشبعوه ضربا بالسلاسل والهراوات. بعدها يتمّ تنصيب”رشيد بوخا“بدلا من”الغوريلا“ولكنّ”بوخا“يُقتَل مطعونا في عرس أحد”البانديّة“من قِبل”رجل أسود غريب فرّ بعدها عبر سكة القطار“، فتعاظم حقد”علي كلاب“على”الغوريلا“ولم يتردّد في أن يزجّ باسمه”مع المطاردين من المتهمين في أحداث مدينة سليمان التي راح ضحيتها عدد غير قليل من الشرطة ومن الإسلاميين“. بعد ذلك يكشف القضاء أن لا علاقة لـ”الغوريلا“بهذه الأحداث، ويجمّد”علي كلاب“في رتبتِه ويُوبَّخ من مرؤوسيه، فيبلغ حقده الذروة. وحين سيقع إخبارُه بقصة الرجل الأسود المعتصم فوق الساعة، سيقطع إجازته في طبرقة ويطير بسيارته نحو العاصمة. وهو نفسُه الذي سيتفنّن في تعذيبه ويتسبّب في موتِه عبر الصعقات الكهربائيّة في محاولة لإنزاله من أعلى الساعة.

لقد سخّر كمال الرياحي كلّ العوامل ضدّ بطله وكأنّه يحاول أن يضيء في كلّ مرّة صورة الضحيّة فيه، وسدّ في وجهه كلَّ سُبل ِ الخلاص فكان نتاجَ تواطئات شتّى، قدر قذفه في هذا العالم بغير أبوين، ومجتمع لفظه لخطيئة لا يد له فيها، ومؤسسة أمنيّة في أكثر وجوهها تغوّلا حاصرتْه وطاردته أينما حلّ، فلم يعد أمامَه من خلاص إلاّ الذهاب في المحنة إلى أقصاها والمعاناة إلى ذُراها البعيدة. وليس من باب الصدفة أن تتصدّر هذه الرواية جملةُ توماس سانكارا”أجد نفسي مثل من يركب درّاجة هوائية ويتّجه نحو القمة وعلى جنبيه جرفان… ليس أمامه سوى أن يدوس على الدوّاستين وإلاّ فإنّه سيسقط“. ولئن كان”سانكارا“أو”تشي جيفارا إفريقيا“رمزَ المقاومة الإفريقيّة ووجهَها المضيء بعد تحرير بلادِه من الاستعمار الفرنسيّ وتغيير اسمها من”فولتا العليا“وهو الاسم الاستعماري القديم إلى”بوركينا فاسو“أو ما يمكن ترجمته بـ”بلد المستقيمين“فإنّ استدعاءَ خطابِه على عتبة هذا العمل الروائيّ له أكثر من دلالةٍ حين يتعلّق الأمر بتهافت كلّ الخيارات ما عدا خيار المقاومة، وكذلك كان شأن”صالح الغوريلا“عندما كفر بكلّ الضوابط والأغلال وتسلّق قمّة الساعةِ التي ترمز للنظام ولم يعد بإمكانه النزول. وهل من باب الصدفة أن يكون التصدير الثاني لـجان جينيه من كتابه يوميّات لصّ”كلّما كبر ذنبي في عيونكم.. صارت حريتي أكبر..!“فكلّما ازداد حصاره، صار أكثر تنصُّلا من المؤسّسة على اختلاف أشكالها، وخرج من المتماثل والمتشابه إلى الفريد. ولعلّ ما يلفت الانتباه ههنا هو تقاطع سيرة”صالح الغوريلا“في بعض تفاصيلِها مع سيرة جان جينه؟ فكلاهما نشأ في مؤسّسة اللقطاء، وكلاهُما قضّى حياتَه محاصرا، ناقما على كلّ السلط، فارّا من مكان إلى آخر. ولكنّ الأوّل وجدَ جون بول سارتر ليكتُب عنه كتابا كاملا في 690 صفحة بعنوان”ممثلا وشهيدا“ويتدخّل لدى رئيس الجمهوريّة للإفراج عنه بعد أن حكم عليه بالسجن مدى الحياة. ولم يجد الثاني غيرَ كمال الرياحي يرفعُه دليلَ إدانة في وجه سياسة القهر والتهميش. وإذا كان جينيه أقرب إلى المثقّف الوجوديّ على حدّ عبارة سارتر منه إلى”الغوريلا“، فقد جاء التصدير الثالثُ مباشرًا فظّا ألصقَ بالشخصيّة المحوريّة من التصديريْن السابقين.”آنا الحاكِمْ ما نِسْتَعْرَفِشْ بيهْ“. بهذه العبارة الموجزة باللهجة التونسيّة لعلي شورّب أحد أكبر النماذج clochard في تاريخ تونس وذاكرتها الشعبيّة يضع الكاتب شخصيّتَه وجها لوجه أمام النظام. ولئن كانت عبارة”الحاكِمْ“في معناها التونسيّ المتداول تعني رجلَ الأمن فإنّ العربيّة توسّع من دلالتِها لتشمَل كلَّ أشكال الحكم والتسلّط بما في ذلك المجتمع والعادات والقيم لا المؤسّسة الأمنيّة فقط، أمّا العبارة الثانية”ما نِسْتَعْرَفِشْ بيهْ“أي”لا أعترف به“فقد وردت لتُحدّد طبيعة العلاقة التي تربط المتكلّم بالمؤسّسة وهي علاقة قوامُها النُكران إذ تخلع الذات عن هذه المؤسّسة كلّ شرعيّة وتعصف بوجودها نفسه. ولقد كانت هذه العلاقةُ في ما يخصّ”الغوريلا“معقودةً من الجانبيْنِ معا، فمثلما لفظتهُ المؤسّسة سيلفُظها، ومثلما رفضت اندماجه فيها سيرفض الانصياع لقوانينها. رفضٌ برفض ونكرانٌ بنكران وذلك منطق الأشياء.
توماس سانكارا، جان جينيه، علي شورّب، أصواتٌ ثلاثة فرّق بينها المكان (إفريقيا/أوروبا/تونس) والمجال (الدولة/الثقافة/الشارع) ولكنّها اجتمعت تحت راية واحدة هي راية التمرّد. الأوّل رمز الدولة تمرّد على الاستعمار الفرنسيّ المباشر وحين صار رئيسا لبلاده وسّع من تمرّده ليُناهض الإمبرياليّة العالميّة، والثاني رمزُ الثقافة الحرّة تمرّد على الثقافة الطوباويّة الراقية لأنّ الثقافة عنده فعلُ وجود واكتواء بنار التجربة. وتمرّد الثالث على صورة المجتمع للرجل المثال فغدا أنموذجَ الفقراء والمهمّشين في الأحياء الشعبيّة، على منوالِه ينسجون وحولَه يسردون الحكايات والأساطير. أصواتٌ ثلاثةٌ التقت عند عتبة الرواية فأضاءت جانبا من شخصيّة”الغوريلا“دون أن تكون مثالا لها، وتداخلت بها دون أن تطابقها. فليس للبطل وعيُ مناهضة الإمبرياليّة لدى سانكارا، ولا الوعي الوجوديّ لدى جينيه، ولم يكن يصدر في سلوكه العنيف عن رغبةٍ في أن يكون مثالا أو للفت الأنظار إليه مثلما هو شأن علي شورّب في مرحلة من حياتِه.

أصواتٌ ثلاثةٌ ينضاف إليها صوت كمال الرياحي حين ألغى في غمرة القصّ المسافة التي تفصله عن شخصيّته المحوريّة فأسبغ عليها من روحِه وكساها بعضَ ثقافتِه. ويبدو تدخّل الكاتب واضحا من خلال الوظيفة الميتاروائيّة إذ تنكفئ الكتابة السرديّة على ذاتِها وتصبح موضوعا لتقنيّاتها من خلال الإعلان عن تغيير الراوي”هناك في الأعلى لا يعرف ما يدور بعقل الغوريلا غيري. الراوي السابق ليس سوى بصّاص قديم لا يمكنه أن يخترق قلب الغوريلا وعقله، والرواة الآخرون مجرّد علامات طريق تاهت وتوّهت الراكبين“. وفي الوقت الذي انتظرنا فيه الراوي الجديد ليَنقُلَ لنا ما يجيش في باطن”الغوريلا“من أفكار راوغنا فنقلَ لنا بعضَها وقفزَ لينقل لنا ما يجيش في خاطر سيّدِه السيّد كمال الرياحي وهو معلّق في مغارتِه المظلمة في رأس الkamelghourilla1.jpgجبل التي يرى من فوقها القرية صاغرةً أو في بيتِه في الطابق الثالث من منزله في إحدى عمارات المنزه. وإن أُسندت هذه الأفكار إلى”الغوريلا“فذلك من أحابيل السرد ومكائده. فمن أين لـ”الغوريلا“وهو معلّق في أعلى الساعة يفكّر في الانتحار أن يُعجَب بالمعنى المضيء لموت الروائي الأمريكي إرنست همنغواي؟ وهل له القدرة على استكناه البعد الرمزيّ لدى عَلَمٍ من أكبر أعلام الفلسفة الكلبيّة عند الإغريق؟” يذكر برميل“ديوجين” كم فكّر في أن يعتصم احتجاجا على وجوده القسري في هذا العالم في برميل من الأحزان أمام ذاكرته وينتظر الإسكندر الأكبر ليسأله عن الشمس التي أكلها أو ربما وضعها في جيبه ورحل. وكم من الأرواح والأحلام التي وضعها في جيبه ورحل!“إنّ الذي يتذكّر هنا هو الكاتب لا الشخصيّة رغم إشارة الرياحي، على وعيه الحاد بالنسيج السرديّ وتفنّنه في اتّباع”الغرزة“حسب التعبير التونسيّ الدارج، إلى شغفِ بطلِه بالكتب حتّى يكون استحضار بعض معارفه طبيعيّا دون إسقاط. إذ جعل السجن بالنسبة إلى”الغوريلا“فضاء للقصّ وسرد الحكايات للحدّ من سطوة الإحساس بالزمان، وكانت الإصلاحيّة قبله في ظلّ غياب المدرسة فضاءً لإنماء الثقافة والتهام الكتب”كان بوخا في نظره سانكارا المغدور. الغوريلا يروي له حكايات مثيرة طوال الوقت. قال له إنّه أيام الإصلاحية كان يلتهم الكتب التهاما. كانت هناك مكتبة أجهز على كل ما فيها ثم بدأ يطلب من الحارس أن يبتاع له كتبا من نهج الدبّاغين مقابل بعض الدنانير“.

رغم هذه الإشارة الذكيّة التي تبرّر من الناحية الفنّـيّة ثقافة الشخصيّة المحوريّة وتُطلعنا على مصادرها فإنّ المبالغة في تشكيل وعي هذه الشخصيّة ببعض المسائل واستحضار معارفَ مخصوصةٍ في بعض المواضع تجعلنا نذهب إلى أنّ المفكّر في تلك اللحظات الدقيقة من الرواية هو الكاتب لا الشخصيّة خاصّةً في ما يتعلّق بحكاية الفيلسوف الكلبي”ديوجين“مع”الإسكندر“فهي حكاية رمزيّة allégorieأعلق بحكاية كمال الرياحي مع بن علي، من حكاية”الغوريلا“مع”علي كلاب“. لكنّ الشبَه الذي يجمع الكاتب بشخصيّته المحوريّة في ما يخصّ إحساسَها بالمحاصرة والتهميش هو الذي جعله حسب رأينا يضيف صوتَه إلى صوتِها وهي تعاني وحدَها أعلى الساعة.ولعلّه من المهمّ ها هنا أن نُذكّر بالسياق الذي نُشرت فيه المقاطع الأولى من هذه الرواية لأنّها كفيلة في اعتقادنا بإضاءة جوانب عديدة منها. ولا يعني ذلك طبعا أنّنا نساوي بين الكاتب والشخصيّة أو نعتبر الشخصيّة مرآةً عاكسة للكاتب، ولكن لقناعتنا بأنّ النصّ لا يُمكن أن يُختزل في بنية مغلقة على ذاتها حاملة لكلّ مراجعها في صُلبها، بل هو محكوم برؤية كاتبه وسياقات حافّة بهذه الرؤية. فبعد عشر سنوات من التجويع والمحاصرة قضّاها كمال الرياحي يبحث عن وظيفة في تونس رغم حصوله على شهادة الدراسات المعمّقة وخوضه تجربة استغرقت أكثر من ثلاث عشرَة سنةً في الصحافة الدوليّة. وبعد انسداد كلّ الآفاق في وجهه داخل بلاده بدأ الرياحي سنة 2009 في كتابة مجموعة من الرسائل إلى رئيس الجمهوريّة على شبكة التواصل الاجتماعي”فايسبوك“ذهب صوتُه فيها أدراج الرياح وتخلّت عباراتُه خلالها عن طابَعها الرسميّ من رسالة إلى أخرى لتأخذ منحى ساخرا انتهى إلى اقتناعِه بـ”أنّه رئيس جمهوريّة نفسِه“وقد تخلّلت هذه الرسائل على الشبكة ذاتِها مقاطع مطوّلة من رواية”الغوريلا“مذيّلة بعنوانها الفرعيّ”الكتاب السري لطفل بورقيبة الأخير“فيها إدانة صارخة للنظام. فليس من العجيب إذن أن يتداخل صوتُه بصوت شخصيّته المحوريّة، ولا من قبيل الاعتباط أن يسخّر عملَه للفئاتِ المهمّشة وفضح الواجهة المشرقة لنظام أنهكه استبداده وانقلب عليه حين تساوت الأضداد في نظر مواطنيه وصارت الحياة عندهم صنوا للموت. وبهذا المعنى اعتبرنا هذه الرواية مشروعا لنقل الثورة لأنّها سعت إلى نقل الغليان الذي يعتمل داخل الذوات في بلدٍ غدا معظمُ سُكّانه”أطفالَ بورقيبة“وصارت حدودُ الملجإ الدولةَ كلّها. ولأنّها سعت من الناحية الفنيّة إلى البحث عن شكل جماليّ يقول هذا الرعب دون أن يقعَ في فخاخ محاكاتِه. فكان الشكلُ أقرب إلى تقنية التقطيع السينمائيّ وهو ما خلخل المسار الخطيّ للسرد. وحضرت الشخصيّات بوصفها رموزا، فليس”علي كلاب“سوى رمز للمؤسّسة الأمنيّة التي استشرى فيها الفساد والعسف، وفي التسمية أكثر من دلالة. وليس”صالحْ الغوريلا“سوى رمز لمجتمعٍ جُرّد من معانيه وتصحّرت قيمُه فتحوّل من”صالح“إلى حيوان كاسر جريح”غوريلا“ولم يكن موتُه إلاّ موتا لمشاعر الرهبة والخوف من سلطة متجبّرة بعد أن عبث بغرورها على مرأى الجميع ومسمعِهم.”تتقدّم فجأة مجموعة من الجماهير نحو برج الساعة. نتقدم وراءها. نصرخ بلسان واحد“قتلة… قتلة”… تهجم الشرطة علينا بالهراوات والقنابل المسيّلة للدموع. نتقدم أكثر، نحاول تمزيق الغطاء البلاستيكي الأسود أين نفّذت الجريمة. تتهاطل علينا القنابل والعصي. تلتحق بالشرطة فرقٌ أخرى تهب من وزارة الداخلية القريبة، يطلقون النار في الهواء، يتساقط بعضُنا فوق بعض وهم يتوجهون نحو الساعة. يمزق آخرون الغطاء البلاستيكي فيمزّقهم الرصاص“. سقط”الغوريلا“ومعه سقطت كلّ أقنعة النظام. سقط ونهض الشعب. ولكنّه نهض وقد صار آخَرَ بعدما أصبح القتلُ فعلا يُمارَس في وضح النهار وعلى مرأى الجميع. ومن رحم حركة السقوط ستنشأ حركة التسلّق من جديد ويبلغ التراجيديّ منتهاه بالانتقال من تراجيديا الذات إلى تراجيديا الجماعة فيأخذ الصراع طابعا شموليّا” تحت برج الساعة تماما ظهر الغوريلا محترقا. جثة متفحّمة في بركة من الدماء الخاثرة. تحمله مجموعة من الجماهير على أكتافها وتتشكّل مظاهرة صاخبة تتجه نحو وزارة الداخلية بينما يستولي أحد المتظاهرين على عربة الحماية المدنية يرفع سلمها نحو رأس الساعة. يتسلقها متظاهر آخر يرمي بحبل حول رأس الساعة وينزل، تتحرك الشاحنة لتسقط رأس الساعة القبيحة. تتطاير عقاربها في كل مكان محدثة هلعا بين المتظاهرين.“إنّ البعد الرمزيّ في سقوط الساعة هو الذي سيحوّل خطاب الشهود من الإدانة”قتلة… قتلة…“إلى المطالبة بإسقاط أعلى هرم النظام”بدأت الأناشيد تتوحّد منادية بإسقاط الرئيس الدكتاتور. لم نعد نسمع سوى نغم ٍ واحدٍ يردّد بالفرنسية: Dégage Dégage Dégage Dégage“وعلى إيقاع هذا النغم ستنطلق مظاهرة بالآلاف في اتجاه شارع الحبيب بورقيبة تحت وابل الرصاص والغاز المسيل للدموع.

بهذا المشهد ينغلق المتن الروائيّ أو حكاية”الغوريلا“بعدما أشّر الكاتب على نهايتِها وتنفتح حكاية أخرى مدارها على شخصيّة الكاتب نفسه وهو ينقل لنا في شكل توثيقيّ أحداث الرابع عشر من جانفي. ولئن كانت وظيفة هذا الفصل الظاهرة متمثّلةً في العدول عن التخييل إلى التخييل الذاتي أسوةً بالمخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك في أعماله السينمائيّة إذ يجعل من حضوره فيها ضربا من التوقيع شأن توقيع الفنّان على لوحتِه فإنّ لهذا العدول حسب رأينا وظيفة أكثر تعقيدا تتمثّل في تداخل المرجعيّ بالتخييليّ وهي السمة التي تتخلّل العمل كلّه وتشدّه من طرفيْه. فالمشهد الذي انفتحت به الرواية مشهد واقعيّ شهدته العاصمة التونسيّة في صيف 2009 وتناقله الناس على شبكة التواصل الاجتماعيّ فايسبوك ويتمثّل في إقدام أحد الشبّان على تسلّق ساعة السابع من نوفمبر وتهديده بالانتحار قبل أن يتمّ إنزاله وإعلامنا عبر الإعلام الرسميّ بأنّه مختلّ عقليّ ليس في سلوكه أيّ تهديد للأمن القوميّ أو نجاحات النظام المبثوثة في كلّ مكان. ولكنّ الرياحي لم يدع هذه الشخصيّة تغرق في المجهول الذي يلفّها وجعلها شخصيّة محوريّة في عمله بنحت معالِمها وإعادة تشكيلها من جديد لما اكتسبه الفعل الذي أقدمت عليه من رمزيّة مثّلت في نظره مؤشّرا على تصدّع النظام. ولم تكن أغلب شخصيّات العمل بمعزل عن هذا الإجراء فـ”علي كلاب“على سبيل المثال رجل أمن من لحم ودم كان لسيرتِه دويّ هائل في إحدى قرى سليانة. ولكنّ الكاتبَ انتشله من عالمه ذاك وزجّ به في قلب العاصمة فجرّده من وجوده المباشر وكساه حلّة رمزيّة بتحويله إلى كائن ورقيّ يرمز إلى تجبّر السلطة ويفضح فسادَها، وشتّان بين الشخصيّتيْن والعالميْن معا. أمّا المشهد الأخير من هذا الأثر فليس سوى نقل حيّ لبعض تفاصيل الحياة في تونس بدءا من الرابع عشر من جانفي نشرها الكاتب في صحيفة نييورك تايمز الأمريكيّة لم يكتفِ بدقّة ما ينقله فيها وإنّما أحالنا على المقال نفسه وقد أشار إليه في حديثه مع زوجته للإعلاء من وظيفة النصّ المرجعيّة”http://www.nytimes.com/2011/01/19/o…“وبين البداية والنهاية لعبة ماكرة في تشكيل عالم الرواية وقلب المعطيات صار الواقعيّ بموجبها خياليّا بعد أن تمّ انتشاله من فضائه وإقحامه في فضاء جديد، وأصبح الخياليّ واقعيّا حين اخترقته جملة من الأحداث الحقيقيّة أو جاورته مثل مشهد سقوط الساعة، وما تزال منتصبة في مكانها إلى اليوم، يليه مشهد احتشاد الجماهير أمام وزارة الداخليّة مطالبةً بإسقاط النظام وقد نقلته كلّ الفضائيّات. ولئن زجّ أغلب الروائيين بأنفسهم في قلب أحداث الثورة في كتاباتهم وهم يحاكونها محاكاة آليّة، فقد طرد الكاتب نفسه من قلب الحدث وقد كان هناك قبالة وزارة الداخليّة مع نخبة من الكتاب يردّدون ما يردّده بقيّة أفراد شعبهم وقد الْتحمت الأحلام والشعارات. إنّ التعالق بين الواقعيّ والخياليّ هو الذي أكسب هذه الرواية فرادتَها وأضفى عليها شعريّة عالية. ولكنّ قيمة الشعريّة ها هنا ليست في اللغة وإن تفنّن الكاتب في إجرائها إجراءً مخصوصا يلامس الشعر في كثير من المواضع، وتلوينها حسب المقام وتركيبة الشخصيّات. وإنّما تتحدّد قيمة الشعريّة في هذا الأثر من طاقتِه الإيحائيّة إذ أُفرغت الشخصيّات والأمكنة والأحداث من دلالتها المباشرة وصارت تعمل عمل الرموز، وغدت الرواية متكوّنة من طبقتيْن طبقة ظاهرة تشدّها إلى الواقع وتجعلها بالظرفيّ ألصق، وطبقة خفيّة تخلّصُها من أسر الواقع المباشر وتفتحها على مختلف القراءات. وهي من هذه الزاوية حكاية رمزيّة ممكنةٌ allégorie contingente ما كان لها لتتشكّل لولا تداخلُ الواقعيّ بالخياليّ. فحدثُ سقوط”الغوريلا“من أعلى الساعة متفحّما يضيء في الذاكرة حدث اشتعال البوعزي. فكلاهما من الفئات المهمّشة، والمطاردة في لقمة عيشها. سقط الأوّل وبعده سقط النظام، واشتعل الثاني فاشتعل بموته النظام. وسيرة”الغوريلا“تحيل إلى سيرة الكاتب في كثير من تفاصيلها فكلاهما مهووس بالتهام الكتب وسرد الحكايات، وقد ضاق كلاهما ذرعا بسياسة الإقصاء والتهميش وكلاهما معدوم النسب، الأوّل لقيط اجتماعيّ قذفته الأقدار في العالم بغير أبوين، والثاني”لقيط ثقافيّ“على حدّ عبارته في حوار أجرته له صحيفة عرابيا. وما كان لهذا التداخل لينشأ لو لم تكن الشخصيّات في الرواية أوعية التقطها الكاتب وأعاد شحنها فجعلها مفتوحة على كلّ الذوات.

إنّنا إزاء مشروع في الكتابة الروائيّة يعطف على ما يبدو مهملا من التفاصيل وعابرا من الأحداث ويعيد تشكيله دون أن يذوب في رحابه. كان مُنطلقه رواية”المشرط » حيث استدرج الكاتبُ إلى عالم السرد السفّاحَ الذي روّع النساءَ في مرحلة من حياة التونسيين بمشرطِه، وتفنّن في إعادة تشكيله. ولا نخال هذا العمل وإن اختلفت تقنيّاتُه إلاّ محطةً في هذا المشروع.

المصدر / موقع أوان

الرابط : http://alawan.org/article10726.html

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

كمال الرياحي : وفي تونس‮:‬ثورة الكتاب

Diapositive1

منذ أن انطلقت الثورة التونسية ونحن ندعو المثقفين والمبدعين إلي التخندق في اماكنهم وتثوير واقعهم والمساهمة من مواقعهم في دعمالانتفاضة الشعبية في الوقت الذي ارتحل فيه الكثير منهم إلي عالم السياسة عن سوء أو عن حسن نية‮. ‬إيمانا منا بألا ثورة تأتي لتعمق من الأمية وتعود بالشعوب إلي الفوضوية‮ ‬متخذة من الشرعية الثورية ذريعة للاعتداء علي الحريات وعلي الحقوق‮ ‬ثورة فاشلة وأكثر بؤسا من الديكتاتورية والدولة البوليسية وأكدنا أكثر من مرة في تونس وخارجها الثورة التونسية‮ ‬تحتاج الي ثورة ثقافية و أن من أهم الحقوق التي يتوجب الدفاع عنها هو الحق في القراءة والحق في التعلم‮. ‬
كانت البداية باطلاق‮ « ‬صالون ناس الديكامرون‮ » ‬،‮ ‬الصالون الثقافي الذي انطلق سنة2011‮ ‬كأحد أهم الأفكار والمبادرات الثقافية في تونس ما بعد‮ ‬14‮ ‬يناير والذي عمل علي تجميع عدد كبير من المبدعين والمثقفين الشباب في تونس في شتي الفنون متحركا في أنشطته من رؤية استراتيجية لتأسيس بديل ثقافي في البلد؛ صالون منفتح علي الآداب العالمية متابعا لما يجري في العالم متحفزا لما يحدث في تونس من انحرافات فكان سدا منيعا أمام تشويه المكتسبات الثقافية دافعا بها نحو مزيد من الرقي‮ ‬،‮ ‬من خلال عقد اللقاءات أسبوعيا حول الكتب والكتاب والتيمات والأفكار والتيارات الأدبية والفنية في العالم‮.‬
ومن هذا الصالون اجترحنا مختبرا للكتابة السردية بعد سنة تحت عنوان‮ » ‬نهج السرد »؛ مختبر يعني بتطوير الكفاءات والمهارات الأدبية للشباب المبدع في تونس لمزيد من الارتقاء بالمنتج الأدبي التونسي ليجد مكانة أكثر قوة في المشهد الأدبي العربي والعالمي‮. ‬ويستمر كل من‮ « ‬ناس الديكامرون‮ » ‬و »نهج السرد‮ » ‬في نحت هذا المشهد الجديد الذي كسب جمهورا ومريدين مؤكدين تلك الثورية الثقافية في تكريس سنة التداول علي إدارة الصالون مثلا فحولت إدارة الصالون الذي أسسته إلي باحث الفلسفة المرموق‮ ‬عدنان جدي مترجم جورج باتاي وجيل دولوز وصاحب المؤلفات الكثيرة في الفلسفة باللغة الفرنسية عن جيل دولوز وميرلوبونتي وفي حقل الفلسفة والجماليات‮.‬
تونس تقرأ
لم يكن ممكنا السكوت علي وضعية الكتاب بعد الثورة،‮ ‬فقد انشغل الشعب بالشأن السياسي اليومي مما دفع وزارة الثقافة إلي إلغاء معرض الكتاب في دورتين‮. ‬فأطلقنا مبادرة‮  » ‬تونس تقرأ‮ » ‬لنطلب من التونسيين الخروج للشوارع بكتبهم واحتلال الفضاءات العامة وتحويلها إلي مكتبات مفتوحة نصرة للكتاب في تاريخ معرض الكتاب الموؤود‮. ‬وكانت تلك أكبر تظاهرة ثقافية شعبية شهدتها تونس‮ ‬سلاحها الأساسي والوحيد؛ الكتاب،‮ ‬وقد وزعت وقتها أكثر من مائة كتاب من مكتبتي الشخصية علي الناس بالشارع الرئيس للعاصمة‮. ‬
تلك الرجة الثقافية التي تناولتها جل الوسائل الاعلام العالمية جعلت وزارة الثقافة تتدارك وتعلن عن موعد لمعرض الكتاب قبل الأوان وكان في‮ ‬الخريف عوض الربيع وانتشرت شرارة تلك التظاهرة في كل أرجاء تونس‮ ‬فنظمت كل محافظة تظاهرتها الخاصة‮ : ‬بنزرت تقرأ ـ سوسة تقرأ،‮ ‬قفصة تقرأ،‮ ‬نابل تقرأ‮.‬
الحلبة‮ ‬السردية
كنا نعلم أن معركة الكتاب وبقائه في ظل الهياج السياسي والاجتماعي معركة صعبة فدفعنا بمبادرة جديدة طريفة وهي‮ « ‬الحلبة السردية‮ » ‬فدعونا الكتاب والسراد تحديدا إلي الخروج من وراء مكاتبهم ودخول حلبة المنافسة والعودة بالأدب إلي اللعب‮ ‬،‮ ‬الأدب الذي بدا كأنه أمر ثانوي في ظل ذلك المناخ السياسي المحتقن،‮ ‬ونجحت التظاهرة في دورتها الأولي والثانية مما دفع بوزارة الثقافة إلي طلبها‮ ‬ضمن البرمجة الرسمية لمعرض تونس الدولي للكتاب حيث حققت نجاحا منقطع النظير‮ . ‬تظاهرة يخرج فيها الكتاب علي ركح أشبه بحلبة ملاكمة للتنافس بالكلمات عوض اللكمات‮. ‬وقد نظم هذه التظاهرة صالون ناس الديكامورن ونهج السرد‮.‬
زراعة مكتبة في الهامش
خلال هذه الأحداث في‮ ‬خلال تلك السنوات التي تلت الثورة والتي انطلق فيها الارهاب بعمليات كبيرة وأصبح شأنا يوميا في تونس كنت أدعي كما العادة في تونس وخارجها لأتحدث عن تجربتي الأدبية المتواضعة لأسمع دائما العبارات نفسها تقريبا‮: ‬كاتب المهمشين‮ ‬وكاتب الهامش‮. ‬وكنت أتساءل كل يوم ماذا قدمت لهؤلاء المهمشين فعلا‮ ‬غير سرقة حيواتهم؟ وقررت هذا العام أن أرد لهم بعض ما سرقته منهم،‮ ‬تدوين تلك الآلام والأحزان لم يكن يكفي لأرد لهم الجميل‮. ‬كانت عبارة ساراماجو تنقر رأسي دائما‮: » ‬هدفي عدم التخلي عن هؤلاء الناس الذين جاؤوا في الظلام‮ » ‬واطلقت مبادرة‮ » ‬العين الحمرا‮ » ‬،‮ ‬عين‮ ‬غاضبة علي الفقر والجهل والتمييز والارهاب ورفعت شعارا‮: » ‬ارفع الكتاب في وجه الجهل والارهاب‮ » ‬وبدأت المبادرة بالتبرع بمرابيح كتبي المتوفرة في تونس لاقتناء مواد مدرسية‮: ‬محفظات وأزياء مدرسية وكراسات وأقلام وكتب‮ ‬لإحدي المدارس الريفية وقد اخترت أن أبدأ بالمدرسة التي درست فيها في ريف محافظة سليانة إحدي أفقر المحافظات في تونس والتي لم تجن من الثورة‮ ‬غير اقتحامها من النظام تحت حكم النهضة واطلاق البارود علي سكانها عندما احتجو ا علي‮ ‬أوضاعهم فأصابوهم بالعمي والعور وأحرقوا أجسادهم‮.‬
استطعت بمعية قلة من الأصدقاء وكثير من قرائي تحقيق الحلم الأول وهو ادخال الفرحة علي الأطفال بهذه الهدايا وإجراء لقاء معهم وهو الأهم تحدثنا فيه عن الحلم‮. ‬لم نكن أطباء لنزرع القلوب كنا أدباء نزرع الأحلام،‮ ‬وقد قدمت للأطفال نماذج من المبدعين التونسيين الذين نجحوا وحققوا أحلامهم الكبيرة رغم أنهم انطلقوا من بيئة شبيهة ببيئتهم القاسية‮. ‬
التظاهرة شارك فيها عدد كبير من الكتاب والفنانين العرب والاجانب بشكل رمزي من خلال رفع كتابي المشرط علي وجوههم أو بلوحات استوحوها من تلك التظاهرة‮.‬
الرحلة لم تنته هنا بل قررنا أن نزرع شيئا أهم يكون مؤسسا وحاميا لتلك الآمال والأحلام التي زرعناها ولم نجد من شيئا أهم لنزرعه من‮ « ‬مكتبة‮ » ‬تحتوي علي ألف كتاب من قصص وروايات للأطفال،‮ ‬واتفقنا مع مدير المؤسسة والاطار التربوي علي تنفيذها خلال أشهر قليلة لتستمر مبادرة العين الحمرا والتبرع بكل عائدات كتبي بتونس ووعائدات كتابي الجديد‮ « ‬نصر حامد أبو زيد‮ : ‬التفكير في وجه التكفير‮ » ‬وهو‮ ‬كتاب حواري مع الراحل‮ ‬انهيناه قبل رحيله بشهر ودام أشهر‮.‬
تأتي هذه المبادرة‮ ‬ضمن محاولاتي المتكررة لتغيير صورة الكاتب عند الناس‮. ‬وتنزيله من عليائه ليخوض مع الناس مشاغلهم‮ ‬فعليا وليكون له دور فعلي أيضا في الحرب علي الارهاب من موقعه ككاتب‮. ‬فسلاحنا الوحيد هو الكتاب وحده أداة التنوير والرقي بالذائقة والفكر‮. ‬فحماية هؤلاء الأطفال من الخروج‮ ‬المبكر من التعليم‮ ‬وزراعة الأحلام الكبيرة في عقولهم يقي تونس كاملة من شر الجهل والأمية إحدي الأسباب الرئيسة للتغرير بالشباب والتحاقهم بالجماعات المسلحة الارهابية‮. ‬وبالقراءة والكتاب سنحمي هذه الانتفاضة من خطر الانزلاق من جديد نحو الديكتاتورية لأن الجهل أيضا أحد الطرق السالكة لها‮. ‬فكلما كان الشعب متنورا ومثقفا ومقبلا علي الفنون والآداب والفكر والفلسفة انحسر التطرف والتعصب‮. ‬وقد تجاوب معنا عدد محترم من المبدعين في خطوتنا الجديدة وسنحاول اشراك بعض دور النشر التونسية والعربية في تأثيث هذه المكتبة‮.‬
لذلك سنسعي إلي توسيع دائرة هذا النشاط ليكون مشروعا للتغيير يضطلع فيه المثقف بدوره الرئيس كمواطن من جهة بوجوده في الميدان وكمثقف من خلال آرائه وأفكاره ومبادراته الثقافية التي ستتحمي الإنسان والأرض‮ ‬والثورة‮.‬
هكذا فقط أفهم عبارة‮ ‬غرامشي‮ « ‬المثقف العضوي‮ ».‬
‮> ‬روائي تونسي من أعماله‮ « ‬المشرط‮ » ‬و »الغوريلا‮ ».‬
‮02/10/2014 02:03:14 م

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

الروائي التونسي كمال الرياحي في انتظار  » عشيقات النذل « 

Diapositive1IMG_2755

تونس -نجم الدين العكاري

يستعد الروائي التونسي وصائدالجوائز الأدبية كمال الرياحي لإصدار رواية جديدة ستحمل عنوان  » عشيقات النذل  »  ينتظر أن تكون جاهزة في الربيع المقبل

و قال الروائي التونسي كمال الرياحي انه أمضى مؤخراً  عقدَ روايته الجديدة والثالثة مع  دار الساقي  اللندنية/ اللبنانية؛ الدار التي تعاقد معها منذ 2011 وسبق ونشرت روايته الغوريلا وأعادت نشر روايته المشرط في طبعتها الثالثة.

الرواية الجديدة تحمل عنوان « عشيقات النذل »  ويتوقع الكاتب   أن تنشر  في شهر مارس 2015 لتكون حاضرة في معرض تونس الدولي للكتاب وبقية معارض الكتاب العربية والأجنبية.

وقد حرصت دار الساقي على توزيع رواياته السابقة في كل انحاء العالم مما دفع بالمترجمين إلى الشروع في ترجمتها إلى لغات عديدة، حيثُ ظهرت فصول ومقاطع ومقتطفات من أعماله الروائيّة والقصصية مترجمةً إلى الاسبانية والبولونية والفرنسية والانجليزية والعبرية والسويدية. كما وقدمها الكاتب بنفسه في ايطاليا وانجلترا وايرلندا وأمريكا ولبنان والامارات ومصر والجزائر. تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الأعمال سبقَ وتمّ تقديمها في سنوات سابقة على الركح في الجزائر وفرنسا.

رواية عشيقات النذل لكمال الرياحي هي رواية موغلة في التجريب على صعيد مخيالها الروائيّ، حيث تروي في حبكة بوليسية حياة حبلى بالتشوهات لجيل سقط في الحقد الآسود، عاكسة هشاشة المجتمع الطبقيّ الذي لا يمكن أن يتعايش إلا في منظومة صراع. وهي بهذا تتخطّى حدود الأدب المحليّ وترهّلات معانيه، بأناقة سرديّة متّخذة من أسلوب الكوميديا السوداء والمراوحة بين الفانتازيا والحقيقة وسائل رشيقة لتكتب أعماق النفس البشرية وتفتح كوى عن الأعشاش الصغيرة التي يتربى  فيها الشر، حيث تتمدد الجريمة قبل أن تنفجر الدماء في السطح.

عشيقات النذل هو نصّ يعطي للأنذال صوتًا ومعنىً فلسفيًا عميقًا ويثور على واقع المعطيات والأفكار المجتمعيّة الجاهزة.

تستعين الرواية في تشكيلها بكل الأشكال السردية من كتابة اوتوبيوغرقية ومسرحيّة إلى رسائل وأخبار صحفية وتداع حر وهلوسات ولا تتردد في استعمال كل المعاجم الممكنة متقلبة بين لغة الأديب ولغة السافل ولسان العشيق ولسان النذل.

رواية تختبر كل المعاجم داخل فضاء هجين أراد أن يؤسس لعلاقة هجينة فأصابته لعنة التنافر.

رواية الرياحي مغامرة سردية جديدة ونقطة تحوّل مفصليّة في عالمه الروائيّ،  قريبة من عوالم الرواية الأمريكة المعاصرة وتتقاطع في أجوائها مع جنون بوكوفسكي وايروسية هنري ميللر وأسلوب تيار الواقعية القذرة وفجاجة الجيل الغاضب ورهافة جيمس دروت. هي عودة الحساسيّة للواقعيّة القذرة في ردائها العربيّ.

تجدّد دار الساقي ثقتها في الرياحي مؤكدةً نجاح التجربة معه وكانت قد تعاقدت مع الكاتب التونسي بعد فوزه بجائزة بيروت 39 لأفضل 39 كاتبًا وفوزه بجائزة أفضل رواية في تونس سنة 2007 عن روايته المشرط التي تحقق مع الساقي نجاحًا كبيرًا بعد أن تصدرت قائمة أكثر الكتب مبيعًا في بعض الدول العربية ومنها البحرين

المصدربوابة افريقيا الاخبارية

http://www.afrigatenews.net/content/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A-%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AD%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B8%D8%A7%D8%B1-%D8%B9%D8%B4%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B0%D9%84

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

الروائي كمال الرياحي وجماعة العين الحمرا يؤسسون مكتبة للاطفال بالريف

973076_138596353005048_1554389589_nبعد توفير الحقائب والكراسات والميدعات والأدوات المدرسية الاخرى ذكر الروائي التونسي كمال الرياحي ان المشروع الثقافي الاجتماعي الثاني ضمن برنامج مبادرة العين الحمرا : ارفع الكتاب في وجه الجهل والإرهاب والتي اطلقها منذ اشهر سيكون بعث مكتبة لتلاميذ مدرسة بوجليدة من ولاية سليانة في الشمال الغربي التونسي مكتبة راقية جداً تليق بتلاميذ تونس القرن الواحد والعشرين توقد تبرع الروائي بكل مرابيح مئات النسخ من روايتيه المشرط والغوريلا وكتابه الجديد نصر حامد ابو زيد لهذا المشروع. لشراء الكتب او للتبرع لهذا المشروع الاتصال بكمال الرياحي او واحد من مجموعة العين الحمرا لترتيب الأمور. كمال الرياحي. المحمول : 0021698669515 بقية عناصر الفريق: شيراز بن مراد ، ابتسام القشوري ، وحيدة مقراني، نبيل درغوث، نبيل قديش، أريج ليمام، شوقي البرنوصي، أميمة القروي، محمود عبد البار، مروى … البرنامج : شراء رفوف لقاعة خاصة بالكتب وشراء طاولات وكراسي لقاعة للمراجعة والمطالعة

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

כמאל ריאחי רודף העכוזים (על חייה ויגוניה של ח’דיג’ה)

المشرط

כמאל ריאחי

רודף העכוזים

(על חייה ויגוניה של ח’דיג’ה)

« במחציתו הראשונה כוכבים
ובמחציתו השנייה זונות ועצים ערומים
הרחוב ההוא שהתקפל בתוך עצמו כחבל בוץ »
(מוחמד אלמאע’וט)

« כל דבר בעולם רווי פשיעה: העיתון, הקיר ופני האדם »
(שארל בודלר)

« אל תשכח… ללכת בעקבות הייעוד שלך »
(פאולו קואלו)

אלחקיקה
גיליון 2006

הואיל והפרשה הפכה לפרשה ציבורית, והואיל והחוגים המוסמכים נכשלו בתהליך החיפוש אחר הפושע והנעדרים, החלטנו לחשוף את המידע שנמצא ברשותנו, שאולי יסיר את הלוט מעל חלק מהדברים המעורפלים, ויספק תשובות לחלק משאלות הקוראים, הגם שהאיש המעוניין בפרשה, הוטלה עליו האחריות לעקוב אחר התפתחויות הפרשה ולראיין מומחים לפענוח פשעים. אולם עקב עזיבתו הפתאומית, הוטלה עלינו האחריות לחקור פרשה זו בדרכנו שלנו.

עבר מפֶּה לפה שהוא סייר ברחובות העיר לאחר שעזב את המשרד שלנו אז, כשקרה מה שקרה. אנשים לא ראו אותו מאז, וחשבו שקרוב לוודאי שהוא נמנה עם הנעדרים באותו לילה, ואין ספק שנלכד בתוך נחל אחד. כשלא איתרו את חברו השחום המוזר, עלום השם, החליטו מכרים שאהבוהו לפרוץ אל תוך הדירה שהייתה ממוקמת במרכז עיר הבירה, הדירה שנהג לפקוד לעתים תכופות במהלך החודשים האחרונים. כששברו את דלת העץ ופרצו לחדר שנתאבק, לא מצאו כלום זולת חבילה של עטי גלובוס, פתיתי לחם שהִתעבּשו ושתי מחברות עם שני כתבי-יד שונים שלא הצליחו לזהות מי מביניהם הוא כתב-ידו שלו. לכן, החלטנו לפרסם את תוכנן של שתי המחברות, ולהזכיר את הנוסח המוכר: « החומרים הנכללים כאן מביעים את דעתם האישית של כותביהם, ואינם משקפים בהכרח את דעת עיתון זה ».

1
על אודות החרובית המבורכת שהשתכנה בה הדוכיפת

נהגתי להתבונן בה בלילות המוארים באור הירח של הקיץ, העולה מאחורי חצר הבית. היא הייתה חרובית שחורה, עצומה ואדירה, כמו אלים. אבי, כהרגלו, היה אומר שהיא חוסה על בית זה מפני חורבן… באותו היום, הוא הוסיף להיות מר נפש, וקמט חדש עלה במצחו המקומט בעודו חוזר על תפילתו, « רחם נא עלינו וכפר לנו, אלוהינו, וחמול נא עלי ועל בנַי המסכנים בחמלתך, ואל נא תעניש אותנו על רוע מעללי הפתיים… אל מלא רחמים, יהמו נא רחמיך עלינו! »
– אל תירא! אמנו סלחנית ורחמנית (אמרה אמי).
– אבל מה שאירע נורא ואיום.
– אולי הוא יפקיר אותה ויעזוב.
– סבורני שלא. הוא קינן בתוכה, והפיץ את סרחונו.
– סרחונו זה הוא שמדאיג אותי.
– מה דעתך אם נשרוף אותו?
– פירוש הדבר שנשרוף אותה יחד איתו! היא לא תסלח למעשה ידינו.
– סבורני שלא יעזוב, עיקש כמו פרד הוא.
– ראשו עטור בכתר כמו כתר המלכים.
– …
– הבט בו, למרות זאת הוא רב-חן. סרחונו זה, אי-אפשר לעמוד בפניו!!!
– …

***
אמי, כהרגלה, מרחה את החרובית העצומה בחִינָה, בעודה ממלמלת דברים חסרי פשר… כאילו שהיו טליסמאות… זה שנים היא קוראת לה « אמנו הגדולה. »לעגתי לה ולמחשבותיה, והיא נזפה בי ואיימיה עלי בדבריה, « אני עוד אמרח את עיניך בפלפל אדום חריף אם תחזור על פטפוטיך אלה, יא בן… »
פעמים רבות התייחדתי עם נפשי ותהיתי ביני לבין עצמי: האומנם מוצא משפחתי מעץ ענק זה? איכה הביאה אותנו לעולם? האם נשאה אותנו בבטנה במשך תשעה חודשים כפי שנשאה אמי ברחמה את אחי הקטן?!
היא הופיעה לי בחלום…
אבי לא נלאה מלספר את חלומותיו וחזיונותיו.
« היא הייתה נערה רבת-חן, עוטה בגדי משי, ראשה עטוף במטפחת ירוקה, העניקה לי מנורה מבהיקה, ואמרה: ‘ינעם לך, סוף סוף יש ישועה…' »
ימים נהגתי לשבת בחברתה של החרובית, ולקרוא לה סבתא. עד שיום אחד התאוותה נפשי לאכול פרי שלה שנמצא לו במרומי העץ. השלכתי לעברו אבנים כדי שייפול על הארץ, אבל האבנים שהשלכתי לא מצאו את דרכן אל הפרי. אז פתחתי את רוכסן המכנסיים והשתנתי על גזעה של החרובית… בעודי סוגר את הרוכסן, הוא נתקע בעטרה, וגרם לי כאבים איומים. לאחר שביליתי שעות ביידוי אבנים, שבתי הביתה בידיים ריקות ועיניים דומעות.

***

בלילה חורפי אחד, ישבנו כולנו בבית, וצותתנו לקול הגשם, כשהרוח שרקה וייללה כאילו הגיעה ממעמקי השאול. בעודי משתעשע וצופה בנחש שקינן בעליית הגג של הבית, והתקפל בין הענפים, והוסיף לצפות בנו, אימה נפלה עלי, אבאאאאאאא… הנחש!
– הנח לו. ברכת הבית הוא. מגונן עלינו מפני אסונות…
– אבל מראהו השתנה!
– אמרתי לך לשתוק, אל תפחיד אותו! הנחש אינו מזיק לאנשים למעֵט זה שמזיק לו. הנחש שלנו מבוית, וחולק איתנו את ביתנו עוד לפני שנולדת.
באותו יום, תהיתי לעצמי, למה לנו להסכים לחיות כך?! איזו זכות יש לו לזר חצוף זה לחלוק איתנו את ביתנו?!

הוא נהג להסתובב בין עמודי התמיכה של עליית הגג כאילו היה בעל הבית, ואילו אנחנו האורחים המאוסים… ובלשונו הארסית היה מלטף את כף התמרים היבשה, ומחקה את שריקת הרוח מרעידת הלבבות.
באותו לילה, בעקבות מכת הברק, נשמע הנחש בנופלו ארצה. וַיקום אבי ממקומו, ביגון רב, וַיפתח את הדלת בדומייה מוחלטת וַיפקד עלינו לצאת החוצה, וַיישאר הנחש בתוך הבית, ואילו אנחנו בילינו את הלילה שלנו באורווה, חולמים על חום הבית שהיה לנו פעם…
למחרת בבוקר, שאל אותנו אבא: מה עושים?
– שום דבר אינו משתנה.
– מה כוונתך? שאלה אמי בתמיהה.
– ותרו לנחש על הבית… אין ספק כי ואלי צדיק הוא.
– איזה מין ואלי זה שמשתלט על ביתם של אביונים כמונו?
– עדיין יש לנו את האורווה… דַיֵך, אישה.
– ומה עם חפצינו ומזוננו?
– מהיום, אין אלו חפצינו ואין זה מזוננו. כל אשר נמצא בבית עובר אליו.
– אבל זה עוול!
– אל תחזרי על דברייך אלו עוד פעם… זהו רצונה של אמנו הגדולה. היא כבר ביקרה אותי בחלום…
– ארורה היא החרובית הזקנה הזאת שהחריבה את עולמנו, וארורים הם חלומותיך החשוכים.
– דַיֵך אישה, קללתה עוד תרדוף אותנו. היא אמנו הגדולה.
– איזו מין אמא זאת שמסלקת אותנו ממקום משכבנו כדי שנחש מטונף יעבור אליו… אני לא אעזוב את ביתי.
היא נטלה את מגרפה, ורצה לעבר הבית הכבוש… רציתי לספר לה על הענן שגרם לי סבל רב… אבל היא רצה וזָעקה זְעָקה גדולה בעוד אבי רץ אחריה בניסיון לעצור בעדה… אך הוא הגיע כשכבר התנפלה על הנחש השחור במגרפה…
צפיתי בהם מרחוק בזמן שהיו מתווכחים בצעקות בתוך הבית נוכח גופת הנחש… צפיתי בהם… אני נשבע לכם שהייתי שם צופה במתרחש כאשר התמוטטה החרובית על הבית. בית-החומר התמוטט על כל אשר היה בתוכו, וסופת אבק התחוללה ונעלמה במהרה כשהחרובית מוטלת על ערמות האבנים וענפי התקרה שקרסה.
כשאנשי הכפר הגיעו למקום… חיפשו את שתי הגופות אך כלום לא מצאו זולת דוכיפת אחת וגוזליה שהתפזרו לכל עֵבר ונחתו על עצי הזית, כשאחד המחלצים המוכשים נמצא ללא רוח חיים.
וייזָרע החורבן במקום. ותיערכנה הלוויות רבות של מוכּשים.

2
על אודות « טורף המוחות »

איש העופרת התנועע במקומו, השליך מידיו את הספר הכבד, חילץ את רגליו מבסיס הבטון, ישב לידי, פשט את הגלימה שלו והשליך אותה עלי. הוא נעץ מבטו במגדל השעון הניצב בסוף הרחוב, כאילו שמחוגיו עקצו את לבבותיהם של הנשכחים.. נדמה שהרחוב הראשי ננטש מוקדם מדי הערב. הדרך ממקום מושבנו לכיוון מגדל השעון שדמה ליום הדין, הייתה קרה. הידען החליק את זקנו ואמר, « הערב אני אספר לך את הסיפור שלי. זהו סיפור יותר מוזר ממה שקראת על אודותיי במסעותיי מזרחה ומערבה, ויותר מענג ממה שקראת ב « מוקַדִמַה » ובהיסטוריה אשר חיברתי, ויותר בדיוני ממה שסיפר סַעְד הדמשקאי במיניאטורות שלו, ומה שחיבר סאלם המרוקאי ברומן שלו העמוס בקורות חיי המסולפים. »
אבן ח’לדון שתק לרגע. נטל סיגריה מתוך קופסת הסיגריות שלי, הצית אותה, ינק ממנה שאיפה אחת, ונשף את העשן לעבר הדרך הריקה. הוא עקב אחר עננת העשן שהתנדפה בחשכת הלילה, והוסיף לדבר, « כעננה זו, תעיתי יום אחד בעבי הצפון, לאחר ש »נשבעתי בריבון הבית שבני שבט קורייש עלו לרגל אליו » לא לשהות יום נוסף ברחוב זה. קרעתי את המחברת ורצתי לעבר « תחנת ברצלונה ». התגנבתי ונכנסתי אל מרכבה אחת בעודי מתחבא בתוך הגלימה שלי. נכנסתי לבית-השימוש ונעלתי את עצמי שם לבל יחשפו אותי… עבר זמן רב לפני יציאת הרכבת אל היעד הנסתר. לא ידעתי לאן היא נוסעת, רציתי רק לעזוב את הרחוב, זאת הייתה דאגתי היחידה.
ביליתי הרבה שעות בעודי מאזין למלמול הנוסעים ולצחקוקיהם ולמריבותיהם. לפרקים אחד מהם היה דופק בכוח בדלת בית-השימוש. ולאחר שנואש מניסיונו לפתוח את הדלת היה מסתלק לו. הרכבת עברה במנהרה כשהפקח פתח את הדלת. אז הוא צעק מרוב בהלה והתעלף. הנוסעים חשו לעברנו, ובאותו רגע דחפתי את עצמי אל מחוץ לרכבת שהמהירות שלה כבר פחתה בהגיעה לאחד הפיתולים, ולא זכרתי כלום מלבד זה שהראש שלי התנגש בצדה של המנהרה החשוכה.
התעוררתי בבוקר, והנה מצאתי את עצמי בקרב אומה דוברת לשון ערבית מוזרה, אנשים בעלי ראשים ענקיים ומבנה גוף ענק, שעיר כצמר גמלים. כל איש ואיש מהם ענד באוזנו השמאלית עגיל מעץ. היו עטופים בגלימות אפורות מקוּוקוות, הולכים עם עכוזים שמתנועעים בצורה מוזרה [לאחר-מכן, נודע לי שהם חולים בעגבת], אוכלים עשבים, ואינם נוגעים בבשר כבשים מלבד יום אחד בשנה, אשר קוראים לו « חג אלע’ראפה ». הם טורפים בשר בקר ועופות. דגים וכל מיני פירות ים אין הם מכירים. המילה « בַּחְר » אצלם הנה מילת גנאי, וכבר שמעתי אחד מהם מקלל את יריבו באומרו « יא בחר ». וכששאלתי על משמעותה, אמרו לי שזוהי קללה שמשמעה « הומו ». אז שאלתי בתמיהה על הקשר בין השניים, והם אמרו: הים הוא אל ההומואים, ואבי האנדרוגינוסים, כי כל הזרים חודרים אליו, ואינו מביע התנגדות, בדומה להומו, שפשוטי העם ונכבדיו, בוגרים ומתבגרים, חודרים אל גופו.
אומנם לא השתכנעתי מההסברים הללו, אך חתמתי שפתיים כאילו הסתפקתי בהסבריהם, כי מנהגיהם ואמונותיהם מקודשים הם, ואינם מרשים לאדם זר לדון בהם. יום אחד רציתי לברר מה מסתתר מאחורי השם של אומה זו ששוכנת בארץ זו. לחשתי לאחד מהם:
– למה קוראים לכם « מנאפיח' »?
האיש נעץ בי מבט נוקב, פניו השחירו, והוא ענה בחמת-זעם:
– אם תחזור על שאלה זו, גורלך יהיה כגורלו של הזר ההוא – והצביע בידו לעבר מקום קרוב שבו צמחו עצים ענקיים בעלי גזעים חלקים, דלי עלים, שדמו לרוחות רפאים באותו ערב.
הסקרנות משכה אותי למקום ההוא, וכשהגעתי חשתי בריח צחנה, דומה לריח של פגר, העולה ממנו. עטיתי את אפי בשולי הגלימה שלי והתקדמתי בלכתי. והנה שרידים של גופת אדם תלויה באוויר כשהיא רתומה בחבלים אל שני עצים, קרביה שפוכים על האדמה, ועופות מוזרים מנקרים בהם, לא הצלחתי לזהות אף אחד מלבד העורבים, אלו היו בצבע לבן, ואלו היו בצבע אפור, ולאלו היו מקורים כמסורים. הם השמיעו קולות מחרידים בשעה שלעסו את קרביו של האיש המסכן.
באותם רגעים, נחת עוף אחד ענק הדומה לנשר אך אינו נשר, ראשו ענק כראש פרד או כראש חמור, עם שפתיים נפוחות. השתאיתי למראה עוף זה שאין דומה לו. יצור מוזר זה החל לתחוב את לשונו אל תוך ראשו של האיש התלוי כדי לטרוף את מוחו, וזאת לאחר שהעמיד את רגליו על כתפי הגוויה.
נמלטתי מרוב פחד.
כשהגעתי למדריך שהמתין לי מרחוק, הפחד אחז בי ועצמותי ריחפו וברכי היו כל-כך חלשות שלא יכולתי לעמוד. הוא אמר:
– אל תחרד, כי זהו גורלו של מי שחושף את סודותינו.
אמרתי, « לא זה מה שהחריד אותי. »
– מה, אם כן?
– העוף.
– איזה עוף?
– העוף דמוי הפרד.
– איזה מין יצור זה?
– הבה נזוז לבל נהפוך לטרף שלו הערב.
– לא ענית על שאלתי. מה זה היה? האם העוף הוא אחד מסודותיכם?
– אני עוד אספר לך על אודותיו כשנתקרב לכפר. זוז מהר.

****

כשהתרחקנו מהגוויה התלויה, האט האיש את צעדיו, פנה אלי כשהוא שטוף-זיעה ואמר:
– זהו טורף המוחות, אינו אוכל דבר מלבדם. הוא חיסל אלפים מילדינו. כל יום אנו מאתרים עשרות גופות עוללים, ערופות ראש. הוא אוהב לטרוף מוחות של ילדים, ייתכן מפני שהם טריים וטהורים. את סיפורו המפליא של טורף המוחות אולי מישהו אחר זולתי יספר לך.
בסעודת הצהריים הגישו לי צמחים ושורשי עצים ומינים שונים של בצל מצחין, מהם לא מבושלים, ומהם שלוקים בתוך מרק צהוב. טעמם לא ערב לחִכי, כאילו נשלקו במים ללא מלח. פניתי לאחד מהם ושאלתי אותו:
– אפשר קצת מלח?
האיש הביע את תדהמתו בתמיהה בהרמת גבה, אז ביקשתי מחדש:
– אני רוצה מלח!
– מה זה מלח? שאל האיש.
השתאיתי. אני נמצא בקרב אומה שאינה יודעת מלח מהו. הסתכלתי בבצל המצחין, נגסתי בו, והוא ערב לחִכי. נגסתי בו עד שובע והשקטתי את רעבי. לאחר הסעודה, הם הביאו קנקנים שחשבתי בתחילה שהם מיועדים לתה. הם שפכו נוזל לבן סמיך הדומה לחלב אל תוך כוסות עץ. שתיתי מהכוס עד שכרה.
אחד מהם סיפר לי שזה זמן רב נהגו לצוד גונונים אשר רבים מהם חיים בארץ זו. הגונונים הגיעו מארץ רחוקה על כנפי רוח חזקה, ועד היום הזה מתַארכים האנשים אירועים באומרם: זה אירע בשנת רוח הגונון, וזה היה בשנת הגונון.

השמעתם על הגונון?
אומרים שבעיר צנעא ישנה אומה של ערבים שעברו מוטציה, כל איש מהם הפך לחצי אדם שלו חצי ראש, חצי גוף, יד אחת, ורגל אחת. קוראים להם « וובאר », הם צאצאיו של בנו של רם בן סאם, אחיהם של עאד ות’אמוד, ונבובי-מוח. הם חיים ביערות ובארצות מיוערות על חוף האוקיינוס ההודי. הערבים קוראים להם « גונונים ». הם נוהגים לצוד ולאכול אותם. הם מדברים בלשון ערבית, מזדווגים, נושאים שמות ערביים, וחורזים שירה.
בספרים קלאסיים אחרים קראתי ש »בין פלאי הפלאים נמנה יצור שנקרא גונון. יצור זה דומה לחצי אדם בעל יד אחת ורגל אחת. מקפץ ורץ מהר. הוא השתכן בארץ תימן, וייתכן שגם בארצות נכר. הערבים נהגו לצוד ולאכול אותו. מספרים הם בסיפוריהם שפעם נדדו בארץ שופעת גונונים. יום אחד הם צדו גונון, שחטו אותו ובישלוהו. הגונון היה מלא בשר. ביושבם יחד לסעודה אמר אחד מהם: גונון זה בעל בשר. ויאמר גונון שהתחבא לו בתוך עץ לא הרחק ממקום מושבם: הוא נהג לאכול מהברושה, לכן הוא שמן. אז הם הבחינו בגונון, תפסו אותו ושחטוהו. ויאמר גונון אחר שהתחבא בתוך עץ אחר, « לו היה זה גונון חכם הוא היה שותק ולא מדבר, אז גם אותו תפסו ושחטו. »
« ויקרא להם גונון שלישי שהתחבא בסדקי האדמה ויאמר: היטבתי להתנהג, כי לא דיברתי, אז הם גם תפסו אותו, שחטוהו ואכלוהו. נאמר גם שהגונון ניזון מפירות וצמחים, וסובל מצימאון ».
ובארץ זו צומחים עצי האלה. ייתכן שזהו סוג העצים שבתוכם מסתתר הגונון. האלה היא עץ עצום בעל עלים קטנים ומרובים, נושא פרי קטן הדומה לאשכולות ענבים, לפרי זה קראו « קד’ום אלג’ן. »

וסיפרו לי על רועה אחד שהמיר בעסקת-חליפין חופן מהפרי המעורבב בכבש בעל-בשר אצל אחד הסוחרים. בדרכו חזרה למשפחתו, נגס הרועה נגיסה מהפרי עתיר הניחוח, והתעוררה בו תאוות מין. הוא ירד מעל פִּרדתו וחדר לתוכה, והמשיך במעשהו עד שמצאו האנשים את גוויתו בבוקר, בעודו מחזיק בפרדתו מאחור. אולם הדבר המוזר מכל בסיפור ששמעתי הוא שהפרדה הרתה ממנו לתשעה חודשים, וכשאחזו בה חבלי-הלידה, התקהלו כל תושבי המקום והמקומות הסמוכים. לאחר שעות של כאבים ונעירות מוזרות, המליטה הפרדה עולל מוזר – עם פני פרד ורגלי אדם, וצמחו לו ארבע כנפיים, והוא עף לעיני האנשים, ריחף בשמיים וזעק זעקת תינוק.
בשומעי סיפור זה, נזכרתי בפרדתי שגזל ממני תימורלנג בשאם. אינני זוכר עוד את שמו של הספר שקראתי בו לפני שנים וגם שם המחבר נשכח ממני, אודות « נמרוד, הרודן של תקופתו, שעשק ונהג בעריצות, עד כי הוא קרא תיגר על הישות האלוהית, וכשחפץ לשרוף את אברהם אבינו, קרא לבהמות וביקש מהן להביא לו עצי הסקה. כל הבהמות סירבו להיענות לבקשתו פן יענישן האל, זולת הפרדה שנענתה לבקשת נמרוד וסיפקה לו עצי הסקה. ובערה חמתו של אברהם אבינו ממעשה הפִּרדה וקילל אותה שלא תדע עוד את הנאות התשוקה הנשית, ותהפוך לעקרה שבחיות, ולא תזכה בכינוי או בייחוס, ותסחב עצים עד תום חייה. »

איש אחד מאנשי הכפר סיפר לי שראה את הפרדה המופלאה מניקה באפלה דבר-מה מוזר. וכשהתקרב אליה, הגביה הדבר הענק עוף. הגברים תפסו את גרזניהם וחרבותיהם ונהרו לעבר הפרדה שנשארה במקומה מאז שאחזו בה הצירים ברחבת הכפר. הרחבה שימשה לקיום טקסים דתיים – כך אמרו – הם גילו שהצמר שלה החל לנשור, ובמקומו צמחו נוצות מחוספסות. חששם גבר מכך שהפרדה הפכה לחיית פרא שתמיט עליהם כליון. הם הקיפו אותה בעצי הסקה יבשים, וענפי אלות ותבן, והציתו אש. והלהבה כילתה את הפרדה על צווחותיה.
לא עבר זמן רב ממקרה זה, ואנשי הכפר גילו את הקורבן הראשון של « טורף המוחות. »

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

“Un niño de Burguiba degüella su herencia”

Diapositive1    El Gorila sentía vértigo cuando recibía desde abajo una nueva ofensa de Ali Perros. La voraz desolación lo destrozaba. Se contuvo. Su mirada planeaba por las azoteas de la ciudad. A sus pies, las criaturas, cual público de un cantante célebre, Michael Jackson tal vez, en pie, para el espectáculo mudo. Pasó su vida entre la muchedumbre, masticando las calles. Mientras trepaba por las escaleras se hacía promesas mutuas con las sirvientas en las azoteas, y en los ascensores de madrugada. Pensó: Ni uno de esos ha probado a tirarse a una sirvienta de madrugada en un ascensor averiado. Algo enigmático le ocurría siempre con ella. Algo de mediocridad remojada en placer cuando el almuecín sorprendía su libido mientras él la iba sorbiendo despacio de la sirvienta pasada la media noche. Una voz  le dejaba estar seguro. Ahí estabas tú, como siempre recibiendo  tu día con veneración,  a cambio de hacértelo con una de ellas en secreto.    Yet no era lo suficientemente malvado para herirle, y el cinismo de Ali Perros no bastaba para perturbarlo. Lo que le ocurría era otra cosa. Un terremoto le zarandeaba las entrañas, sus capas más profundas. Sin previo aviso le zarandeó una sacudida hasta que el orinal del mundo con el pozo salado se erigieron delante de él, acorralado entre ambos con una piedra y los vítores de niños viejos; niños del polvo que provenían de la historia y se infiltraban en el corazón desde los resquicios de la memoria, desde los poros de la piel y las decrépitas mirillas. Desde las esquinas y las intenciones. Desgarrándose se veía a sí mismo. Una apariencia de serpiente errante sobre las polvorientas matas de artemisia.    De repente se acordó de Burguiba. Lo visitó por primera vez en sus sueños cuando aún estaba en la cárcel cumpliendo condena por acosar a una anciana. Después de aquello, empezó a verlo constantemente. Lo destapaba y lo dejaba a la intemperie conservando su sempiterna sonrisa. Se envolvía en la manta de El Gorila y se giraba desternillándose de risa mientras él permanecía desnudo.   Recordó aquella noche  cuando lo vio vestido con su gabán de seda. Avanzó hacia él y se sacó de la manga una naranja grande. El Gorila tenía un hambre atroz. Le dio un mordisco y el jugo corrió entre sus dedos. Notó como se le pegaban unos con otros. Intentó separarlos sin éxito. Lanzó la naranja convertida ya en una pelota negra. La mano de El Gorila se había transformado en un muñón de carne prieta y empezaba a hincharse. Sentía que le pesaba muchísimo, tanto que no era capaz de soportarla. Se le cayó al suelo. Quería levantarla, pero no podía. Empezó a gritar y los presos que tenía alrededor miraban su mano asombrados, mientras Burguiba se reía desde el quicio de la puerta señalando hacia su palma blanca. Sus piernas bajo el gabán asomaban como las patas de una bestia extraña cubiertas de pelo negro.    Salió del sueño riéndose. Las mismas caras que había visto en él, lo asediaban ahora. Los presos, sentados a su alrededor, le preguntaban que le pasaba e intentaban calmarlo.    Muchas veces se lo había cuestionado: «¿Por qué odio a ese hombre que me ha dado el apellido? ¿Por qué me preocupo por él? Jamás me ha hecho daño. Todo lo que hizo fue darles a los niños abandonados un mismo apellido.» Cuántas veces se había preguntado en voz alta: « ¿Por qué me desprecio tanto a mí mismo? Todos nosotros somos niños de Burguiba, incluso aquellos que tienen padres. Todos somos sus niños. Desde que éramos críos nos enseñaron a vitorear a Burguiba…».   Cuando volvió a él la imagen de Yet sacándole la lengua con obscenidad, su pecho se ennegreció, y un dolor malvado se hizo más intenso. Le exprimía la cabeza: «Yo no soy como los demás. Yo soy uno de los niños de Burguiba. Yo soy un hijo del pecado, negro, abandonado y vendido como un esclavo por una promesa o un contrato».   Él sabía que hasta el día de hoy solo era alguien que le vendía su cuerpo a las mujeres. Se le acercaba una, le mostraba su cuerpo, y apenas decaía su excitación, lo abandonaba con desdén como si se tratara de un objeto. Se lo tiraban en secreto, a escondidas, como si fuera una despreciable prostituta y como tal exactamente, le pagaban.   Recordó cuando se lo hacía con él aquella viuda potentada.   Le daba en prenda las camisas de su marido muerto y sus pantalones, y él empezó a acostarse con ella a cambio de un recuerdo. ¡Cuántas veces lo tuvo que esconder en la cocina o el aseo cuando el timbre de la puerta la sobresaltaba mientras él estaba allí!   No era más que uno de los niños expósitos de Burguiba. Recordaba como lo  trataba. Le ordenaba como a un cachorro que se bañara con jabón, que se perfumara con la colonia que ella elegía y se pusiera el batín de su marido. Después se quedaba de pie delante de la cama abriendo los brazos como un tonto, mientras ella se afanaba en libarle el jugo de la memoria. ¡Qué sumiso era en aquellas posturas que hacían a todo hombre sentirse poderoso! Entonces no estaba feliz con su virilidad. Era una virilidad ficticia. Una virilidad  fuera de lugar, pues él no era dueño de sí mismo, era un niño de Burguiba que no había heredado de él más que su único testículo. ¡Qué irónica esta vida que le privaba de todas sus características, pero le concedía su atributo más miserable! Había descubierto por casualidad que tenía un solo testículo. En aquel entonces no sabía que Burguiba también tenía solo uno, y cuando lo leyó en su biografía, le hizo tanta gracia que se le escapó el fuelle… « Eh… ¿Todo lo que he heredado de él ha sido un testículo huérfano? Mi única  — “Un niño de Burguiba degüella su herencia” مقطع من رواية الغوريلا لكمال الرياحي بالإسبانية  ترجمة: نويمي فيرو

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

Fragment powieści « Gorilla », Kamal Al-Riahi Tłum. Anna Chmielewska

Diapositive1

W kawiarni “Tunis”
Dziwna historia o pochodzeniu Gorilli
Tłum. Anna Chmielewska

 

Policja natarła żeby odseparować wzrastający tłum. Zaczęła zbliżać się jak czarna fala, która ogarnia szalonego człowieka w tej zainfekowanej godzinie. Chwycił jednego ze starców stojących w tylnich rzędach i wyszeptał: „Chodź ze mną Panie Husunna. Znam dobrze historię tego młodzieńca. Byłem jej świadkiem kiedy pracowałem w przytułku”.
Skierowali się wolno do pobliskiej kawiarni „Tunis”. Usiedli przy stole i zamówili dwie zielone herbaty. Starzec wyszeptał pierwszy: „Przed trzydziestoma laty istniał dom dziecka, do którego kierowały się pary, które straciły nadzieję na potomstwo. Pojechali tam żeby wybrać sobie sierotę, która najbardziej im pasuje. Jak w sklepie Rubafikya[1] zaoferowano dzieci z drugiej klasy niedzielnej, a one rozpierzchły się wprost w ręce gości. On był jak zgrzebny, czarny płaszcz w środku lata. Jeden z tych płaszczy, których nie chcą klienci, skopany lub wciśnięty w róg albo zwinięty jak poduszka, o którą chciwy sprzedawca opiera się nocą lub wyciera w nią swojego penisa, po tym jak skończy przypominać sobie pośladki blondynki z falującym biustem przychodzącej do niego o poranku.
Biedak był wciśnięty w ten róg jak zimowy płaszcz, podczas gdy białe koszule latały wokół niego podróżując z klientami. Jedyne dziecko pozostające w kącie sierocińca i nie płacze, nauczyło się już, że płacz może przynieść mu „uszczypnięcia” pielęgniarek, które nie boją się go karać skoro niebieskich siniaków i tak nie widać na jego czarnej skórze.
Trwało to dłuższą chwilę zanim mężczyzna w szarej qaszabiji[2] w paski wszedł do sierocińca. Wprowadziła go kobieta w wełnianym kocu okrywając swoje piersi srebrnym kamieniem, na którego nie zwrócił uwagi aż do śmierci. Byli to Ajad i Sasija znani mi ze wsi, to ja doradzałem im, żeby odwiedzili przytułek.
Ajad pobiegł za pielęgniarką do holu pytając o dyrektora. Poleciła nerwowo żeby czekał na swoją kolej w poczekalni, wrócił więc zawiedziony. Nie usłyszał mojej rady. Poprosiłem go o cierpliwość. Siedział wraz z Sasiją w poczekalni, wpatrywali się oboje w spokojne twarze, czyste garnitury i lśniące buty. Sasija przewraca pożądliwie uczernionymi oczyma, wpatrując się w wąsy dużego, przystojnego mężczyzny, który siedzi obok niej podkręcając wąsa. Ajad pochylając głowę obraca w ręku swój zielony różaniec.
Zostali ostatnimi w kolejce do dyrektorki. Była to młoda, niezamężna kobieta, ale poważna i ostra jak brzytwa. Co jakiś czas rozmawiała po francusku z sekretarką, która przyniosła im czarną kawę. Odpaliła cienkiego papierosa. Mężczyzna pokłonił się zszokowany, podczas gdy Sasija przerwała milczenie mówiąc:
„Niech Bóg ma cię w opiece! A czy u was kochają Walida Nalqashiego ?”
Od czasu ich wejścia dyrektorka próbowała ukryć śmiech – to oszustwo było dla nie jasne: „Matko, to nie tak. My tu nie sprzedajemy les enfants[3].” Sasija zachowywała się tak, jakby ledwo dosłyszała jej ostatnie słowo.
Dyrektorka zwróciła uwagę na tę kwestię stwierdzając: „Nie sprzedajemy młodszych.”
Beduinka przeprosiła i zaczęła opowiadać jej o swojej zgodzie z mężem i ich pragnieniu, aby dziecko wypełniło ich dom. Dyrektorka powiedziała: „Nie dla nas dobre wspomnienia tamtych dni”. Ajad odparł na to: „Niech Bóg ma Cię w opiece, zdecyduj sama, zobaczysz, może znajdziesz! Przez wzgląd na Twoich bliskich.” Sasija zaczęła udawać płacz.
Dyrektorka napisała dla mnie małą kartkę. Wziąłem ją i wyruszyłem na oddział dziecięcy. Kiedy wróciłem, dyrektorka pytała Ajada o jego sytuacje majątkową i pracę, a on odpowiadał z całkowitym przekonaniem, że we wsi udaje, że jest właścicielem nieruchomości i że dzięki temu majątkowi kwalifikuje się na adopcję dwójki dzieci.
Weszła pielęgniarka z dzieckiem na ręku… To on.. „O Boże! Sługa?!” Sasija krzyknęła pierwsza, gdy go zobaczyła.
„Stworzenie boże” powiedziała dyrektorka ze złością i nakazała pielęgniarce zabrać dziecko tam, skąd je wzięła. Wtrącił się Ajad błagalnie: „Tak, stworzenie, Moja Droga … Bilal[4] muezzin był również czarny, niech Bóg go błogosławi i Ciebie też Skarbie.” Odwrócił się do żony: „Słodyczy twych ust. Dobrze, że nie trzeba … może więc jak dorośnie otworzy się.”
Dyrektorka uśmiechnęła się i zagroziła małżeństwu, że są opiekunami chłopca według prawa, a jakakolwiek krzywda, której dozna spowoduje, że zostaną pociągnięci do odpowiedzialności i zaleca się im dbanie o niego, w szczególności ubieranie i karmienie go. Poinformowała ich, że tutejszy opiekun będzie odwiedzał ich co trzy miesiące we wsi, żeby sprawdzić warunki adopcji aż do czasu pełnoletniości dziecka. Od tego dnia nikt o niego nie pytał, tak, jakby bano się, że wróci i zostanie jak zimowy płaszcz w kącie przytułku.
Nazwali go Salihan. Ajad chciał go nazwać Bilal, ale Sasija się nie zgodziła mówiąc: „Nazwę go Salihan po moim bracie, który zginął w czasie wojny”. We wsi krążyły pogłoski, że jej brat został wysłany do Indochin z francuskim wojskiem. Po jakimś czasie stało się jasne, że nazwała go imieniem swojego kochanka, który zaraz po odzyskaniu niepodległości wyjechał do Francji i już nie wrócił, i że jej brat nazywał się Salaha nie Salihan. To cała historia. Podniósł się gniewnie trzeci starzec: „Nie wstyd Ci. Nie męcz nas swoją nudną historią. Polubiłem Cię, opowiadając historię tego mężczyzny z zegarem, zniszczyłeś moją głowę strzępami opowiastki.”
Złapał go pierwszy starzec mówiąc: „Usiądź, nadchodzi herbata. Widziałeś tego szaleńca zanim wspiął się na wieżę. Ściągną go na dół. Wierz mi, nie zjedzą jego serca.” Inny mężczyzna wyciągnął starczą rękę obraźliwie i wyzywająco. Opuścili kawiarnię „Tunis”, do której wrócili zataczając pętlę w niecałą godzinę. Potknął się o krawężnik i upadł na twarz. Przeklął ciemność i czas. Nagle oczy mu się zaświeciły, kiedy spokojna niewiasta wyciągnęła ku niemu rękę i pomogła mu się podnieść, i zauważył drogę, i zegar, i Gorillę, ale trzymał jej rękę, aż doprowadziła go do miejsca zebrania. Przeprosiła i zniknęła zatopiwszy się w ciemnościach, jego pamięć zewnętrzna powróciła z nieznośnej senności do dawnej śpiączki. Podniósł swoje ramię do nosa i powąchał jej perfumy zanim wymamrotał: daj mi ją. Wrócił do swoich towarzyszy w kawiarni zdruzgotany po tym jak ogarnęło go uczucie zimna.

 

Kamel Al-Riahi (ur.1974) – tunezyjski pisarz i dziennikarz, którego prace tłumaczone były na języki takie jak angielski, francuski, włoski czy hebrajski. Był jednym z 39 arabskich pisarzy w wieku poniżej 40 lat, którego prace znalazły się w antologii Beirut39(Hay Festival 2009). Jego książka Al-Muszrit zdobyła w Tunezji nagrodę Golden Alcomar(2007) za najlepszą powieść roku. W wywiadzie Biała skóra, czarna maska autor wyjaśnił: Może wydać się to dziwne, ale ludzie zwykli nazywać mojego czarnego dziadka Murzynem. Uważam się za kogoś z czarnoskórymi korzeniami, chociaż nie jestem czarny. Być może mój szeroki nos dowodzi tej teorii. Jakkolwiek ideologicznie sympatyzuje z czarnoskórymi, przez ich dziedzictwo i historię. My, biali nie będziemy wolni dopóki nie wyzwolimy samych siebie z rasistowskich poglądów.

 
Fragment pochodzi z powieści Gorilla
The Gorilla
Kamal Al-Riahi

 

Streszczenie:

 

Ciepłe, sierpniowe popołudnie. Meżczyzna wspiął się na metalową wieżę wzniesioną w centrum Tunisu przez panującego prezydenta Ben Alego, po tym jak poprzedni prezydent Bourgiba zmarł, a jego statua została usunięta. Wspinanie się na wieżę zegarową jest surowo zabronione. Mężczyzna pogwałcił przepisy i macha do tłumu zebranego u jego stóp. To Saleh, znany jako Gorilla. Czarnoskóra sierota wychowana na wsi i pełniąca funkcję strażnika grobu zmarłego prezydenta Bourgiby. Ludzie, których zna rozpoznają go. Nawet okrutny oficer policji Ali Kilab (Ali Psy) rozpoznaje go i w jego czynie dostrzega okazję do ściągnięcia Gorrili z wieży, a w ostateczności zabicia go. Podczas godzin, które mężczyzna spędza na górze, policjant ściąga go, pomimo wyładowań elektrycznych. Miasto jest wzburzone. Zbliża sie coś wielkiego, fala niezadowolenia, której pożywką jest strach i nędza.

 

Powieść osadzona jest w czasie pomiędzy osiągnięciem szczytu wieży i dramatycznym upadkiem Gorilli, po którym następuje usmażenie jego ciała – oczywista aluzja do początków tunezyjskiej rewolucji w grudniu 2010 roku. Bohaterzy i historie przeplatają się ze sobą rozdział po rozdziale układając się na końcu w jedną całość.

 

Kamel Al Riahi, Al Gorilla
© Dar al saqi, Beirut, Lebanon, 2011
This chapter was published with permission from Dar al saqi

 

W sprawie praw autorskich proszę kontaktować się z http://www.rayaagency.org

 
[1] Rubafikya – w Tunezji nazywani są tak ludzie zbierający na ulicach starocie.
[2] Qaszabija jest tradycyjnym, wełnianym strojem wierzchnim noszonym w Tunezji i Maroku.
[3] Les enfants z języka francuskiego dzieci.
[4] Bilal, Etiopczyk, pierwszy muezzin w dziejach islamu.
Ostatnio zmieniany piątek, 21 marzec 2014 08 54
Czytany 234 razy

Napisał Maghreb Plus piątek, 21, marzec 2014 08:47 wielkość czcionki Wydrukuj Email Skomentuj jako pierwszy!

جزء من ترجمة روايتي الغوريلا الى البولندية
•—

Publié dans news أخبار الكاتب, الغوريلا | Laisser un commentaire

خيال: الموسم الثاني من نهج السرد بإشراف الروائي كمال الرياحي

 

Diapositive1خيال: الموسم الثاني من نهج السرد بإشراف الروائي كمال الرياحي يفتح أبواب لاستقبال المشاركات الجديدة
تعلم دار الثقافة ابن خلدون المغاربية أن الدورة الجديدة من مختبر نهج السرد التي يشرف عليها الباحث والروائي التونسي كمال الرياحي ستنطلق بداية من 15 سبتمبر وستخصص هذا العام لفن الرواية لذلك تدعو كل المهتمين والراغبين في المشاركة بارسال فكرة مختصرة عن الرواية في 250 والفصل الأول من محاولة كتابتها . وستدرس كل الأفكار والنصوص ويع الرد على الأسماء التي سيقع اختيارها للمشاركة في الورشة .
هذه الخدمة يقدمها كمال الرياحي مدرب ورشات الكتابة السردية في الوطن العربي مجانا لأحباء الأدب في تونس بدار الثقافة ابن خلدون حصريا.
وسيدوم التكوين سنة كاملة بمعدل حصة بساعتين كل أسبوع.
آخر أجل لقبول الاقتراحات 15 سبتمبر
المطلوب/
طلب ترشح للورشة فيه سيرة ذاتية وصورة شخصية
ملخص لفكرة الرواية
مقطع في 1000 كلمة يفضل أن يكون مطلع الرواية
نص سردي آخر يفضل أن يكون منشورا . قصة قصيرة مثلا.
ــــــــــــــــــــ
دار الثقافة ابن خلدون المغاربية

 

Publié dans news أخبار الكاتب | Laisser un commentaire

زرياب..أو البيوغرافيا الروائية للوتر الأحمر

تظل الرواية الجنس الأدبي الإمبريالي الذي لا يتردد في ضم كل ضروب الفنون الأخرى وكل أشكال الكتابة الأدبية منها والعلمية وهذا ما جعل منه جنسا غريبا لا يستقر على حال ويوسع كل يوم من جغرافيته ليكسب أراض جديدة للتخييل تضمن له سيادته الراهنة لتبقى عبارة «زمن الرواية» تحرج الأجناس الأدبية الأخرى بما يؤكده هذا الجنس من ثقل داخل مشهد الكتابة الأدبية في العالم.

ولعل أخطر المقاطعات السردية التي ما زالت الرواية تتشبث بها وتطعمها كل يوم بنصوص جديدة هي المقاطعات الأوتوبيوغرافية أوالحافة بها. فظلت الرواية تستعين في تشكيلها السردي أو في تأثيث متنها باليوميات الخاصة والسير الذاتية لكتابها وسير المشاهير من الشخصيات التاريخية السياسية منها والفنية والأدبية وضمن هذه الأخيرة تدخل رواية «زرياب» للروائي السعودي مقبول العلوي صاحب رواية «فتنة جدة» ورواية «سنوات الحب والخطيئة».

0075

الرواية والسيرة

سبق مقبول العلوي إلى هذا النوع من الروايات عدد كبير من الروائيين في العالم حتى تحولت إلى نوع كتابي معروف لا يكاد يخلو منه أدب شعب من الشعوب. فقد استعانت الرواية في العالم بسير الشخصيات والمشاهير ويمكننا أن نمثل لذلك بعودة واسيني الأعرج لسيرة الأمير عبد القادر في روايته «كتاب الأمير»” وعودة بن سالم حميش لسيرة ابن خلدون في روايته «العلامة» وعودة مايكل كننغهام لسيرة فرجينيا وولف في روايته «الساعات».

اختار مقبول العلوي سيرة موسيقي أثّر في تاريخ الموسيقى شرقا وغربا وارتبط اسمه بسيرة من أقسى سير النفي التي تعرض لها مبدع لأن النفي مع زرياب لم يكن نفيا من المؤسسة السياسية بل كان نفيا من المؤسسة الإبداعية نفسها فقد كان في كنف الموسيقار الكبير إسحاق الموصلي ولكنه بعد أن سمعه الرشيد وأعجب به أيما أعجاب وطلب من الموصلي العناية به أمر الموصلي زرياب أن يترك البلاد وإلا فإنه قاتله لأنه لن يسمح بأن يأخذ مكانه أحد في القصر ويبدو أن الرشيد قد أعجب به إعجابا سيجعل منه ينحيه من مكانته لتكون لزرياب. فترك زرياب البلاد تحت تهديد أستاذه إسحاق الموصلي واتجه نحو المغرب ثم الأندلس أين عرف هناك بإنجازاته الموسيقية الكبرى وبسيرته العلمية والفنية والسياسية.

حول هذه الشخصية التاريخية والفنية يدير العلوي روايته التي اختار لها أن تحمل عنوانا هو ليس سوى اللقب الذي عرفت به تلك الشخصية «زرياب» وهو الطائر الأسود جميل الصوت، لقب أطلق على العبد  أبو الحسن علي ابن نافع  مولى الخليفة العباسي المهدي.

إن طرافة هذه الرواية أنها تجوب ثلاثة أجناس أدبية متجاورة وهي السيرة والسيرة الذاتية والرواية فالكتاب حسب علامته على  الغلاف: رواية. وهذه الرواية ترصد سيرة المغنى والموسيقي المعروف زرياب ولكن شاء لها الروائي أن تكتب بأسلوب السيرة الذاتية أي بضمير المتكلم على شكل اعترافات.

يفتتح الراوي  الرواية بقوله:

«اسمي علي بن نافع وكنيتي أبو الحسن

هذا هو اسمي الذي اختاره لي والدي الذي خرجت من صلبه، واختارته أمي التي حملتني في ظلمة رحمها تسعة أشهر وأرضعتني من ثدييها في مهدي وطفولتي…

ولكن سادتي الجدد- ولا أعلم لماذا- أطلقوا علي اسم زرياب» (ص7).

تنهض هذه البداية أشبه بالميثاق السيرذاتي الذي يرسخ النص في هذا الجنس الأوطوبيوغرافي وهي إحدى حيل الكتابة الروائية للإيهام بالواقعية. وقد اختار العلوي لغة شفيفة بسيطة لتجري على لسان زرياب أمير العود وسيد التزويق والزخرفة الصوتية، ويحسب هذا للروائي الذي لم يسقط النص في البلاغة التي قد تدفعها إليها طبيعة الشخصية بل استعان بلغة روائية معاصرة؛ لغة براغماتية تعول على هويتها ودورها الرئيس كوسيلة تواصل وتبليغ وليست غاية في ذاتها. وإن كانت تسقط أحيانا في التراكيب الجاهزة واللغة الصحفية فتكون شديدة المعاصرة كقوله مثلا متحدثا عن الموصلي «كان رجلا قادرا على تطوير ذاته والارتقاء بملكاته وبمواهبه الكثيرة…».

الشخصية المرجعية ومأزق المرجع

إن الالتفات إلى الشخصيات المرجعية كما يسميها الناقد فيليب هامون في تقسيمه الشخصيات الروائية يجعل من  الروائي في حاجة  قبل الكتابة إلى مراجعة الملفات التاريخية والفنية التي تضمنت أخبارا عن هذه الشخصية إن كان ذلك في المصنفات الموسيقية أو المصنفات التاريخية التي ذكرتها.

هذه المصنفات تضن على الروائي بفترة طفولة هذا الفنان فلا يذكر منها إلا لحظات اختطافه من الموصل وهو في سن التاسعة على أيدي العسكر، والحق أن ذلك كان مبتسرا وكان فرصة كبيرة للروائي ليخلق هذا الجزء من السيرة المفقودة لهذه الشخصية المرجعية. ويأتي استغرابنا، هنا، من دقة الرجل في وصف مدينة الموصل فلم تسقط من ذاكرته لا البنايات ولا أصوات الباعة ولا حتى روائح الطين والأشجار المبتلة وروائح أجساد الناس وعندما يصل إلى حياته يقول: «في الموصل عشت تسع سنوات من عمري. لا أذكر سوى نتف من طفولتي المبكرة. صارت مثل التماعة تومض كشعلة في ليل بهيم. كل شيء يضيع في سنوات الطفولة».

هذا البيان الأوطوبيوغرافي عن الطفولة الغابرة يتناقض مع دقة وصف الموصل، وكان يمكن للروائي أن يؤكد هذا القصور للذاكرة منذ الجزء الأول الخاص بوصف الموصل وبذلك نجد مشروعية لقصور الذاكرة في استعادة الطفولة. فالذاكرة كما يقول المنظّر الفرنسي لأدب السيرة الذاتية جورج ماي «خؤون».

هذا القصور في التخييل يقابله سرد تاريخي فج أحيانا مثقل بالمعلومات كما هو الشأن في رواية خبر تسمم الخليفة المهدي بن جعفر المنصور بحبة الكمثرى وذكر أبي العلاء المعري وما كتبه عن الواقعة. أو في سرد تعريف الموصلي إذ يقول على لسان زرياب «الويكيبيدي»: «كان اسحاق الموصلي فارسي الأصل، ولد في الري. وقد فضلت الأسرة الرحيل من الري إلى بغداد، عاصمة العالم الجديدة، التي بدأ نورها يضيء ويغطي على ما سواه. تفوق على كثير من رجال البلاط من فئة العلماء والأدباء والمغنين…».

إن قيمة البحث في الرواية ذات الشخصية المرجعية أو المتعلقة بالأحداث التاريخية تتمثل في القدرة على تذويب المادة التاريخية في السرد التخييلي بحيث لا نرى ذلك الحد الذي تتدخل فيه الوثيقة. وهذا ما نجح فيه الروائي أحيانا وأخفق في أحيان أخرى. إن نجاح الروائي في هذا النوع من الروايات رهين قدرته على التحرر من الوثيقة التاريخية ومن المعلومات التي وضع يده عليها.

يأتي هذا المشكل الفني من خطورة بناء الشخصية المرجعية التي تبقى رهينة المرجع وإن كان إطلاق العنان للتخييل هو الحل هنا. وهناك تكتشف قدرة الروائي الحقيقي ولنا في الروائي أمين معلوف مثالا على هذا التخييل الحر المنطلق من مناخ تاريخي كما في روايته «ليون الإفريقي» مثلا. فليس مطلوبا من الروائي أن يقول التاريخ إنما المنتظر منه أن يروي لنا حكاية تصدق كأنها حقيقة وهي غير ذلك لأن ميثاق الرواية على عكس السيرة الذاتية هو ميثاق تخييلي تقوله العلامة الأجناسية «رواية» فهذه العلامة تقول على الغلاف في النهاية: كل ما ستقرأه داخل هذا المتن مجرد تخييل حتى لو بدا لك حقيقة.

والحق أن هذا الارتباك سرعان ما يختفي مع التقدم في الرواية لتصبح أمام سرد ممتع وتداع حر مشوق تتوالد فيه الصور والأحداث وتنثال الذكريات ممطرة بالمشاعر والمواقف.

الوصف والبرنامج السردي

يمثل الفضاء أحد الركائز السردية المهمة في عمل الروائي وخاصة التاريخي أو الذي ينحو نحو ذلك أو يتغذى منه، لذلك اهتم به العلوي وكان الوصف أداته الفنية لإعادة بناء تلك الفضاءات التي عرفها زرياب وهي في الغالب قصور ومخادع ابتداء بفضاء الموصل المفتوح إلى قصر الخليفة المهدي إلى قصر إسحاق الموصلي إلى قصور الأندلس وهذا الوصف لتفاصيل المكان يدعم الإحساس بواقعية الأحداث ويقرّب المشهد من المتلقي المعاصر الذي ينقل له العلوي ما هو مفترض أنه وقع من قرون طويلة.

 ولعل هذا ما يرشح هذا العمل ليكون مادة لكتابة سيناريو عمل درامي يقدم سيرة هذا الرجل الاستثنائي الذي عرفته الحضارة العربية والتي تختزل فيها لحظات المشرقة ولحظات سقوطها المدوي وانحطاطها الأخير.

تتحدث الرواية عن قصة اسم زرياب وقصة الوتر الخامس وأخبار عتق زرياب وزواجه من صفية العرجاء وعلاقته بسيده وأستاذه إسحاق الموصلي والذي يقدمه زرياب مثالا للرجل الشريف الراقي والفنان الذواق وينفي عليه كل ما يمكن أن يبرر موقفه منه بعد أن سمعه هارون الرشيد. بل يبدو زرياب في وصفه لأستاذه وعلاقته بهارون الرشيد وكأنه يبرر له فعلته وردة فعله عندما رأى إعجاب الخليفة به. يقول زرياب: «كان سيدي إسحاق الموصلي نديما مقربا للرشيد؛ نديما وصل إلى مرحلة صديق شخصي إذا جاز القول. وصل إلى تلك المحلة لأنه كان رجلا قادرا على تطوير ذاته والارتقاء بملكاته وبمواهبه الكثيرة لتكون مكسبا شخصيا له ومبهرة ذات بريق أخاذ لمن يجالسه. قرأ كتبا كثيرة، وألم بكم وافر من المعرفة. أخذ فنون العزف وطرائق الغناء عن «زلزل منصور»…» (ص38).

 يبقى أن نذكر أن الروائي رشيد الضعيف كان قد قدم رواية مستلهمة من سيرة أحد المغنين العرب القدامى من خلال روايته «معبد ينجح في بغداد» وهي رواية تمثل حالة خاصة في تجربة رشيد الضعيف الذي عرف بروايات ذات المنحى الغربي فنيا وبالتخييل الذاتي.

كمال الرياحي
كمال الرياحي

روائي وناقد من تونس

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

الثورةالمحتضرة مع توفيق الجبالي في « صفر فاصل » *كمال الرياحي

 

  مسرحية كلام الليل لتوفيق الجبالي عملا مؤسسا ومؤثرا في المشهد المسرحي التونسي في التسعينات وعلى الرغم من أن للجبالي تراكما انتاجيا مهما إذ سبق وقدم أعمالا كثيرة قبل وبعد « كلام الليل » منها: ذاكرة ديناصور و »عطيل » و »ضد مجهول » والمجنون و »هنا تونس » و »أربع ساعات في شاتيلا »و »كلام الليل 11 يسطو عليها لصوص بغداد » ،على الرغم من كل هذا بقي » كلام الليل » العمل الذي حقق فيه المسرحي ذروته الابداعية وظلت أعماله الأخرى تنطلق منه حتى تجاوز العمل صفته كعمل مسرحي إلى مرتبة المشروع المسرحي، وهذا ما يكشفه جديده الفني  » صفر فاصل » الذي يعرض هذه الأيام بفضاء التياترو.

صفر فاصل أو ما بعد الثورة

حاول الجبالي في عمله الجديد « صفر فاصل » أن يقارب مرحلة ما بعد الثورة التونسية من خلال مجموعة من الموتى الذين يرقدون في بيت الأموات باحدى مستشفيات تونس وينهضون آخر الليل لمحاولة فهم ما جرى لتونس أثناء الثورة وما يجري بعدها فيدخلون في حوارات متشعبة حول الاغتيالات وقضية القناصة وظروف استشهاد أو موتهم هؤلاء وانتماءاتهم السياسية.كما تطرق العمل إلى مهازل كتابة الدستور وفتاوي الدعاة الوافدين وواقع التطرف في تونس اليوم.

صفر فاصل: العنوان المخاتل

إن قوة توفيق الجبالي تتمثل في قدرته العجيبة على توليد اللغة من بعضها وتحويل اليومي إلى فني واعادة قراءة السطحي بشكل عميق يجعله يتدحرج من موقعه كسطحي إلى مستوى من العمق لم نعرفه وضمن هذا التفكر في اليومي والمعاد والمكرر والممل يتنزل عنوان المسرحية « صفر فاصل ». تلك العبارة التي أطلقها المنتصرون في انتخابات ما بعد الثورة التونسية على خصومهم المنهزمين في شكل من التشفي الذي ضرب وحدة الشعب التونسي وقسمه إلى شعب منتصر وآخر مهزوم .

غير أن هذا الكلام وهذا الرقم الذي تحول إلى شتيمة أخذه الجبالي وفككه وشرحه فنيا في فضائه النموذجي وهو المشرحة التي يرقد فيها الأموات العائدون إلى الحياة لاعادة تمثيل ما جرى او ربما محاسبة الاحياء.

والتركيز كان على الصفر. هذا الرقم الغامض في كل تمظهراته السيميائية من حلقة إلى نقطة. يقول الجبالي في هذا الشأن: » الصفر الفراغ الثقب الدائرة النقطة الحلقة. المطلق. اللاشيء. نقطة التحول. لحظة تدمير الخيال المريرة.

ومن ثم يرتفع الجبالي بالقول الشعبي وبالشتيمة إلى مستوى التفكر الفلسفي لواقع ينهشه الخطاب الشعبوي ليقول أن ما نقوله مهم لكن شرط أن ندركه ونقاربه بوعي آخر غير الذي نعي به الملفوظ. فتونس كما تقول إحدى الشخصيات عادت إلى مستوى الصفر فهل يكون ذلك منطلقا لها لتنهض من جديد اكثر عنفوانا أم أن الصفر مجرد نقطة نهاية لشعب ووطن وحلم؟

البداية : ماذا نفعل بالثورة ؟

تبدا المسرحية بمشهد عروسين في ملابس الزفاف يركضان بشهيد في حيرة كبيرة. ماذا يفعلان به وكيف وأين يضعانه. وهو مشهد لخص حيرة التونسيين القوار الذين اسقطوا نظاما ولكنهم سقطوا في حيرة الاتجاه حينما وجدوا أنفسهم أمام سؤال بليد ومؤلم:وبعد؟

كانت العريس كلما وضع الشهيد في وضعية صاحت فيه عروسه أنها ليست الوضعية الصحيحة حتى انتهى المشهد بأن المحاولات الكثيرة للوضع الشهيد في موضعه ألحقت بالشهيد اضرارا بليغة وأخذت العروس في لوم عريسها على عدم فهمه. استعارة على حالة الندم التي وقع فيها التونسيين لخيارات ما بعد الثورة حينما ورطوا انفسهم في خيارات غير محسوبة منها المحلس التأسيسي الذي أصبح كابوسا ومهزلة سياسية كما سيعرضها العمل الفني عكسا لما يراه في الشارع وفي اللاعلام.

المشرحة فضاء الموت الحر

بيت الأموات أو المشرحة التي تدور فيها كل احداث العمل المسرحي كان فضاء متحركا، تمكن المخرج من توسيع مداه حتى نراه احيانا بالمؤثرات البصرية فضاء مطلقا ولا متناهي. وقد نجح فريق العمل في جعل هذا الفضاء فضاء متحركا في ابعاده المختلفة، مما ساهم في نجاح عملية تشريح الثورة تشريحا ناجحا كما ميز العمل عن الصورة القديمة للأعداد الأولى من كلام الليل. حيث أعطى المخرج اهتماما كبيرا للاضاءة والديكور والكوليغرافيا والازياء مما اكسب العمل قيمة عالمية كعمل مشهدي مستفيدا استفادة بائنة من السينما والفن التشكيلي وعالم المليتميديا.

 

جماليات الجسد المهزوم

تبدا المسرحية بثلاثة أجساد ميتة تعود للحياة بلا ملامح حاملة أقنعة يجسدها كمل من توفيق الجبالي ورؤوف بن عمر ونوفل عزارة تحاول هذه الأجساد أن تعرف نفسها فتجد انها عاجزة وأنها متشابهة فالموت ومن قبله القمع قد قام بمحو ملامحها الخاصة وهوياتها الشخصية ليكسبها وجها واحدا اطلق عليه لفظة « مواطن ».

فتيمة المحو هي التيمة الرئيسة في العمل المسرحي وإن لم تعلن. الكل يبحث عن ذاته التي سلبت منه في وقت ما لتتحول المسألة في النهاية إلى البحث عن هوية بلد بالكامل مهدد بالاختفاء بعد تعرضه لغزو من كائنات فضائية لاحمة اقتحمت المشرحة/ تونس وراحت تلتهم جسد الشهيد.

تتعالق الأجساد المهزومة على الركح مسلوبة الإرادة: أكوام من الشهداء فوق الطاولة يحتار العاملون في المشرحة في أمرهم فينقلوهم من مكان إلى مكان حتى يكونون وليمة للكائنات الغريبة التي سقطت عليهم لتنهش لحمهم.

ييدأ العمل بحيرة ماذا سنفعل بعد الثورة؟ وماذا نفعل بالشهيد وتنتهي بحيرة الأموات والشهداء وعدم قدرتهم على الفهم ولا على استنباط الحل بعد أن قرؤوا المشهد السياسي الراهن.

 _____

 

* أديب من تونس

 

Publié dans مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

الغوريلا رواية الهامش العنيف

جريدة صوت الأحرار: 28 نوفمبر 2013
الحبيب السائح

kamelghourillaالغوريلا في الاستعارة، هنا، يموت ويحيا ليموت بالطريقة التي يبغيها هو، وليس جلاده.
هذا ما يشق للرواية بعدها الفلسفي والجمالي.
الغوريلا، في كتابتها، هنا، ثمرة تربة تونس الأدبية ذات الصلة بالمغاربية؛ ذلك ما أعتبره بعضا من الخصوصية!
هذه عينات من القاموس:
الروج، السكارجي، السكوم، برويطة، سفاري، الكارطة، الحراڤة، البزناسه، الزطلة، بلع فمك، يفلي، يتفل، البصيلة، بغل مدبور، شاشية، برشا، البونية، الشيح، نرقدلو في الخط، ضربنا كؤوس البوخا، كرطوشة، حانوت، الديس، الحوش…
ومن الأسماء: في فقرة، أسفله.
ومن الدارجة الموظفة في الحوارات بالدارجة التونسية تجعلك، لقوة كلماتها وتركيبها واقتصادها، في حال استماع؛ لا قراءة فقط. دارجة رشيقة مؤدية وظيفة بلاغية وصوتية تعجز عنها الفصحى. تشتغل كوخزات إبر لذهن قارئ مشرقي:
« عيش بنتي! نحب على وليد نلقاشي عندكم؟ » ـ « مالا آش في بالك يا بنت راهو النبي مش لعب ». ـ « مانيش مش نمسك. وما نيش مش نعملك شي. اختطفتك باش نذل هاكا الحيوان الي ذلني ».
فرواية الغوريلا، للكاتب التونسي كمال الرياحي، الصادرة عن دار الساقي، 2011، تمنحنا الثقة، بل الضمانة لنطمئن إلى أن حفرنا في خصوصيتنا المغاربية يعد إضافة نوعية ذات أثر على الذوق العربي خاصة والعالمي عامة.
فإيقاع سرد الغوريلا، عبر مشاهده التسعة والثلاثين، لا يتركك تأخذ لنفسك مسافة عن أحداثه. فأنت في خضمها كأنك أحد الفاعلين. ذلك، إن لم تكن وجدت مراحل من حياة هؤلاء الشخوص الهامشيين العجيبين:
الغوريلا، رشيد بوخا، هبله، الجط، حبيبة، شكيرا، سردوك، سعدية، ستيلا، رضا دوفيز، رشيد، فضيلة… تقاطعت مع أشطار من حياتك. فانحزت إليهم وتخيلت نفسك في صفهم مقابل رموز النظام القمعي:
بن علي، الطرابلسية المعلمة زوجة الرئيس، علي كلاب (لأنه بدأ حياته صائدا للكلاب قبل أن ينضم لجهاز القمع، ينظر ص 90 ـ 93 مشهد رائع التصوير لصيد الكلاب).
بل إنك تشعر، خلال القراءة، أن الكاتب سرق منك هذا السر أو ذاك من أسرار طفولتك أو من حياة غيرك؛ أسرار آيلة إلى النسيان والاندثار ينفخ فيها الروح فتقوم تستعيد حقها في الظهور بما كان الواقع، بكل أنواع شططه وشذوذه وعطنه وقسوته، كبسه فيها.
إنه الاغتراب الذي فيه يتنزل نص الغوريلا بين هذا الواقع النيئ العفن الشرس وبين قيم مؤسسات النظام التي تؤطر عقل الإنسان بأقفاص النفاق وتحاصر حياته بأسلاك شائكة من القمع المعمم.
نص روائي يتنامى من الصفحة 7 إلى الصفحة 190 كما تتطور حياة الغوريلا نفسه، ولكن بالانكسار كله، ومن حوله تنمو أسئلة الكتابة الجديدة، كما تتنامى حيوات الآخرين من حول الغوريلا في عنف يحركه التشرد والاغتصاب والتعذيب والقتل والشذوذ والموت الرخيص وفقد الهوية والانتساب.
وأنت تقرأ، تنتابك حالات نفسية، كما في ميلودرام: ضحك، ألم، غضب، قلق، سخط، نشوة، رفض، قبول… مشاهد آسرة فعلا.
وفي الخلال يرافقك سؤال: لما ذا تسلق الغوريلا نصب الساعة؟
وفي النهاية يقرع ذهنك: لولا ما حدث في 14 جانفي 2011، هل كان للغوريلا أن ترى النور؟ وإن كان ذلك حدث، هل كان لكمال الرياجي أن ينعم الآن بالحياة والاستقرار في وطنه تونس؟
إن المشهد الأخير: 14 جانفي 2011، هو الذي يضمر هذا السؤال في ثنايا سرده المضاد لخيال المشاهد السابقة إياه.
كمال الرياحي، هنا، أبان عن قدرة سردية استثنائية، في توظيف الخارجي ـ الهامشي ـ من أجل الداخلي ـ النص ـ ليكون هو البديل المركزي في الاهتمام. وفي جعل نصب الساعة بالغوريلا فوق رأسها ـ مستعيرا ذلك من الفيلم الشهير « كينغ كونع » ـ محور جذب لأحداث الرواية كلها، كنواة ذرية، فأدارها بصبر، بذكاء، وحذر لافت من أن لا يفلت منها تفصيل من تفاصيلها إلى خارج المحيط؛ فإن المشهد الأخير: 14 جانفي 2011، الذي يتبدى منقطعا ـ لأنه يأتي بعد نقطة النهاية ـ هو في تقديري مسوغ سرد الرواية كلها؛ باعتباره مدخل الواقعي إلي المتخيل.
فكذلك هي الكتابة الروائية في استعارتها الواقع لإعادة تخييله. إن السارد (الكاتب ذاته: كمال الرياحي)، في هذا المشهد مع طفله، هو من انتهى إليه روح الغوريلا: « يكسو جسدي فجأة وبر أسود. أضرب بقبضتي على صدري… تتقدم السيارة مني. صوت هارون يأتي من بعيد: papa….sheriff  » ص 190.
فشخصية يونس، المشار إليها مرة واحدة في النص، أو صالح أو بلال، تغدو، في تقديري، هي الغوريلا ومن ثمة تنشطر نصفين: النصف الحقيقي الذي يسرد بضمير أنا غالبا؛ وضمير نحن أحيانا. والنصف الثاني المنعكس كما في مرآة حيث يدور الحوار بين النصفين.
فالغوريلا لا يتماهى، أو يتعدد، مع ذاته فحسب ولكن مع عينات من الشخوص ذات الوجود الهامشي العنيف في وضع مقابل مفارق وصدامي مع المؤسسة القمعية، ممثلة في علي كلاب، وفي زبانيتها وفي الطرابلسية، مديرتها، التي توظفهم. « أصبحت أشعر بأنني اثنان أنا والزنجي المجهول معا. أصبحت مطاردا بذاكرتين.. » 138 ـ 139.
والغوريلا، أخيرا هو أصل المنشأ: « كلكم من صلبه، كلكم هو » ص 22؛ يعني نظام ما بعد الاستقلال ورمز النظام وإنتاج النظام ومسخه وتفريخه اللقطاء.
فكل مشهد من مشاهد الرواية هو من نصب الساعة ومن الغوريلا وإليهما. إنها لعبة تحدث متعة بقدر الإرهاق الذي عاناه كمال الرياحي في إتقان أجزائها.
أحسست، وأنا أقرأ، أن في كل جملة نحوية جهدا مضنيا كيلا تنفلت، وفي كل كلمة تدقيقا قاموسيا لدلالتها حتى تشع في الذهن، وفي كل مشهد شراسة على تطويقه بالتفاصيل ليؤدي وظيفة أن لا يبقى القارئ في حياد: رفضاً من غضب. أو قبولا من انبهار.
فلا بد أن كمال الرياحي، من خلال المدة التي استغرقتها كتابة الغوريلا (2007 ـ2011)، ومما يظهر من صنعتها المتمكنة، يكون كتب بشكل خطي. ثم راح، هدما للخطية، يفكك النص أجزاء أجزاءً، كما يظهر في النسخة النهائية بين يدي القارئ، ويعيد تركيبها وتوزيعها بناء على تسويغات ورابط تشدها إلى بعضها. إنها المغامرة التي أحبها وأفضلها؛ باعتبار الكتابة جزءا من تجاربنا في أعتى تداخلاتها!
فإن لكمال الرياحي، كما أتصور، نسخا أخرى من الغوريلا مختلفة عن بعضها في المدخل والمخرج وفي البناء وعن هذا الشكل النهائي نفسه. إننا ملزمون بأن نتقاطع في كتابتنا مع التقنيات السينمائية، في المونتاج خاصة. ومع المسرح في مسْرحة المشاهد؛ كما هو مشهد الغوريلا في أعلى نصب الساعة والحشد من تحته. من هنا منبع مفهوم ألم الكتابة، الذي يستعمله بعض الكتاب اعتباطا؛ لأنهم لا يصنعون « أعمالهم » في ورشة، كما أي رسام أو نحات أو مخرج.
كمال الرياحي في الغوريلا يبدي، في جرأته تجاه المسكوت عنه، ما تعلق بالجنسي، الطبيعي منه والشاذ، وعيا تجاوز به حد الإثارة وبه تجنب الاستفزاز؛ فكل مشاهد ذلك أدمجها بشكل سلس في سياقات كانت ستبدو ناقصة بغيرها. ذلك، إضافة إلى مشاهد فائقة الدقة في التصوير والجمالية: ص 18، 52، 69، 70، 83، 86، 91، 102، 104، 113، 151، 163.
القراء الجزائريون، مثل غيرهم، مدعوون إلى الاستمتاع بنص روائي شجاع، جريء قاس وعنيف وجميل مثل الغوريلا لأنه قريب جدا من روحهم.

Publié dans الغوريلا | Laisser un commentaire

الغوريلا رواية البيكارسك

Kamel Riahi Novelist

cropped-diapositive115.jpg لم تكتب رواية الغوريلا لمحاكاة أو تمثيل حدث الثّورة، فهذا الحدث قد باغتها ولم تتهيّأ له إلاّ في صفحات الرّواية الأخيرة، وفصلها الأخير تحديدا عندما انقلبت الكتابة الرّوائيّة إلى كتابة تسجّل كيف عاش المؤلّف بعض اللّحظات العصيبة في الأيّام الأولى من الثّورة.

لم تكتب هذه الرّواية لتسجيل وقائع الثّورة، ورغم ذلك كانت نهايتها تحتاج إلى ثورة حتّى تعثر على خاتمتها. فبداية الرّواية لا تشي بنهايتها. أمّا نوع الأحداث الّتي حبكت في معظم الفصول فتحمل على الاعتقاد بأنّنا أمام رواية من روايات البيكاراسك picaresque. وهي كغيرها من روايات هذا النّوع، قد انبرت تصوّر العوالم السّفليّة للّذين “لا نصيب لهم”، و“لا أصوات لهم” في عالم السّياسة، بسبب وجودهم خارج الفضاء العموميّ، وهوامشه. وبسبب موقعها من هذا الفضاء تغيّرت أسماء سكّان هذا العالم. فأصبحوا يمثّلون الاسمَ، أو ما يشي به الاسم الجديد، بعد أن فقدوا هبة الاسم الأوّل، اسم الأب. من هؤلاء كان الغوريلا، وإلى هؤلاء كان ينتسب.

الغوريلا اسم بطل بلا مزايا،…

View original post 535 mots de plus

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

الغوريلا رواية البيكارسك

cropped-diapositive115.jpg لم تكتب رواية الغوريلا لمحاكاة أو تمثيل حدث الثّورة، فهذا الحدث قد باغتها ولم تتهيّأ له إلاّ في صفحات الرّواية الأخيرة، وفصلها الأخير تحديدا عندما انقلبت الكتابة الرّوائيّة إلى كتابة تسجّل كيف عاش المؤلّف بعض اللّحظات العصيبة في الأيّام الأولى من الثّورة.

لم تكتب هذه الرّواية لتسجيل وقائع الثّورة، ورغم ذلك كانت نهايتها تحتاج إلى ثورة حتّى تعثر على خاتمتها. فبداية الرّواية لا تشي بنهايتها. أمّا نوع الأحداث الّتي حبكت في معظم الفصول فتحمل على الاعتقاد بأنّنا أمام رواية من روايات البيكاراسك picaresque. وهي كغيرها من روايات هذا النّوع، قد انبرت تصوّر العوالم السّفليّة للّذين “لا نصيب لهم”، و“لا أصوات لهم” في عالم السّياسة، بسبب وجودهم خارج الفضاء العموميّ، وهوامشه. وبسبب موقعها من هذا الفضاء تغيّرت أسماء سكّان هذا العالم. فأصبحوا يمثّلون الاسمَ، أو ما يشي به الاسم الجديد، بعد أن فقدوا هبة الاسم الأوّل، اسم الأب. من هؤلاء كان الغوريلا، وإلى هؤلاء كان ينتسب.

الغوريلا اسم بطل بلا مزايا، قد حاول أن يجعل من بؤسه اليوميّ حياة جديرة بأن تحكى، فلم يفلح. ولأجل ذلك صار موضوع شهادات سائر شخصيات الرّواية، يرد ذكره عرضا كلّما تقاطعت سبيله بسبل الآخرين، ومن ذلك التّقاطع كانت ملامح الغوريلا تتّضح وتتماسك وتنمو على نحو انفعاليّ، تارة يكون الغوريلا شخصا يثير العجب والإعجاب، وطورا يكون شخصا يثير الخشية والشّفقة كأبطال التّراجيديا. فالمسار الّذي رسم للغوريلا يشبه إلى حدّ مّا مسار الأبطال التّراجيديّين، ولكن على نحو ساخر. نعرف منذ البداية أنّه لقيط مجهول الأب، ولكنّه كان في كلّ مرّة يجدّد من شجرة أنسابه، فهو في البداية طفل من أطفال بورقيبة، ثمّ هو ابن بالتّبنّي لرجل لا يلد ولا يخلف، وهبه نسبا، أو اسم الأب، ولكنّه سرعان ما فقد اسمه الرّمزيّ أو الشّرعيّ، ليكتسب اسما خياليّا غطّى على الاسم الأوّل، فمسخه مسخا، فصار البطل غوريلا، قردا من سلالة غير بشريّة. وبهذا المسخ الّذي أصاب الاسم فقط كان البطل، الّذي لم يحاول أن يغيّر التّسمية، وإنّما أمعن في تثبيتها حتّى صار البطل هو الاسم الّذي يحمل.

تبدأ الرّواية من حيث انتهت مسيرة البطل، وهو يتسلّق ساعة شارع الحبيب بورقيبة المنتصبة عاليا كأنّه بتسلقّها يستعيد على نحو يائس، لا يخلو من مفارقة، ما فُقِد، أي بشريّته، وحقّ الوجود في فضاء المدينة العموميّ. وهو فضاء سياسيّ بامتياز، لأنّه أفضل مجال يضمن الرّؤية الاجتماعيّة على نطاق واسع. فأن تكون مرئيّا هو الشّرط الضّروريّ لتكون موجودا كما أكّد بورخيس في بعض ما كتب. وقد اختار الغوريلا أن يكون مرئيّا على نحو مفرط، وذلك بالتّفريط في الوجود مع النّاس. إلاّ أنّه تفريط تراجيديّ كان يمهّد لنهايته الفاجعة الشّبيهة بنهاية الأبطال التّراجيديّين النّبلاء. لم يكن موته بائسا في فضاء منسيّ مظلم لا يُرى، وإنّما في قلب المشهد العموميّ، كأنّه يقدّم للمدينة حفلا نادرا من حفلات الموت العلنيّ. فـ“تحت برج السّاعة تماما ظهر الغوريلا محترقا. جثّة متفحّمة في بركة من الدّماء الخاثرة، تحمله مجموعة المتظاهرين على أكتافها، وتتشكّل تظاهرة صاخبة، تتّجه نحو وزارة الدّاخليّة، بينما يستولي أحد المتظاهرين على عربة الحماية المدنيّة يرفع سلّمها نحو السّاعة.”

تحملنا هذه الفقرة من الرّواية على التّساؤل: هل كانت رواية الغوريلا تصوغ على نحو بديع أطروحة كبش الفداء ( عند روني جيرار في كتابه “العنف والمقدّس”) حيث تحتاج مجموعة مّا (قبيلة، أمّة، شعب) في بعض طقوسها إلى شخص يقتل، حتّى تتماسك؟

مهما يكن الجواب، وجب في هذا المقام أن نلاحظ أنّ الثّورة التّونسيّة قد اندلعت بحدث مماثل لما كان يجري في طقس كبش الفداء. ويمكن إيجازه بهذه الصّورة: شخص يدعى محمد البوعزيزي أحرق نفسه، فتوحّدت بموته أصوات من لا أصوات لهم، في ثورة صاخبة غاضبة لا شعار لها سوى كلمة “ديقاج”.

إنّ التّوازي بين مصير الغوريلا ومحمّد البوعزيزي للافت لانتباه، بل إنّ ذكر اسم محمد البوعزيزي العرضيّ في صفحات الرّواية الأخيرة يغرينا بأن نمضي في تحليل موت البطلين، التّاريخيّ والرّوائيّ، من منظور نظرية كبش الفداء. “يتحدّث الرّكّاب عن رجل أضرم النّار بجسده، حديث كثير عن مدينتي سيدي بوزيد والقصرين. يأتي القطار. أحتلّ مقعدا قصيّا. الوجوه الغامضة تردّد اسم البوعزيزي بلا انقطاع. أحاول أن أتابع الأحداث دون أن أسأل. يتحدّثون عن إطلاق الرّصاص الحيّ على المتظاهرين.”.

يسقط جسم الغوريلا جثّة محترقة متفحّمة كما سقطت جثّة البوعزيزي، في مشهد عموميّ لم تألفه المدينة ولم تتهيّأ لتقديمه. مشهد باغتها مثلما باغت الّذين لم يتوقّعوا يوما أن تندلع الثّورات الغاضبة من أناس لا مجد لهم فرفعهم الموت في مصافّ الأبطال الخالدين، إذ برمادهم انبعثت كطائر الفينيق أجساد أخرى.

د العادل خضر من مقال طويل بعنوان » المثقف والعنف »

Publié dans Uncategorized, الغوريلا | Laisser un commentaire

كمال الرياحي في « الغوريلا » . يوم « بو عزيزي » خارج الغرفة المظلمة 

973076_138596353005048_1554389589_nتفاصيل النشر: المصدر: الحياة الكاتب: سوسن جميل حسن تاريخ النشر(م): 29/1/2012 تاريخ النشر (هـ): 6/3/1433 منشأ: رقم العدد: 17831 الباب/ الصفحة: 15 – آداب وفنون

المكان: ساحة عند تقاطع شارع محمد الخامس وشارع الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة، الوقت: ظهيرة يوم الثالث من آب، ذكرى وفاة »الحبيب بو رقيبة »، السكون يخيم على المدينة، يخرقه صوت رجل من الظنون، هو »السردوك »، يحدّث مخلوقاته الوهمية، ويطوح مصارعاً طواحين هوائه. يهب الناس من قيلولتهم على أصوات أبواق سيارات الشرطة والإسعاف، ليشاهدوا »كائناً صغيراً بحجم الإصبع »يتسلق »بسرعة الصرصور »ساعة برج 7 نوفمبر، الذي نصب مكان تمثال الحبيب بورقيبة المخلوع من مكانه، بعدما أطيح به، ليصبح برج الساعة علامة على الانقلاب الذي قام به »زين العابدين بن علي »على »الحبيب بو رقيبة »، ويكرس رمزاً للسيادة والوطن. بهذا المشهد الصادم يستهل الكاتب التونسي كمال الرياحي روايته »الغوريلا »الصادرة عن دار الساقي 2011، مستدرجاً القارئ إلى غرفة مظلمة، تتلاعب به أعتى الانفعالات والمشاعر المتباينة، يعرض فيها ببراعة واقعاً هو واقع تونس، لكنه يمكن أن يكون واقع أي بلد من بلادنا العربية، الذي أدى إلى الحالة الراهنة التي تشهدها المنطقة العربية بعد يوم »بو عزيزي »في سيدي بو زيد التونسية. يُستدعى الماضي إلى اللحظة، وتتلاقى مستويات الوقائع مجتمعة في ساحة الحدث، فالرجل المعلق في الأعالي، انحلّ اسمه »صالح »إلى النسيان أمام اللقب »الغوريلا »، الذي وصمه به رفاقه عندما كانوا صغاراً يلعبون كرة القدم، ويرضى صاغراً موقع حارس المرمى الذي لم يكن يرضاه أحد آخر. من عليائه، والحشود تتكاثر تحته كالنمل، يمرّ في خلده شريط حياته منذ الطفولة، عندما كان يشعر بالفخر وهو طفل من أطفال بورقيبة، لتصدمه الحقيقة الشرسة التي لم يعرف الابتسام بعدها، حقيقة أنه »لقيط، ابن حرام »كما كان يعيره رفاقه، وأن اللقطاء كلهم ينادون بـ »أطفال بو رقيبة »، وما لهذه التسمية من دلالة على كون هذا الغوريلا هو نموذج للمواطن التونسي. بصاص قديم ويتوالى السرد متنقلاً بين الراوي الذي يقول عن نفسه في أحد الأدوار: »هناك في الأعلى لا أحد يدري ما يدور في رأس الغوريلا غيري، الراوي السابق ليس سوى بصاص قديم »، وبين الغوريلا، والشخصيات الأخرى، وهي تحكي حكايتها، أو حكاية آخرين، تجمع بينهم علاقات وماض مشترك. حكايات تتناسل من بعضها، تنهض خلالها الشخصيات وتنمو بالتوازي، تنضج مع بعضها عندما يكتمل المشهد، أو تتكامل اللوحة التي ترسم بمهارة لتعطيها اللمسات الأخيرة شكلها النهائي. أشخاص الرواية يمشون إلى مصائرهم المحكومة بواقع مرّ، يلقيهم السارد فيه، محرراً إياهم من أي التزام أخلاقي أو ارتباط بمنظومة قيمية، أو معايير أخلاقية يقيدها إليها، أشخاص ترسم هوياتهم بنبش أعماقهم كما تتداعى مكنونات الذات متحررة من سطوة العقل الواعي ببراعة محلل نفسي خبير. لنتعرف إلى »شاكيرا »الذي عانى الحرمان العاطفي في طفولته، فتأخر بالنطق حتى العاشرة، ولاقى الحنان والأمان في جسد شاب، ثم عندما فقده وفقد والده أمضى حياته يبحث عن حضن صاحبه في الرجال جميعهم، و »على كلاب »رجل الأمن الذي يقضي على الغوريلا، وطفولته التي انبنت على اللعنات والحرمان ونكران الحاجات التي ولدت لديه ولعاً باكراً بالعنف والإيلام، و »الجط »الذي يكتشف الموت الذي يسكنه وأنه ليس أكثر من »قواد كبير لمصاصي الدماء »، وبوخا الذي جفف نفسه القهر فصار أعماقه مالحة، يقتل زوج أخته ويزوجها بآخر بعد شهرين، يعمل بوخا مع علي كلاب بممارسة السطوة على سوق الملاسين، ثم يطعنه زوج أخته لاحقاً، وحبيبة المرأة التي أمضت حياتها تدفن أسرارها المؤلمة، بينما جسدها يكبر ويترهل، وتقع بين يدي الجط فتقرر الانتقام منه، لكن الغوريلا يفوت عليها الفرصة إذ يسعى هو الآخر إلى الانتقام من الجط بإهانة رجولته وكرامته. أما الغوريلا، فشخص عجنت حياته أيضاً بالذل والمهانة والحرمان، تلصق به التهم التي تجعل حياته هروباً بهروب، يعيش بالارتياب، أحلام يقظة وكوابيس ليل وفظاعات واقع تتماهى مع بعضها، يمضي سنوات حارساً لقبر بورقيبة، ثم في لحظة قد تكون أهلاس نهار أو كوابيس ليل، يضغط الزناد ويفرغ رشاشه حول القبر بين الناس والسياح ويهرب. في هذا الواقع الشرس، نتبين أنهم كانوا ضحايا خطف من قبل جماعة مسلحة، ترميهم في معسكر تدريب، وتؤهلهم للقيام بالجهاد باسم الدين، وقد تزامن ذلك مع عودة حوادث العنف والاختطاف إلى البلاد، مع اتهام السلطات الجماعات الإرهابية المتطرفة، وتعاون رجال الدين والنظام في السر، حتى في الأمور الاقتصادية. بعد سرد الحكاية، أو الحكايات، تعود الدائرة لتنغلق على نفسها في ساحة البرج، ويكون »على كلاب »قد وضع حاجزاً بلاستيكياً حول البرج، وقام بكهربة الساعة بحيث يتعرض الغوريلا إلى صعقات كهربائية، هو الذي أمضى حياته في الهوان، لم يرضَ بميتة رخيصة، أراد أن يموت ميتة الأحرار: »الخنزير يرفض أن يموت برصاص رخيص، بينما نحن نموت بالحمى والحصبة. الخنزير لا يرضى بأن يعيش أعور، إذا اقتلعت إحدى عينيه مات سريعاً »؟ يلحق الكاتب عمله، بسرد قصته هو الآخر، عندما همّ بكتابة عمله، وتوجه إلى بيـتـه المـنـسي في الريف، منقطعاً عن العالم لينهي القصة، كان هذا في الرابع عشر من كانون الثاني 2011، فتعيده الأحداث التي انفجرت في تونس العاصمة إلى بيته، وينزل ليشارك فيها بعد أن حرق »بوعزيزي »نفسه. وكانت هذه الرواية، بما تحمل من الكوميديا السوداء، والعناوين الطريفة للفقرات التي توزعت النص، والدلالات الثقافية والسياسية والاجتماعية، وما تقدمه من إضاءات على الحالة التونسية التي تنسحب على واقع الشعوب العربية، والنتيجة التي لا بد أن تؤول إليها. كما أن الغرائبية أو الفنتازيا التي تجلت في الأحلام الكثيرة، وفي أهلاس تخيم على الشخصيات في لحظة الألم القصوى، إضافة إلى الأسلوب والحوار الذي جاء في بعض حالاته باللغة العامية لتبدو الأحداث واقعية بدرجة عالية من الشفافية.

Publié dans الغوريلا | Laisser un commentaire

رواية تستعيد التراث بلعبة حداثية . كمال الرياحي يعمل « المشرط » في واقع تونسي غرائبي 

img_2769.jpg
تفاصيل النشر:
المصدر: الحياة
الكاتب: سلمان زين الدين
تاريخ النشر(م): 13/2/2013
تاريخ النشر (هـ): 3/4/1434
منشأ:
رقم العدد: 18212
الباب/ الصفحة: 18 – آداب وفنون
الواقع الذي يتناوله الروائي التونسي كمال الرياحي في روايته »المشرط »دار الساقي، 2012 هو واقع غارق في الشعبية والغرائبية والسوريالية، يجافي السياق الطبيعي للأمور، يكسر المنجز التاريخي، ويضعنا وجهاً لوجه أمام فضاء روائي غريب، سواء على مستوى الشخصيات أو الأحداث التي تنتظمها. وهي غرابة يصنعها المتخيّل الروائي في إحالة على مرجعي غارق في تخلّفه ومكبوتاته. ولعل إمعان التخييل في تشويه الواقع يهدف إلى تعرية هذا المرجعي وتمزيق الأقنعة التي يواري بها وجهه.
العالم المرجعي الذي تحيل عليه الرواية يؤمن بالمعتقدات الشعبية من سحر وشعوذة وإحياء الأشجار والحيوانات، فالخرّوبة أم غفور تحرس البيت، والثعبان يُخلى له البيت. وهو عالم سوريالي ينتقل فيه تمثال ابن خلدون من مكانه ويروي مشاهدات عجيبة، يقبض عليه الحارس، يُجامع زوجته، تدهسه شاحنة، يستيقظ تمثالاً في ورشة نحّات عصبي. وهو عالم يُستعمَل فيه الدين لتبرير سلوكيات فردية. وهو عالم تُشكّل الموضوعة الجنسية هاجسه الأكبر، وتحضر في النص على شكل مادة حكائية في مغامرة ابن خلدون والاعتداءات التي مورست بالمشرط، ومادة ضمن حكائية من خلال ورودها في حكايات الحكواتي. وهو عالم ينتمي إلى ما قبل ظهور التلفزيون حين يتحلّق الناس حول الحكواتي الذي »يطل عليهم كل صباح اثنين من عالم طالما اشرأبّت أعناقهم نحوه ». ص 71.
إن قراءة الوقائع الروائية، في ضوء التأويل، من شأنها أن تتكشّف عن نتائج خطيرة تعتور الواقع التونسي، واستطراداً العربي، في اللحظة التاريخية التي تتناولها الرواية »فالرجوع الى السحر والشعوذة وإحياء الأشجار والحيوانات يُحيل على تغييب العقل والمنطق في تفسير الأحداث واختيار الأفعال والسلوكيات. ونسبة أقوال وأفعال وحكايات إلى تمثال ابن خلدون، واجتياحه من موجات القمل، وضربه وجَلده أمام الخلق، وإعادته إلى مكانه قسراً إنما تحيل على الدرك الذي يتردّى فيه العلم والعلماء. وتوظيف الديني في تسويغ الشخصي يُحيل على استغلاله لمآرب خاصة. وحضور الجنس من خلال الاعتداءات أو الحكايات يتكشّف عن مجتمع مكبوت يتطلّع إلى التنفيس عن كبته باليد المشرط، واللسان الحكاية. على أن اختيار الكاتب وقائع غريبة / عجيبة/ سوريالية للتعبير عن واقع متردٍّ يعود إلى أحد سببين »الأول أنه يرى إلى الواقع من منظور عبثي، غرائبي، فيلجأ إلى التعبير عنه روائيّاً من المنظور نفسه، والثاني لجوؤه إلى نوع من التقية الروائية يتحلل بها من تسمية الأشياء بأسمائها، واستطراداً من مسؤوليته عن هذه التسمية. وقد يعود ذلك إلى السببين كليهما.
هذه الوقائع الروائية المجافية للمنطق والعقل والطبيعة تنهض بها مجموعة شخصيات تعاني حالات مرضية أو تشوّهات خَلقية. تنتظمها علاقات عابرة تقوم على الشك والريبة، ما يضفي على النص مسحة بوليسية في مكان معين »فالنيغرو عبد أسود، فقير، شبه أمّي، مشطوب الوجه. بو لحية قاص وروائي يقع فريسة تخيّلاته، ويصدّقها، وتتعدّد رواياته للواقعة الواحدة. الفنان مجنون بلوحاته، يأكل نفسه مع كل لوحة، يُطرَد من المستشفى لغرابة أطواره وتسلّله داخل غرفة العمليات. السلطان طويل الوجه، غليظ الشفتين، يتمتّع بقدرات جنسية خارقة. الحكواتي حمزة الثابتة كذّاب كبير يتحلّق حوله روّاد المقهى لسماع حكاياته المثيرة. العاهرة سعاد تفقد مهنتها مع التقدّم في السن. ابن الحجاج عاجز جنسيّاً يعوّض عن عجزه بالإثارة. لطفي زوزو منحرف ومثلي. شورّب »رجل غريب بشقرة بربرية بشعة. يشدّ شعره الأصفر الطويل ذيل حصان. وشم الثعبان المخيف يطلّ من تحت القميص الضيّق… »ص 24. وهو ذو عضلات بارزة وصدر رياضي، يلبس رأس فرعون وصليباً معقوفاً، هو وحش آدمي أشقر. إلى ذلك، ثمة تمثال ابن خلدون الذي ينتقل من مكانه ليعود بحكايات غريبة. ثمة المخّاخ الطائر الغريب ذو الرأس الطويل كرأس البغل والشفاه الغليظة الذي يأكل أدمغة الفضوليين. وهناك النسناس وهو نصف إنسان بنصف رأس ونصف بدن ويد واحدة ورجل واحدة…
على أن اللافت في هذه الشخصيات أنّ ما من شخصية سويّة بينها، فكل منها يعاني عيوباً خَلقية أو خُلُقية. والملاحظ أن الكاتب لم يمنح معظمها أسماء بل اكتفى بالكنية او اللقب أو الوظيفة، وهو، بذلك، يقلّل من واقعيتها، ويجعلها تنسجم مع ما ينسب إليها من أدوار، وما تنخرط فيه من أحداث.
الفضاء الغرائبي، الشعبي، الذي يرسمه كمال الرياحي في روايته، يختزله على لسان تمثال ابن خلدون، لدى تيهه في مجاهل الشمال، حين يحكي عن »أمّة تتكلم عربية غريبة، أمّة برؤوس طويلة وأجسام عظيمة يكسوها شعر مثل وبر الإبل… »، تأكل الأعشاب، أبناؤها يُسمّون بالمنافيخ، لا تعرف الملح، تصطاد النسناس وتأكله، وفيها شجر البطّوم المنشّط جنسيّاً. وهو، بهذا الاختزال، يقول الكثير عن عالمه المرجعي.
هذا الفضاء الروائي العبثي، الغرائبي، يختار كمال الرياحي للتعبير عنه خطاباً روائيّاً يُجاريه في عبثيته، ويمارس هامشاً كبيراً من التجريب. وعلى ملاءمة الخطاب للفضاء، ثمة مفارقة تقتضي الإشارة إليها هي أنه بقدر ما يُحيل الفضاء العبثي، الشعبوي، الغرائبي على عالم مرجعي ما قبل حداثي، فإن الخطاب العبثي، التجريبي، يرتبط بأفق حديث. هكذا، يكون العبثي مرادفاً للتخلّف على المستوى الحكائي، ومرادفاً للحديث على المستوى الخطابي.
على أية حال، تتمظهر حداثية الخطاب الروائي في »المشرط »في أن الكاتب ينسف مفهوم »الحكاية »بالمعنى المتداول في الرواية العربية، فنحن لا نقع في النص على حكاية تنمو أحداثها وتتعقّد حبكتها ويأتي حلّها، بل نحن إزاء أحداث متناثرة تطغى عليها الغرابة ولا تشكّل حكاية. ثمة فوضى منظمة تنتظم الأحداث هي أقرب إلى العبث السردي يمارسه الكاتب في إطار التجريب، لكنه عبث مدروس يعتمد خلطة فنية روائية تُفيد من التراث السردي العربي في قصصه الشعبي حين يطغى التخييل الغرائبي وتتناسل الأحداث بعضها من بعض، وتُفيد من تقنيات السرد الحديثة في جنوحها لضرب وحدة الراوي، ونسف مفهوم الحكاية، وكسر خطّية الزمن…
يعتمد كمال الرياحي تقنية تعدد الرواة، وفي هذا الإطار، قد تُروى الواقعة الواحدة من منظورات عدة، وتختلف من منظور إلى آخر. ويطعّم نصّه بأخبار صحافية أو تلفزيونية، ومقتبسات كتبية، وتصاريف مشعوذين، ويوميات شخصيات، فيلاقي التنوّع النصّي هذه الخلطة الغريبة، العجيبة، من الأحداث. هذا الخطاب تحمله لغة سردية تؤثر الجمل القصيرة والمتوسطة، تُقلّ من أدوات الربط، تجنح للتصوير الكاريكاتوري والمبالغة كما في: »بو لحية يتمرّغ بين السطور »ص66، و »جرحي يسطّر وخدي طبلٌ يقرع ألمه »ص67. وقد تعتمد التشخيص كما في: »الشمس تعثّرت في ثوبها… »، و »القمر المخمور لم يظهر هذا المساء »، و? »الحانة كعادتها تقذف أحشاءها… »ص76. وقد تؤنسن المكان »شدّوا خدّي الشارع فانفتح فمه المقرف الأبخر »ص77. على أن الكاتب يستخدم هذه التوابل البلاغية بمقدار يُطيّب الطبخة النصّية ولا يُفسدها.
في »المشرط »يكسر الرياحي مجموعة سياقات »يكسر سياقاً لغويّاً فيستخدم أداة »المشرط »في غير ما وُضعت له، ويكسر سياقاً تاريخيّاً فينسب إلى ابن خلدون غرائب الأقوال والأفعال، ويكسر سياقاً طبيعيّاً فيلجأ إلى ما يجافي المنطق الطبيعي، ويكسر سياقاً روائيّاً فينسف مفهوم الحكاية ويمارس عبثاً سرديّاً وفوضى منظّمة. ولعل هذا ما يمنح الرواية اختلافها عن السائد الروائي من دون أن يكون الاختلاف، بالضرورة، قيمة إيجابية. فالتجريب بالمطلق قد تترتّب عليه نتائج وخيمة.

Publié dans المشرط | Laisser un commentaire

سليم دولة في حوار مع كمال الرياحي

إلى ذلك اليوم الكافكاوي الذي حرّضني على محاورة سليم دولة أقول شكرا أيها اللّعين لقد دفعتني إلى متعة لن تندمل.
١المفكر الحر سليم دولةيمكنك العثور عليه بسهولة في أحد المقاهي التونسية أو المكتبات الموبوءة بالفقدان، في شارع الشوارع، في مقهى “لينيفار”. أصبح للرجل حلقته الخاصة التي تتّسع يوما بعد يوم كما ذكرت إحدى الصحف التونسية، أصبح للشيخ مريدون يتحلّقون حوله مثل سقراط المدينة ليستمعوا لكلامه المختلف.
تجمّعت فيه رومانسية العالم وعنفه، خليط غريب من سحر الشرق وعقل الغرب. كان يتحسّس شاربه النيتشوي صحبة قلقه الدائم مقلّبا أوراق كتاب “ستندال” حين أفسدنا عليه تجلّيه بتحيّتنا وعرضنا عليه إجراء الحوار.

سليم دولة

علمت قبل ذلك أنّ الرجل يرفض المقابلات والحوارات، فلا يقبل الحديث إلى صحيفة أو مجلّة إلا نادرا، لكنّه فاجأنا بالقبول، وتورّط بذلك الوعد، و عرفت بع ذلك أنه رجل لا يخلف وعده أبدا لذلك هو قليل الوعود, داهمناه يوما مدجّجين في الأسئلة، وكانت الجلسة الأولى والثانية فالثالثة… وكادت متعة الأجوبة تنسينا أننا بصدد حوار، هذا الحوار الذي انتشر خبره كالنّار في الهشيم بين أوساط المثقفين والبصّاصين الذين أصبحوا يسألون باستمرار عن موعد ظهوره .

سليم دولة هذا الكافر بنواميس الكتابة التقليدية، رجل صاحب عقل متوحّش يتجوّل في الشوارع الخلفية للفكر الدغمائي ليفتّق حواشيه ويرتّق مُزّقه. عاشق للغة والمتون التراثية، منقّب في أدمغة التاريخ، يشقى سعيدا بالحفر في الممنوع، “كاتب حرّ” كما يسمّي نفسه، متحرّر من الضوابط و الفضاءات يحمل أحلامه الطفولية القديمة وكوابيس كهولته الحديثة وهو يجندل الشوارع بشكل انتحاري،
صدر له:

ما الفلسفة؟
ما الثقافة؟
كتاب الجراحات والمدارات
كتاب السّلوان والمنجنيقات
قدّم لكتب كثيرة (دواوين شعرية وكتب تراثية …)
له عديد المقالات الفلسفية والسياسية في الصحف و المجلاّت العربية.

من مؤلفاته المخطوطة:

بيان بغداد السقراطي

طاف بنا هذا الحوار في أجواء الفلسفة والحبّ والإبداع والسياسة والفكر وعرّج بنا على عوالم الموت والانتحار…فيه أجوبة خاصة لأسئلة خاصة نحتناها بشكل مخصوص لـ”كاتب استثنائي” كما تسمّيه أحلام مستغانمي ، كاتب مسكون بايتيقا الرّفض، رجل هارب من عوالم الأساطير…من اللاّمعنى إلى المعنى.

الحوار

صباحك فلسفي, تأتي إلى الفلسفة من الصحراء (مدينة قفصة) هل يمكن للفلسفة أن تكون بدويّة صحراويّة ؟
ما هذا الاحتياطي من الاستفزاز الصباحي الذي توفّر على كميّة من المكر الصحفي؟ سأبادلك مكرا بمكر، تتحدّث عن قفصة حاضنة التراث البدوية كما يسمّيها صبحي حديدي في حين أنها تسمّى “مدينة التدقيق والتحقيق” ولو دقّقت وحقّقت في الوريقة الأولى من كتابي “الجراحات والمدارات” لأدركت بلا عناء بصري أنه ورد فيها : » مدينة قفصة مدينة كبيرة قديمة أزلية وكان على أحد أبوابها كتابة منقوشة على حجر من عمل الأُوَّلِ تُرجمت فإذا هي “هذا بلد تدقيق وتحقيق” «. من هذه الملاحظة تتبيّن نسبة المدينة التي انتمي إليها إلى القدامة ببعد أزلي، باختصار، إنّها أقدم من أقدم عواصم الدنيا وأقدم من قرطاج أصلا. هذه مدينة سُكّت بها عملة تسمّى “القفصي” وكما هو معلوم اللحظة الحضارية التي تتوصل فيها مدينة ما أو بلد ما إلى التداول بالعملة يعني أنّها تخطّت مستوى عقليّة اقتصاد المقايضة وأكثر من ذلك يمكن استحضار مفهوم الورد إذ نتحدّث عن “ورد الرمل”، فقفصة بهذا المعنى إنّما هي سليلة مفارقة عجيبة إذ تنتمي إلى مطلقين واحد يفتح على سجلّ الصحراء وما تتوفّر عليه من متاهات رمليّة وواحد يفتح على متاهات حضارية، إنّ وضع قفصة بهذه المفارقة ليشبه وضعي تماما.
كيف ذلك ؟
أنا بدويّ الانتماء سلالة وبدوي في ممارسة تيهي، إذ كيف لبدوي لم تلجمه الصحراء أن يشتغل بالفلسفة، زهرة المدن وسليلة الرياضيات والهندسة والجبر والإحصاء والحساب ؟ فإذا كانت الفلسفة على رأي ذلك الألماني المرعب “هيجل” إنّما هي وردة العصور وزهرة المدن فإنّ ما قادني إليها يمكن اعتباره شيئا شبيها بهذا، وهو الشعر والذي هو في نهاية التحليل زهرة الصحاري رغم أنّ الشعراء يزاولون وجودهم في المدن وما يستلزم ذلك من رهافة عيش وتنوّق كما يقول ابن خلدون إن على مستوى المعيش اليومي أو على مستوى رهافة المخيال الجماعي، فالذي قادني إلى اختيار الفلسفة شاعر وناثر، أمّا الشاعر فهو ذلك الضرير الذي أبصر ببصيرته، أقصد “المعرّي” إذ عثرت يوما على كتاب في جبّانة تسمّى جبّانة “سيدي المقدّم” أثناء اتياني بكرة أفلتت منّا أثناء اللعب ونحن صغار – عمري 14 سنة – وإذا بلفافة من الأوراق الصفراء متروكة لحالها هناك فكأنما لسان الكون وفق لغة صاحب المقدمة قد دسّها كلعنة في طريقي، أخذت هذه اللفافة من الأوراق ولما أنهينا اللعب عدت إلى البيت وفتحتها وإذا بي أقرأ أوّل ما أقرأ هذين البيتين :

سألتُ عن الحقائق كل يوم فما ألفيت إلاّ حرف جحدٍ

غير أنّي أزول بغير شـكّ ففي أي البلاد يكون لحدي

لم تكن أوراق مسفّرة فظننت أنّ هذا الكتاب في السحر بفعل تداول الكتب السحرية في “قصر قفصة” وكما ترى إن هذه الأبيات الصاعقة قد استجابت للتوّ مع هوى في نفسي المتمثّل في الشعور باليتم ذلك أني عشت في مقام اليتيم ففعلت هذه الأبيات فعلها وأخذت أنزوي تدريجيا وأمارس ضربا من العزلة والانقطاع عن اللعب، كما اتّفق أن كلّفني أستاذ العربية، وأذكر أنّ اسمه “سعيد الدقّاشي”، بتلخيص كتاب “قادة الفكر” لطه حسين وموضوعه الشخصيات التي قادت الفكر فعلا من ذلك تساؤل “طالاس” ومدرسته عن أصل الأِشياء، من أين ؟ وإلى أين ؟ فكانت ثاني الصدمات التي اقتلعتني من عالم الطفولة وبهجته و”فلسفته العفوية” إلى طرح أسئلة من النمط الوجودي والتي يطرحها غالبا الأطفال بسريّة فائقة خوفا من السلوك الانضباطي ضدّهم، من ذلك كنت أتساءل كيف لزوجة والدي، والتي تحفظ ستين حزبا وتحدّثنا عن الغزالي والسحر والطلسمات وعن ابن خلدون أن تعاملني بطريقة تختلف عن تلك التي تعامل بها أبناءها. فهذا الشعور بأني غريب بين أهلي انضاف إليه الشعور بغياب الأمّ وبثقل وجاهة اسم العائلة قد شكّل ضغطا عليّ إلى حدّ وضعت فيه كل أشكال المقدّس الميتافيزيقي والاجتماعي موضع تساؤل ولم أتخلّص حتى هذه اللحظة من ثقل اللحظة الطفولية، فترى إذن أن مدينة قفصة هي مدينة عجائبية لا وسطيّة لدى أهلها إمّا أن يكونوا متمرّدين على كل أشكال السلط أو أنّهم انتهازيون وانبطاحيون إلى أبعد الحدود لذلك لم تقم لهذه المدينة من قائمة منذ الاقتحام الموحّدي.

مدينة يسكنها الملاك والشيطان ويتحالفان أحيانا ويدفعان ببعضهما البعض، وثمّة مثل سائر يهجو أهل قفصة ومؤدّاه “صُحبَتُك في قفصي كِماكلْتك في تبْسي” (صداقتك لقفصي مثل أكلك في تبسي) والتبسي آنية فخارية قابلة للانكسار في أي لحظة لذلك تنتشر العقلية التمرّدية كما العقلية التبريرية الانبطاحيّة.
إذا كانت الفلسفة بحثا في ما الإنسان ؟ فهل انحسارها اليوم دليل على أن الإنسان لم يعد يحتاج إلى معرفة نفسه ؟ أم أنّه فقد الحاجة إلى السؤال لأنّه فقد إنسانيته أصلا ؟!
كان “كانط” نبّهنا فعلا إلى أنّ الأسئلة في الفلسفة والتي هي ماذا يمكنني أن أعرف ؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل ؟ وما الذي يجوز لي أن آمل ؟ بإمكاننا اختزالها في سؤال رئيس وحاسم : ما الإنسان ؟ وكما ترون هذه الأسئلة منها ما يفتح على السجلّ الابستيمولوجي – المعرفي – العلم والمعرفة، كما يتعلّق بالشأن الأخلاقي وايتيقا السلوك وبالرجاء والأمل، وسؤال الأسئلة إنما هو الإجابة الكليّة عن مركز الاهتمام الرئيس وهو الإنسان.

ويعنيني اللحظة أن نتدبّر أمر الاستنتاج الممكن فيما يتعلّق بهذا الموقف الكانطي الذي حدّد خارطة التفلسف، الإنسان كائن معرفة وكائن ممارسة وكائن أمل وكائن تساؤل، أمّا من جهة كونه كائن معرفة فإنّ الخطر الكانطي، والخطورة بمعنى الأهميّة، إنما تكمن في أول جملة قد صاغها في كتابه “نقد العقل المحض” إذ أقر بأنّ : » ثمّة قدر فريد للعقل البشري وهو أنّه يطرح أسئلة تتعلق بجانب من معارفه ليس باستطاعته تلافيها البتّة «. ما هو هذا السؤال الذي لا يمكن تلافيه، إنه سؤال الميتافيزيقا – الماورائيات. بهذا المعنى الإنسان حيوان ميتافيزيقي، بلغة أكثر وضوحا حيوان ديني، ومهمة الفلسفة كانطيا تتمثّل في ما يمسّى الوعي بالحدود، حدود مستطاع العقل وحدود لا مستطاعه، أكثر من ذلك قد شبّه كانط الفيلسوف بالشرطي إذ أنّ الفيلسوف النقدي عليه أن يمتحن بدءا مقدرة العقل على تخطّي أو عدم تخطّي مُستطاعه بذلك تتمثّل ما يسمّى بالثورة الكوبارنيكية التي أنجزها كانط في وضع حدود للعقل الدوغمائي، ذلك الذي عاش أكثر من ألفي سنة على وهم معرفة الله والنفس وبدايات العالم كما تُعرف قوانين الفيزياء ومسائل العقل العلمي.

باختصار، لقد دعا كانط للاقتصاد في إينيرجيتيقا العقل لئلاّ يبدّدها في مجال الميتافيزيقا. وتسمّى هذه ثورة استثنائية في الفلسفة، أمّا حين يزاولها فلاسفة آخرون في فضاء ثقافي مختلف مثلما هو الشأن في الثقافة العربية الإسلامية يعتبر ذلك تحطيما وتهديما للفلسفة وجناية فاحشة ضدّها وتجريما لمن قاموا بذلك دون تمييز بين السجلاّت أصلا كما حدث ويحدث مع الغزالي مثلا وابن خلدون مثلا وابن تيميّة أيضا، إذ يعتبر كثير من “الخلق” الجامعي الذين درَسْتُ عليهم أن ابن خلدون أبطل الفلسفة وشنّع بمنتحليها وقد ورث ذلك عن الغزالي، إلى غير ذلك من الأكاذيب والأعاجيب الأكاديمية دون تنبيه إلى أنّ المجال الذي تمّ فيه نقد الفلسفة والعمل على إبطالها أصلا إنما هو مجال الميتافيزيقا ليس مجال تدبير السياسات المدنية أو سائر النشاطات الإنسانية، فكيف لدكاترة كبار أن يصابوا بالعمه النظري ولا يعملون على أن يكونوا وسطاء صادقين وموضوعيين بين الفلاسفة الكبار وبين الطلبة، فالمطلوب إذن، إنما هو الوعي بالأخطاء الأكاديمية والأوهام الإيديولوجية ذلك أننا نصرّ على أن نقرأ لدى الفارابي أو ابن سينا أو الغزالي أو ابن باجة… إلخ، إلاّ ما نرغب في قراءته، وأذكر عبارة للمفكّر المغربي “محمد عابد الجابري” موحية في هذا المجال حينما ينبّهنا إلى خطر القراءة المتذكّرة في حين أنّ المطلوب هو القراءة المفكّرة. ذلك أننا غالبا ما نقرأ المتون متذكّرين مجموع آرائنا المسبّقة فنصرّ على أن نجد في هذا النصّ أو ذاك ما نرغب في وجوده ونصاب بالعمى عن الجديد لديهم أو عن تردّداتهم وحدوساتهم وتلمّساتهم الليليّة إذ وحده الفكر الدوغمائي يصرّ على أن يجد مسبّقا ما يجب أن يجده في المتن المقروء، من ذلك هذا الوهم المعاصر الحديث عن “موت الفلسفة” وهو ما يتطلّب وقفة متأنّية، فما الذي يبرّر هذه الوقفة المتأنّية؟

إنّ العصر الذي نعيش لو نكتفي بمجرّد تصفّح لعناوينه الإعلامية والإعلانية دون إعمال عميق للعقل النقدي لتبيّنا أنه عصر قيامي ومأتمي وجنائزي، ذلك أنّ التحدّث بصيغ مختلفة ومتعددة عن الموت “موت الكاتب”، “موت المؤلف”، “موت العمل”، “موت المدرسة”، “موت الدولة”، “موت الأمّة”، “موت العائلة”، “موت الله” وآخر الميتات ربّما إنما هي “موت الإنسان” و”موت الرواية”
وكلّ موت إنما هو يتمّ لصالح حياة وكل اختفاء يتمّ لصالح ظهور، من ذلك أنّ ما يسمّى بـ”موت الله” في الفكر الغربي كأنّما هو الشرط الرئيس لولادة الإنسان، ليس أيّ إنسان وإنما إنسان التنوير ضدّ إنسان اللاهوت والميتافيزيقا والتزوير تماما كما موت الإعلام إنّما يتمّ لصالح الإعلان والإشهار إلى حدّ غدا معه الإعلام مجرّد فعل إشهار أو “تشهير” كما “موت الرواية” إنما يتم لصالح ما يسمّى بالتحقيق الصحفي و”موت الأمة” إنما يتمّ لصالح العولمة و”موت التاريخ” يتمّ لصالح تفتيت الجغرافيا. كما أنّ “موت العقل” يتمّ لصالح مديح العقوليات. ما يمكن ملاحظته أنّ الفلسفة ذاتها، وهي موضوع حديثنا، يتمّ قتلها يوميّا لصالح الميديولوجيا، فنرى كيف أنّ الإيديولوجيا تذيب الفاعلية النقدية للفكر الحرّ في “الحامض الفسفوري”، وفق عبارة سارتر، في الميديولوجيا، وبذلك تظهر الإيديولوجيا في شكل أرقى نتاجات التكنولوجيا تخفّيا.

أصبحت عبارة “تفلسف” تترادف في متداولنا اليومي مع مفهوم الثرثرة والكذب والخبل واللغو… ما الذي حلّ بالفلسفة لكي تتدهور أحوالها ؟ كيف تحوّت تلك الشجرة الوارفة الظليلة إلى فزّاعة خاوية ؟!!
إنّ السخرية من الأسئلة الحاسمة أمام أشكال الدوغمائيات والدكتاتوريات، إذ لا أحد يجرؤ أن يقول كلّ ما يفكّر فيه حقّا وحقيقة، تظلّ دائما ثمّة مناطق وحالات وأوضاع مسكوت عنها بفعل استحضار الوعي الانضباطي والتدابير الانضباطية ضدّ حريّة التفكير والتعبير لذلك وحدها زلاّت اللسان كما زلاّت القلم بالمعنى الفرويدي تقول ما لا ينقال وإن كان قد قيل تورية أو مجازا أو كناية أو صمتا، ذلك أنّ الصمت منذ ثورة التحليل النفسي لم يعد مجرد انقطاع عن الكلام بالرغم من المقدرة عليه. وإنّما أصبح الصمت “ترجمان أشواق” مغدور بها، مقموعة ومغيّبة إلى أكثر المناطق ظلمة وسديميّة وكبتا، غير أنّ للمكبوت ثارات من ذلك مثلا أن الانحراف اللساني والتوعّك الشفاهي حينما ننطق كلمة “فلسفة” غالبا ما ينحرف لسان العامة والخاصة أيضا كما العوام فيستبدل مواقع الأحرف فتصبح الفلسفة “فلفسة”، وأذكر أوّل مرّة سؤال أمّي البدوية : » آش اِنْ هي الفلفسة التي تريد أن تردسها في الجامعة ؟ « لقد استوقفني توعّكها اللفظي فقلت لها : » أنا لا أدرس “الفلفسة”« فأجابتني بعفويتها : » من أين لي أن أعرف الفلفسة أو فلفسة أمّك ؟ «. وأصرّ لسانها على التوعّك، وهذا الانحراف الحرفي ليس بريئا ذلك أنه يمكن قراءته على أنه انتصار للأفلاطونية لدى العامة ضد نمط آخر من الأداء الفلسفي المتمثّل في تشويه معلّمي البيان – السفسطائيين – ذلك أنه يقترن في أذهاننا فعل الفلسفة “بالفساد” و”الإفساد” و”التزوير” و”الكذب” فكثير التكذاب نطلق عليه “السفسوف” المقترن بالضحالة والتفاهة وترويج الأراجيف وإفساد الجماعة ونشر الشرّ. فترى أنّ الفلسفة سيئة الذكر حتى إنه لتحتاط أكثر من عائلة، كما حدث معي، أن تزوّجك ابنتها باعتبار أنّك، إلى جانب أنك “كافر” و”ملحد” و”كذاب” أنت “مزوّر” ولا يؤتمن لك جانب. من هنا ندرك، ربّما، احتياط النص القرآني بأن لم يذكر كلمة الفلسفة ولو مرّة واحدة وتدبّر أمره باستعمال كلمة “الحكماء” وكل ما يشير إلى “الحكمة”.

إنّ غياب كلمة الفلسفة من النصوص المقدّسة يدعو إلى التفكير فما الذي يبرّر هذا الغياب ؟ كيف يمكن لنا أن نستنطق هذا الغائب وإن كان حاضرا بالممارسة وغائبا بالتسمية ؟ ألم يتمّ الانتقال من حضارة “الميتوس” إلى “اللوقوس” بفضل نمط من التعقّل الجديد للإرث القديم فكان المرور من الميتوس إلى اللوقوس لدى اليونان كما تمّ لدينا المرور من “حضارة الشعر” إلى “حضارة الشريعة” ؟
ألم يقترن الشعر في الذهنية العربية الإسلامية “بالزيف” و”الكذب” و”الجنون” و”الغواية” ولم يسلم الأنبياء أنفسهم من التهمة عينها إذ نسبو “للكهانة” و”السحر” “التنجيم” ؟

إنّ للكلمات غوايتها وحيلها، ألا نستعمل في متداولنا اللساني اليومي التونسي عبارة “أنجّمُ” بمعنى “أستطيع” وعبارة “أنا لا أنجّم” بمعنى إني لعاجز عن القيام بهذا الفعل ؟ ومجرّد التفكير في تسلّل هذه العبارة إلى وعينا اللغوي اللساني يبيّن لنا أن الإنسان المعاصر يمكن أن يعيش في زمن الحداثة بإرث لساني موغل في القدامة. أليست وراثة الكلمات في جانب من جوانبها تعني وراثة المواقف والأحكام ؟ من ذلك نستنتج ببساطة مطلقة أنّ الفلسفة إنما هي سيّئة الذكر في منتظمنا الحضاري بفعل “المقدّس” و”المقدّس المزيّف” وهو ما يبرّر إعادة النظر في ما معنى الفلسفة أصلا في حضارة تستند إلى الوعظ والإرشاد ؟ ماذا لو نفكّر في أمر الوعظ أصلا ونجترح تعريفا للفلسفة على قياس الوعظ ؟ فما الوعظ ؟ إنّه “تليين القلب”، فإذا كان الأمر كذلك بإمكاننا أن نعرّف الفلسفة بأنها “تليين للعقل”.
هل يمكن الإنسان أن يحافظ على وجوده، باعتباره إنسانا، في هذا الرّكام من الأشياء والنفايات ؟
الإنسان بدءا إنّما هو كائن الثقب والنفايات، لم يكن قيصورمون Goysorman مخطئا عندما عنون واحدا من كتبه بعنوان دال « Le monde poubelle »، “عالم النفايات”، بأكثر دقة “عالم القمامة” وأكثر من ذلك، لقد أصبح ثمّة نشاطات كثيرة وموارد رزق ومواطن شغل إنّما تتمثّل في صناعة النفايات، وما يسمّى بالرسكلة لا يزيد عن كونه فعلا إعادة التصريف والتصرّف في البقايا، والمثال الأكثر إرباكا إنما هو المتاجرة بالأعضاء، إذ ما معنى أن يبرم المحتضر عقدا على بيع أعضائه لبنوك الأعضاء كما يبيّن بحذق استثنائي “دافيد لوبروطون” في كتابه “انتروبولوجيا الجسد والحداثة” حيث نبّهنا إلى أننا مررنا من الأمومة البيولوجية الرحميّة إلى الأمومة الأنبوبيّة، ومررنا من استثمار البذور النباتية إلى البذور المنويّة. كما المرور من اكتراء الشقق والعمارات إلى بيع البويضات واكتراء الرحم. لقد تمّ تفكيك المتناهي في القداسة، الأمومة الرحمية، إلى تداول الأمومة الأنبوبية. لقد كتب مفكّر فرنسي مؤلفا موحيا بمجرّد عنوانه “الأجساد المحوّلة ومكننة الكائن” وهو ميشال طيبون كورينيو، ذلك أننا مررنا حضاريا من النظرة السحرية، الشعرية، والجمالية، والإلغازية للمغلق الجسدي إلى النظرة الآلية، الأداتية، الميكانيكية للكائن الذي استحال إلى مجرّد جسد، لا بل مجرّد جسم. فإذا كانت النجاة في ما مضى تنسب إلى الروح فإنّ النجاة الآن في حضارة الصورة أصبحت تنسب إلى الجسد كما بيّن ذلك بدقة فائقة صاحب كتاب “التبادل الرمزي والموت” وكتاب “مجتمع الاستهلاك” جون بودريار ومن هنا ندرك بأكثر عمق أهميّة الانقلاب الحضاري الذي نعيش نحن العرب المسلمون، ذلك أننا مررنا بالرغم عنّا من حضارة السورة والآية إلى حضارة الصورة والآلة. فالآية لم تعد تتعلّق بالمغلق، مغلق العالم، مغلق الجسد، وإنما أصبحت تتعلّق بالمفتوح، مفتوح العوالم ومفتوح الخلوي ومفتوح السلالة ومفتوح الثقافة تماما كما تمّ المرور من المغلق الماهوي العقلي إلى مفتوح المعقوليات والمرور من العالم إلى العوالم ومن “المستبدّ” إلى “الديمقراطي”، وعبارة “استبدّ” تستدعي وفقا لميراثنا اللغوي تأمّلا نقديا من جهة الاستعمال اللغوي ذلك أن فعل “استبدّ” يحيلنا مباشرة على الربوبية والألوهيّة : “استبدّ” جعل من نفسه بُدّا بمعنى ربًّا ومن هنا ندرك لماذا عنون ابن سبعين المرسي الأندلسي كتابه بعبارة “بُدُّ العارف” والذي أغرب ما في الأمر أنه انتحر بمكّة وهو الذي وسم الفلاسفة وشناهم بـ”المموّهين” و”الممخرقين” معنى ذلك أنه سعى إلى مصادرة الفلاسفة انتصارا للدين، فكيف نفسّر انتحاره ؟

هل انتحر حقا أم “نُحِر” ؟! ذلك ما يتطلّب تدقيقا وتحقيقا. مرّة أخرى إن الفلسفة سيّئة الذكر، وأنباء حرق الكتب معروفة في تراثنا العربي، وإن كانت ليست ميزة عربية، ولقد أصدرت دار الجمل بألمانيا كتابا مهمّا “يُأرشِفُ” للمحارق ولما يشبه “محاكم التفتيش” ويكفي فقط أن نتصفّح الفصل ما قبل الأخير من “حي ابن يقظان” لابن طفيل الأندلسي وكتاب “مداواة النفوس” لابن حزم الأندلسي وهو آخر ما كتب في حياته لندرك أنّ وضع الفلسفة ليس على أحسن حال، لقد تم حرق كتابي الأول “ما الفلسفـة ؟ ما الثقافة ؟” في الثمانينات من قبل أكثر من جهة لأمر بسيط وهو أنّي أوردتُ فيه نصّا في إدانة الفلاسفة كان قد أصدره المنصور ابن أبي عامر لمّا سُجن ابن رشد في مدينة سيّئة الذكر أندلسيّة.

لماذا نذهب بعيدا ؟ لما أصدرت كتابي “الجراحات والمدارات” تم الاعتداء عليّ شخصيا وأحمل آثار هذا الاعتداء كشرخ حاضر عند رأسي وفي صلعتي تحديدا إذ تمّ تعنيفي من جهات لا أعرفها والتهمة هي التفكير خارج ما أسماه محمد أركون “الأسيجة الدغمائية”.

ألا ترى معي أنّ سؤال الفلسفة والعلم أصبح أكثر إلحاحا اليوم، نحن نعيش زمن العلم بامتياز ولكن شوارعنا مزدحمة مثل صحفنا بلافتات المشعوذين وبياعي السخف. هل نحن بحاجة إلى فلسفـة أم علم ؟
من أهمّ مهمّات الفلسفة بيداغوجيا العمل على تحديد المفاهيم وهو ما يبرّر استنطاقي لسؤالك، ما الذي تعنيه بـ”العلم” و”الشعوذة” ؟ إنّ من أبسط تعريفات “العلم” وأكثرها إجرائية المعرفة العقلانية بالقوانين وذلك يفترض أن الظواهر التي تحدث إن على مستوى الطبيعة أو على مستوى المجتمع لا تحدث صدفة وإنما لها منظومة من الأسباب تقود إلى إنتاج ظواهر محددة سواء تعلّق الأمر بما يسمّى بالعلوم الدقيقة أو الإنسانيات فلا بدّ لنا إذن من التمييز بين تعريف العلم وموضوع العلم ومنهج العلم والحقيقة العلميّة حتى نتبيّن ما إذا كنا علميين في نظرتنا لما يدور حولنا وإلى ما نحن خاضعين له كذوات فردية وجماعيّة. إن العلم بمعناه الوضعي من جهة الموضوع إنما يدرس كل ما هو قابل للزيادة والنقصان، يعني كل ما هو مقيس يخضع للإحصاء ويخضع لسببيّة موضوعيّة تتخطّى الإرادات الذاتية والمزاجيّة وكل ما يحيل على الغواية والإشتهاء الذاتي بهذا المعنى ربّما ندرك التأكيد الخلدوني على ضرورة التمييز بين “ميزان الذهب وميزان الحطب والحجر والخشب” فمجال الطبيعة يُقاس بميزان الكثيف في حين أنّ مجال العواطف والأهواء والذوق يُقاس بميزان اللطيف. تتمثّل الثورة العلميّة في المجتمعات التي شهدت أكثر من ثورة كوبارنيكية في الإيمان بأنّ ما يحدث لا يحدث هكذا صدفة وإنما يخضع إلى أسباب محددة مسبّقا وإلى فواعل لاحقة لذلك ربّما ندرك أهمية الثورة الخلدونية في كتابة التأريخ، إذ كان قبل الثورة الابستيمولوجية الخلدونية لا يزيد عن كونه سلسلة من الأحداث والحكايات المرتبطة رأسا برغبات الملوك والسلاطين والأمراء ومن يسميهم أصحاب “الجاه والتجلّة” وهذا المنزلق النظري إنما هو الذي وقع فيه المسعودي والبلاذري وحتّى من أسماهم ابن خلدون “فطاحلة المؤرّخين”. أمّا وإن تمّ التعمّق في تفسير الظواهر خلدونيا فإنّه لا بدّ أن ندرك أن للظواهر الاجتماعية تعليلا بمعنى تحديدا، للأسباب والمسبّبات من ذلك أن الدولة من جهة تكوينها الجنيني وعمرها لم تعد خاضعة لمجرّد الصدفة ولا إرادة أو رغبة هذا السلطان أو ذاك الأمير أو هذا الحاكم أو ذاك وإنما أصبح للدول أعمار “كالتي للبشر : جيل للتعب وجيل للذهب وجيل للحطب”. بقطع النظر عن المرجعيّة التفسيرية والتأويلية للخطاب الخلدوني فإنه يكفيه شرف “إرادة المعرفة” من تحويل كتابة التاريخ وفق المرغوب فيه أميريا وسلطانيا إلى تاريخ يخضع لمنطق الصرامة والضرورة ومن هنا ندرك أهميّة التوقّع وإن كان الأداء الخلدوني يخضع بدوره إلى ما يشبه القدر، استحضر عبارته الموجعة وهو يتحدّث عن العرب زمن انكسارهم واندحارهم حينما يعلن بمرارة من ولد في “تربية الباي” التونسية » كأنما لسان الكون ناداهم أن أدبروا فاستجابوا له «.

وغالبا ما نعلن بشراهة نرجسيّة أن ابن خلدون قد سبق أوقيست كونت في تأسيس علم الاجتماع وفي هذا البلاغ الادّعائي اعتداء مزدوج : اعتداء على ابن خلدون واعتداء على أوقيست كونت، فكيف ذلك ؟ إن ابن خلدون إنما هو مُدشّن “علم العمران” و”علم العمران” يمثّل منظومة الحالات والتحوّلات التي تمس مجموع فسح المجتمع ويكفي فقط تصفّح فهرست المقدمة لندرك إسهامه الانتروبولوجي السياسي والاجتماعي وما يسمّى اليوم سيميولوجيات الحياة اليومية ومن ذلك مثلا رصد “نحلة المعاش” لدى أصحاب شظف العيش وأصحاب التنوّق في الحياة فالنعت الوحيد الذي يجب أن يبقى في كل لغات العالم للاختراع الخلدوني هو “علم العمران البشري”. لماذا هذا التأكيد ؟ لأنّ علم العمران أشمل من السوسيولوجيا لدى أوقيست كونت ذلك أنّ الاكتشاف الخلدوني إنما هو اكتشاف انتشاري بإمكان أحفاده أن يحملوه إلى مداه فتتوفّر لديهم مجموعة من العلوم الذريّة أو القطاعية من ذلك مثلا “آداب السفرة” و”آداب المآكلة” و”آداب الاحتفالات الجنائزية” إلى غير ذلك من سائر الحقول التي أشار إليها دون أن يتبسّط فيها، في حين أن أوقيست كونت يؤرّخ سوسيولوجيا للتقدّم وأراد أن يجعل الانتصار العلمي مقام الانتصار اللاهوتي فكأنما العلم كونيا يقوم مقام المفعول اللاّهوتي. إنّ الخلدونية، وفقا لمقولة التسويق الكونية، لماذا ؟ لأنّ ابن خلدون ترك مجالات “للمخيال، وترك للأخطاء” و”للأوهام” و”للتردّدات” فُسحها بينما أوقيست كونت طالب بصرامة استثنائية أملاها عليه الشرط الوضعي وإن كان قد دعا إلى فيلسوف جديد “مختصّ في عدم الاختصاص” وظيفته الأساسية التأليف والتوليف بين جميع جُمَّاع المنجز العلمي إذ لا ننسى أنّ القرن الثامن عشر إنّما هو العصر الوريث لأفكار كلّها تؤمن بـ”التقدم” و”التغيير” و”الدوران” و”الثورة”. فزمن أوقست كونت إنّما هو زمن أفقي وزمن ابن خلدون إنما هو زمن دائري إلى حدّ أنّه يمكن أن نطرح معه مسألة الوجه الهندسي للأفكار إذ ثمّة أفكار يمكن نعتها بالدائرية وثمة أفكار أفقيّة من ذلك عبارتنا المتداولة عاميا “ما يعْجبكْ في الدهر كان طوله”. هذه الفكرة تبدو ظاهريّا فكرة أفقيّة في حين أننا لو تدبّرنا أمرها جيّدا لأدركنا أنها فكرة دائريّة ودائرية بامتياز، هذه العبارة تفتح على فكرة الشعوذة ودائريّة الزمان تحديدا.

إذن، ما الشعوذة ؟
ما الشعوذة ؟ وما السّحر ؟ وما الطلسمات ؟
إنّها جميعا تحيل على إيمان ما. إيمان بماذا ؟ الإيمان بأهميّة اللغة، اللسان، البيان، القادر على تحويل الطبائع والعناصر، ذلك أنّ السحر كما الطلسمات إنما هو الاعتقاد في سلطة اللغة سواء أكان سحرا أسود أو أبيض ومعادلته السيميائية هو التفريق والمباعدة كما المباعدة بين الزوج وزوجه والمباعدة بين الابن وأبيه، من هنا نفهم لماذا تمّ اتّهام الأنبياء والرسل بتغيير “علاقات الطين”/العصبية بـ”علاقات الدين” ذلك أن الكثير من الأبناء قد مارسوا ضربا من العقوق تجاه الآباء كما مارست الزوجات المضطهدات العقوق تجاه الأزواج المضطهدين كما مارس العبيد ضروب الأبوق والتمرّد ضدّ الأسياد بمعنى أن كلّ الثورات سواء تمّت باسم السحر أو الدين أو الطلسمات أو أيّ ضرب من ضروب الوعي الثوري العقلاني إنّما هي تفجير لمنظوم علاقات القرابة القديمة واستبدالها بعلاقات قرابة جديدة فالفاعل الرئيس في حقل الشعوذة هو الإيمان بإمكانية تحويل الطبع إلى طبائع وتحويل المكروه إلى محبوب والمنبوذ إلى مقبول والمجروح إلى سليم والفقير إلى غنيّ والمرؤوس إلى رئيس، إلى غير ذلك من متواليات المفارقات. أمّا وأن تنتصر العقلية الشعوذيّة في المجتمعات الأكثر علمانية وعلمنة فذلك يعود إلى ما يمكن تسميته بالتسريع الاغتصابي للتاريخ. فما معنـى هذا ؟

ذلك يعني أنّ للجغرافيات كما للشعوب خصائص تمييزية واختلافية لابدّ من الانتباه إليها على أقلّ تقدير من أفق حكم الانثروبولوجيا الثقافية، فإذا قلنا أنّ الشعب الفرنسي كما نبّه إلى ذلك جورج بولينتزير – المغتال نازيا – من أخصّ خصوصياته : “الدفاع عن الحرية” وإذا قلنا أنّ الشعب الانقليزي من أخصّ خصوصياته رفض الإفراط الإيمائي خلافا لما عليه الشعب الإيطالي والشعوب المتوسطية عموما، وإذا ما قلنا أن الشعب الجزائري شعبا قُصْوَويًّا إذ ينخرط في مطلق المحبّة والالتزام تماما كما يفرط في مطلق الانفلات والتمرّد والعصيان وهو ما نستشرفه من أدبه (واسيني الأعرج، أحلام مستغانمي، الطاهر وطّار،…) فإنّما ندرك أن عقلية الشعوذة أو ما يسمّى “الشَّعْبَذَة” ثابتا بنيويًّا في كل الحضارات وأكثر من ذلك أنها لأكثر حضورا في المجتمعات الأكثر علمنة وادّعاء للعقلانية.

لقد استحضر رئيس فرنسي سابق “مدام سولاي” وهو يجيب عن واحد من الأسئلة المحرجة، وأن يستعير رئيس بلد التنوير في مقام الراحل “ميتران” “مدام سولاي” وحده دال على مدى تغلغل الذهنية الخرافية والأسطورية والشعوذية. وأكثر من ذلك إنّي لأعرف عرّافين على مستوى عالمي يطلب منهم كثير من الخلق المتنفّذ في السلطة السياسية قراءة أكفّهم ومستقبلهم السياسي والعاطفي أيضا وفقا لإيمان منهم بتوفّرهم على طاقة لقراءة كتب الغيب. نعم هكذا يتصرّف اللذين يزعمون أنّهم يمسكون بدواليب رقابنا ورواتبنا الشهرية أيضا.
لقد نبّه “مارسيا إلياد” الروماني في آخر حوار أجري معه قبل وفاته إلى ضرورة التمييز بين بنية الفكر الديني ومسوخ بنية الديني مستحضرا مثالا إجرائيا وهو مثال الزواج، فكيف ذلك ؟

إذا كان المسيحي أو السنّي عند تدشين لحظة الزواج يهرع إلى الجامع أو إلى الكنيسة فإن الثوري الماركسي وفقا للصياغة الأرتودكسيّة يهرع إلى الساحة الحمراء. في هذا الفعل الطقوسي الذي أرادته السلط الاستبدادية فعلا مباركا إنما يتوفّر على احتياطي من الاستبداد على الذوق الشخصي. الثابت الرئيس في هذه الممارسة وتلك إنّما يكمن في غياب ما يُسمّى بـ”العقل النقدي”، فالمباركة في صيغتها اللاهوتية الدينية كما في صيغتها العلمانية الثورية بقيت أسيرة الزمن التكراري وذلك هو الثابت البنيوي في الفكر الديني والأسطوري كما حلله صاحب ديوان “أغاني مهيار الدمشقي” في كتابه “الثابت والمتحوّل” أدونيس، فترى معي أن التمييز المطلق بين الأداء العلمي والأداء الخرافي الأسطوري والشعوذي ليس دائما واضحا ومتميّزا كما ندّعي. ألم يتحدّث “رولان بارط” في كتابه المدوّن منذ الخمسينات عن الميثيولوجيات، أليس غريبا أن يستحيل “البيفتاك” أو “الستاك” أمرا للتأمل السيميولوجي ؟! أليس دالا أن يكتب أحدهم على باب منزله أنّ “صاحب البيت واعر” دون إشارة إلى الكلب بمعنى أن الكلب أقل شراسة من صاحبه ؟ أليس غريبا أن يتمّ مديح الكلاب ضد الكثير من واضعي الثياب في الحضارة العربية ؟ استنتاج مفاجئ. إن كل الحضارات وفق أي صيغة كانت إنما هي : سعي إلى الاقتصاد في تبذير اللذات والآلام. فالشعوذة أو “الشعبذة” كما الكذب أو التكذاب إنما هي صمّام أمان ضدّ كل ما يمكن أن يحتقن في الجسد الفردي أو الاجتماعي، بهذا المعنى تعتبر الكتابة فعلا اقتصاديا في الإجرام ذلك أن المشعوذ كما العرّاف يقوم بوظائف اجتماعية تعويضيّة عن مقام التجّار والمحتكرين والشعراء اللاّسلطويين والروائيين الذين يؤرّخون لرذيلة السائد، ومن هنا نفهم الاحتفاء الرسمي في كل صحافة الوطن العربي والإعلامي بالمخنّث الشعري على حساب الشاعر، وسقراط الموظّف على حساب سقراط النقدي وبالمحقق الصحفي على حساب الروائي، إن لكل علم أو شبه علم شروط إمكان من ذلك مثلا أن العرب منعت الكذب على سائر الخلق إذا لم تتوفّر لديهم شروط الكذابة، وقد تمّت صياغة هذا المبدأ الابستيمولوجي المعرفي وفق الأداء التالي : “إذا كنت كذوبا فكن ذكورا”، معنى ذلك أنّه ليس بإمكان أي كان أن يكون كاذبا، لابدّ أن تتوفّر لديك ذاكرة فيل كما يقول الفرنسيون أو حقد الجمال كما يقول العرب.

أمّا وقد انتقلنا من المطلق والإيمان بالمطلق الديني والحضاري والذاتي فإننا نعيش زمن المخنّث، مخنّث الذاكرة كما صاغه “سورين كيرغارد” وفق ما سمّاه “كوجيتو الندم” : » تزوّج فإنك ستندم، ولا تتزوّج فإنك ستندم، وأحب فإنّك ستندم، ولا تحبّ فإنّك ستندم، كن مقداما وستندم، لتكن جبانا وستندم«. هذا الكوجيتو إنّما هو ضدّ كوجيتو الصلابة الديكارتي الذي كان قد فتّته أوّل من فتّته، ليس فيلسوفا ولا مؤرّخا ولا روائيا إنما هو شاعر : رامبو صاحب “فصول في الجحيم” حينما أعلن كوجيتو مضادا » إنّ الأنا آخر « : » ملعون أنا الآن ومرتعب من الوطن «.
ألا ترى معي أنّ الشعوذة آتية من الإدّعاء، إدّعاء أنه بالإمكان القبض على الإنسان بتواريخه وجغرافياته وفق منطق واحد وحيد أوحد كما تفعل الآن وهنا أمريكا التي تريد لنا أن نعيشها كميتافيزيقا.

هل يمكن أن نفلسف اليومي ؟
إنّ عبارة “اليومي” سيّئة الذكر على أقل تقدير من منظور الفيلسوف الألماني “هيجل” ذلك أنه قد أدان جبروت اليومي والحاجات اليومية وما تستلزمه مزاولة الوجود اليومي من تصريف طاقات ذهنيّة في المسائل الساذجة والسطحية كما يسمّيها وطلب في زمنه تحيّة العصر الذي عاد فيه الفكر إلى ذاته بعد تشرّده الطويل سواء في الطبيعة أو في مسائل الحياة اليومية لأن زمن هيجل قد أعاد الفكر إلى ذاته فعلا. غير أن الملاحظة الهيجلية لا تنفي اهتمام الفلسفات المختلفة بصيغة مباشرة أو بطريقة سريّة بالمعنى اليومي، يكفي فقط أن نتذكّر النقد الذي وجّهه نيتشه مثلا إلى خصائص حياة الألمان أو حياة الإنقليز لندرك أن اليومي بتفاصيله يمكن أن يكون مادة غزيرة لفعل التفلسف إذا ما حدّدنا التفلسف على أنه فعل “تعقل” و”تصريف طاقات ذهنية” لاكتشاف “الجوهري” وراء “العرضي”، بهذا المعنى سواء أكان الفيلسوف “غروبي” الظهور والولادة كما لدى هيجل الذي يعتبر أن الفيلسوف يأتي دائما متأخّرا وشبّهه بالطائر الليلي إذ يخاطب طلبته في واحدة من أشهر محاضراته وفق الصياغة التالية : » … عندما تنهار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والحضارية يظهر الفيلسوف مدققا النظر باحثا في الأسباب التي جعلت الأوضاع تؤول إلى ما آلت إليه «.

غير أن هذه الفلسفة التي تأتي دائما متأخّرة يمكن لها أن تكون فجريّة الولادة كما لدى نيتشه وأكثر من ذلك أنها تسبق عصرها بزمن ويمكن أن يكون هذا الزمن عشرون سنة أو نصف قرن أو حتى قرنا بأكمله. ألم يؤكّد نيتشه (توفي سنة 1900) على أنه “دينامية العصور” وإنّه إنّما يكتب لقارئ لم يولد بعد ويكفي أن نقرأ أخبار وأنباء الإهمال التي عرفتها الكثير من الكتب من قبل معاصريها كما شأن كتاب “ما وراء الخير والشرّ” الذي طبعه نيتشه على نفقته وأخذ يتوسل بعض معاصريه طالبا منهم مجرّد قراءته وهو ما لم يتمّ إلى حدّ أنه استعاد نرجسيته وجمع أمره معلنا أنه لا يكتب لمجايليه متسائلا بطريقة ساخرة مغرقة وجعا وفرحـا » لما أنا أكتب كتبا جميلة ؟ « فكأنّ قبح المعاملة إنما هو الذي جعله يدرك فعلا سرّ تلك الشعرية العالية والرهافة الاستثنائية والجمال الفاحش أيضا الذي يكتب به صاحب كتاب “هكذا تكلّم زرادشت”.

صحيح أن اليومي لم يكن مركز اهتمام رئيس في المتداول الفلسفي غير أنه باطنيا لم يكن الأمر كذلك، لنأخذ مثالا عربيا : ابن رشد، عندما كتب “فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من اتصال”، ألم يكن مغرقا في اليومي ذلك أن مسألة الكفر والإيمان البتّ فيها يمكن أن يذهب بالرأس، فقضايا الفقه الديني أو العقل والشريعة لم تكن ترفا فكريا وفائضا ثقافيا. والملاحظ في الفلسفة المعاصرة أنها قد تغذت من ضروب علوم الاجتماع والميديولوجيا فأصبحت أكثر إصغاء لها يعتمل في الشوارع والحجرات الخلفيّة للمجتمعات الإنسانية وقد يعود الفضل في ذلك إلى الفلسفة الماركسيّة لما أعلنت انخراطها الفعلي باعتبارها أداة للثورة والتنوير ومحاربة الوعي المزيّف.

قد يكون “نقد الفكر اليومي” لمهدي عامل من أكثر المحاولات إصغاء لما يعتمل في الحياة اليوميّة.
رأى القديس أوغسطين أن القبح في الوجود هو الاستثناء هل توافقه هذا الرأي ؟ كيف يرى سليم دولة العالم ؟ هل تعيش الحبّ والجمال ؟!
إنّ الحديث عن الحبّ تماما كما الحديث عن الحرب والصداقة والغيريّة والأنانية إنما هو حديث يتنزّل فعلا في المشاغل الفعلية للفلاسفة وعلماء الاجتماع وقرّاء الكف كما الاعتناء بالموت وتجربة المحو، “فأنْ تحب وتفعل ما شئت” وفقا للبلاغ الذي أكّده “سانت أوغسطين” يدعونا إلى أن نتخلّص فعلا ولو إلى حين من طوفان اليومي ذلك الذي يمنعنا من رسم مسافة نقدية بيننا وبين تضاعيف وطيات حياتنا ذلك أنّ كل ما يحيط بنا يدعونا فعلا وبشكل اغتصابي بألا نفكّر بأنفسنا إذ كل الأصوات تدعوك إلى ألاّ تفكّر لأنه دائما ثمّة من يكفّر لك وعوضا عنك. فالتفكير بالنيابة إنما هو السائد خاصة في حضارة الصورة وفائض الإعلام وفائض الإعلان وغوايات و”دونجوانيات” البضاعة. غير أنّ التأمل النقدي بين لنا أن كل المنعطفات الحضارية الكبرى كالتي نعيش إنما قد طرقت فيها خمس قضايا لا أكثر : قضية الحبّ وقضيّة الحرب وقضية الموت وقضيّة الصداقة وقضية الحرية. ويكفي فقط أن نستحضر اللحظة اليونانية لندرك أنّ الفلاسفة الكبار كما أفلاطون مثلا قد طرح مسألة الحبّ في “محاورة المأدبة” وقضية السلطة والعدالة وتدبير الشأن السياسي في “الجمهورية” مثلا. أما إذا انتقلنا إلى الحضارة العربية يكفي فقط أن نستحضر مدونات مثل “تزيين الأسواق بأخبار مصارع العشاق” للسرّاج وكل المدونات التي تناسلت منه. أليس دالا أن يركز التوحيدي على معضلة “الصداقة والصديق” ؟ ألم يكتب ابن حزم آخر كتاب موسوم بعنوان دال “الأخلاق والسير أو مداواة النفوس”. فكلّ منعطف حضاري يستلزم إذن تصفية الحسابات على جميع مستويات الحضارة اعتصارا “لتجارب الأمم” سعيا منها لتحويل رأسمالها الرّمزي والمتمثل في العبر للأجيال اللاحقة، فالحب في أبسط تعريفاته وإن كان : “حالة من حالات الموت” عند العرب فيكفي أن نطلع على شهادة ستندال الفرنسي في كتابه “فن الهوى” لندرك مدى تقريض سنتدال للعرب وللشعراء الصعاليك وإدانته الصارخة ضد ما أطلق عليه “بربريّة العالم الغربي” دفاعا عن حاضن التاريخ البشري وهو الشرق. فبإمكاننا تعريف الحب كما الصداقة وفق الصياغة التالية : إنما هو تقاسم لجميع أشكال اللذات والآلام ؛ في حين أن كل فائض حديث عن الحب كما كل فائض حديث عن العدل والديمقراطية إلى غير ذلك من حقوق إنما هو تكتّم على جميع أشكال الكراهيّة والظلم ؛ والذي يعني وضع الشيء في غير موضعه والانحدار بالإنسانية إلى ما دون المرتبة الحيوانية، فالمطالبة بحق “الشجرة” و”الحيوان” و”الإنسان” كما ورد في كتاب الفرنسي لوك فيري فإنّه يعني أساسا المطالبة بالحقوق الحيوانية للكائن الإنساني قبل التبجّح بالحديث عن حقوق الإنسان. إن أمر الحب لا يستقيم والحديث عنه يظلّ كلاما رومانسيا إذا لم تتوفّر شروط إمكان الحب فقد قـال أوفيد : » إن الفقر لا يملك ما به يغذي الحبّ «. كما يقول متداولنا اليومي : » اللي ما عندوش فلوس لا يعنّق ولا يبوس «.
فترى أشكال القبح إنما تتمثل في أن يضطرّ الواحد أو الواحدة منا إلى بيع الحميمي منه سواء ذهنه – عقله – أو جسده أو وطنه أو أمّته أو المتاجرة بتاريخه.
تمضي أعمالك دائما بـ”الكاتب الحر” هل تشعر فعلا أنّك حرّ أم تفعل هذا قبيل التمنّي ؟!
إنّي مصرّ، منذ زمان، على أن أمضي باسم “الكاتب الحرّ” ليس فيما أكتب فقط في الصحافة وإنما في تبادل رسائل بيني وبين بعض الكتاب العرب وكلمة الحرية في العربية تحيل على سجلّ الحميمية والحرارة. وقبل العمل على تأسيس ما أسميناه “رابطة الكتّاب الأحرار” كنت دائما مصرّا على أن يكون للكاتب أو الشاعر أو الروائي… أو السينمائي أو الصحفي، مسافة نقدية بينه وبين الثقافة السائدة التي تريد أن تبرّر بها السلطة وجودها كائنة ما كانت سواء ثورية أو رجعيّة فإنه يتوجّب من جهة “ايتيقا الكتابة” أن يعبّر الكاتب أو الشاعر، ليس بالضرورة عن مناطق القوّة والازدهار في مجتمعه وثقافته لأن تلك مهنة مهرّجي السلطان منذ زمان لذلك ربّما نفهم لماذا ورد في الأثر » أحثوا التراب في وجوه المدّاحين « فالكاتب أو الشاعر أو الروائي، في ذهني على أقل تقدير، هو من يعبّر بجمالية عالية عن أكثر المواطن رهافة وأكثر اللحظات هشاشة لديه لذلك غالبا ما يتمّ اكتشاف الكتاب الحقيقيين والشعراء الحقيقيّين بعد فوات الأوان، ونموذج المتنبّي لا يجب أن يحجب عنّا الأمثلة المتعدّدة، وفعلا المتنبّي استثناء لأنه كتب “المطلق الذاتي” وتماهت لديه تجربة الذات الفردية بـ”المطلق الحضاري” فإن مدح فإنه لم يمدح سواه وإن هجا فإنه لم يهج سواه فكافورا أو “كويفير” إنما هو جزء من ذاته وإن رثى أمّه فهو في الحقيقة يرثي أمّته، لذا ترى أن في المتنبّي يحضر الشاعر والفيلسوف والمؤرّخ وحتى مهرّج السلطان أحيانا. إنّي لأستغرب كيف يسخر بعض الكتاب الرسميين تحديدا من مجرّد تسمية “الكتّاب الأحرار” دون أن يحتجّوا على ما يسمّى بـ”المعاهد الحرّة” و”الجامعات الحرّة” و”الاقتصاد الحرّ” و”التزييف الحرّ للانتخابات”… إلى غير ذلك من متواليات القبح المعمّم، من سوء حظّهم أنّي من مجايليهم وأعرف ماضيهم كما حاضرهم تماما، أكثرهم أصيبوا بـ”العجز المدرسي” وسقطوا في أول امتحان نقدي على المستوى الثقافي إذ هم عينهم، أنفسهم، إيّاهم، الذين كانوا سببا حقيقيا في تدهور الأوضاع الثقافية والسياسة. إذ كانوا شهود زور من ذلك أنّهم يكتبون عن “تونس الحب” و”تونس الياسمين” في لحظة كانت تونس فيها تسير نحو المجهول، مطلق المجهول، ولما يسقط هذا الوزير أو ذاك والذي كان سندهم السرّي ينصرفون هارعين إلى الله بأدعية غالبا ما لا تُجاب. ثمّ لما تختلّ الموازين لغير صالحهم يلبدون ممارسين كل ضروب التقيّة من أجل تغيير جلودهم ليظهروا على “الخلق” بـ”استراتيجيات” و”تنميقات” تتعلّق بالخطاب الرسمي لرأس السلطة، هكذا، نعم هكذا، يفعل بعض الخلق الشعري، إن أكبر تشبيه لهم وإن كانوا سينسبون إلى الشعراء إنما هم من سلالة الذين اضطهدوا الشابي “وأتحدّى أي صحيفة تونسية” أن تنشر بيت الشابي كاملا والذي يندّد فيه بالتعسّف والظلم وهو التالي :

لا عدل إلاّ إذا تعادلت القوى *** وتصادم الإرهاب بالإرهاب

وإنّهم سلالة الذين شرّدوا بن خلدون ليهرب لاجئا إلى الجزائر وهم سلالة من اضطهد الطاهر الحداد وامتنع حتى عن السير في جنازته، وهنا أصل المفارقة، امتداد الفكر الخلدوني وامتداد الفكر التنويري وامتداد الخيال الشعري فيقع تطويعهم من قبل أعداء فكر التحرير التنوير. فأن تكون كاتبا حرّا يعني ألا تبيع قلمك لأيّ كائن من كان : حزبا أو منتظما مهنيّا أو جماعة في مقام القطيع البشري وأن تكون حرّا هو أن تتوفّر على احتياطي من الشجاعة لتعترف حتّى لخصمك بفضائله، وبالمناسبة فإنّي أدعو إلى تكوين منتظم للكتّاب العرب الأحرار وأقصد اللاحكوميين ليتدبّروا أمر الدفاع عن حقوقهم في التعبير عن ذواتهم وعن آمال وآلام أمتهم بعيدا عن تدابير أصحاب “الجاه والتجلّة”.

هل يمكن الحديث عن عبوديّة حديثة ؟!
إذ كانت العبودية إنما هي النقيض الموضوعي لكل ضروب الحريّة واستدعاء لأنماط البربرية بأكثر بشاعة وقبحا، فإننا نعيش في الراهن الحضاري أكثر أشكال الاغتراب والبربريات عنفا إلى حدّ أنه ثمّة من يتحدّث عن “القدر التكنولوجي”. فإذا كان الاستعباد فيما مضى إنما يتمّ باسم مطلق ما من المطلقات كما الأمر بالنسبة للتنوير والتقدّم والثورة فقد أنتجت كلّها ظلالا تسعى إلى مقاومتها واقتحامها، ألم يتمّ الاستعمار في صيغته التقليدية باسم التنوير ؟!

أليس كل استعمار يتقدم بأقنعة إيديولوجية يسمّيها “المهمة التحضّرية” وتتمثل هذه المهمّة في الارتقاء وفقا “للعقل الغزوي الاستعماري الاستعبادي” الارتقاء بالكائنات الأقرب ما تكون إلى حالة الطبيعة إلى مستوى ما سمّته بالحضاري، والاستعباد الجديد إنما يتمّ بأرقى ما أنتج العقل السياسي من قيم وهي الديمقراطية والحقوق والتسامح والحق في الاختلاف، فسواء كانت الفلسفة بحثا جينيالوجيا كما لدى نيتشه أو حفرا أركيولوجيا كما لدى فوكو أو فعلا تفكيكيا كما لدى داريدا فإنّها في أعمق أعماقها محاولة لتشخيص مقام الإنسان بما هو كائن مفارقات ينتج السلطة والسلطة المضادّة ويطلب النظام وإن كان يستنبت الفوضى وينشد الديمقراطية والحريّة بأكثر الأشكال مطابقة للعبوديّة، أليس تدبير التاريخ والتلاعب بالجغرافيات ومراقبة الانفجارات الديمغرافية أكثر العناوين تسمية للعبودية والعبودية المقنّعة فأن تكون عبدا أو في مقام العبد هو أن تكون عاجزا عن قول “أنا” أو “نحن” دون أن تشعر بتشقق داخل “أناكَ” العميق كما ينبّهنا إلى ذلك فوكو بعد فيلسوف القشعريرة والألم والندم : سورين كيرغارد.
أين المرأة منك ؟!
أنا “عاشق سيء الحظّ”، يمكن لقلبك أن يحبّ، بمعنى ينبسط لكائن أنثوي جميل غير أن شروط إمكان الحب إنّما هي التي تعوزك، ولا أظنّ أنه يوجد كاتب أو شاعر سعيد الحظ لدينا نحن العرب، ألم نقل إنّ الحبّ هو حالة من حالات الموت. حتى المرأة التي أحببتها وأنا أطوف في عمر النبوّة قد أفسد عليّ الأمريكان وحلفاؤهم الأنقليز محبّتها، إنّها في بغداد ولا أعلم عنها شيئا. لذا ترى أنّي لست على أحسن حال، فعلا إنّي لست متماسكا، وأنا دائما أرفع معنوياتي فأجيب عند “الوشحلة” (آش حالك ؟) بأنّي متماسك. وعليك أن تفهم نقيض ذلك تماما لأنّي في حالة شتات روحي. هل ثمّة كاتب ليس بكّاء آخر الليل وغالبا ما يقتصد في دموعه ليصرفها مع كتاباته الليليّة ويكفيه فقط أن يقرأ لشاعر عربي موجوع من هذا البلد أو ذاك ليقول لنفسه : » لا عليك، لست في الميدان وحدك «. يقول الإنقليزي ميلتون : » وطننا أن نكون في أحسن حال «. وأنا على كل حال ومن أعرف من الكتّاب والقرّاء والمبدعين الأحرار ليسوا على كل حال في أحسن حال.
يعرّف شبنهاور الإنسان بالحيوان الميتافيزيقي، وتحدّثت سابقا عن كوننا نعيش أمريكا كميتافيزيقا، ألا تقودنا هذه المعادلة إلى كوننا نعيش عصر الإنسان كائنا أمريكيا باعتباره الكائن الوحيد الـذي يمارس إنسانيته وربّما حتى حيوانيّته ؟!!
سبق لـ”اندري مالرو” أن نبّهنا بحذق استثنائي أن القرن الواحد والعشرين لن يكون غير “قرن ديني”. هل كان مالرو يقصد بأن القرن 21 سيشهد ما يسمّى “عودة المكبوت” اللاهوتي والديني والسحري والأسطوري والخرافي بفعل انتصار العقل الأدواتي وانكسار العقل النقدي بمطلب النجاعة والعلمنة ؟ هل كان يقصد ببساطة مطلقة ثأر العقل الإيماني ضدّ ورثة العقل التنويري العقلاني ؟ ما يعنيني من هذه الملاحظة أن الزمن الذي نعيش حقا، إنما هو زمن عودة المكبوت المركّب والمرعب، عودة الاستعمار بأقنعة مختلفة وعودة النزوع الإيماني والأسطوري والخرافي بصيغ متعددة وهو ما يستلزم تشخيصا حقيقيا كان نيتشه قد نبّهنا إليه، إذ يجب أن تضاف إلى الإنسان المعاصر عين أخرى وأذن أخرى ومقدرة على التلمّس تكون قادرة على رؤية ما نشاهده ولا نقدر “على معرفته” وذلك لافتقار بصرنا للبصيرة والإصغاء لما يعتمل في شوارع ومنعطفات مدننا، وحتى في غياهب صحارينا إذ أنّ أذننا لم تعد قادرة على التمييز بين أصوات الغواية وأصوات الاستصراخ. لم نعد ندرك من حضارة “وا حرّ قلباه” غير ما نؤثّث به ذواتنا “الآن وهنا”، فمررنا فعلا من حضارة السورة والآية إلى حضارة الصورة والآلة والعلامة الرقمية فحلّ المصرفي محلّ الواعظ الديني وحلّ الكوني محلّ الجهوي إذ تمّ العبور من إدانة السوق والحضارة السوقيّة إلى مدح الهويّات البنكية وكل ما يستلزم ذلك من تراجع قيمة الذات الإنسانية وعلاقات القرابة إلى منظومة المصالح البنكية والمردودية ؛ فالديانات جميعها إنما هي ضروب احتجاج ضد الطاغي المالي. إن مارسيا إلياد الباحث والروائي الروماني الاستثنائي كان قد أكّد في آخر حوار أجري معه على ضرورة التمييز بين المضمون والبنية – كما بيّنا سابقا – مضمون الفكر الديني وبنية الفكر الديني، ذلك أن مضمون الفكر الديني يمكن أن يتراجع وأن يختفي بينما بنية الفكر الديني تظلّ حاضرة في أكثر المنتجات التقنية والتكنولوجية والعلمية تطوّرا وفي مؤسسات الحداثة. فعندما أقول إننا نعيش “أمريكا كميتافيزيقا” يعني أننا نعيشها بطريقة سحرية كما لو أنّها إلاها جديدا نطلب منه العون والبركة ونتلافى بطشه ذلك أنّ كل ديانة تستلزم رسالة وقساوسة وكهّانا وعالما معمورا ومخروبا، أبيض أو أسود، ليس مهمّا، إنما المهمّ هو بُعد القداسة وشطر العالم إلى “مؤمنين” و”كافرين” إلى “مسيحيين” و”مسيحيين دجّالين” وإلى “حزب أشرار” و”حزب أخيار” فترى أن أمريكا إنما هي حاضنة كل أشكال اللّقاطة ضدّ العراقة.
في ذات الوقت الذي عرفت فيه بعض مؤلفاتك سطوا فنشرت عدة مرّات دون إذنٍ منك تعاني مؤلفاتك الأخرى من عمليات إسكات ومطاردة. أيّهما أخطر السطو أم الرقابة ؟!
إنّ الرقابة أكثر خطرا علينا والأخطر من ذلك الرقابة الذاتية التي هي نتيجة استبطان لمنغّصات لا تمارسها السلطة السياسية فقط وإنما يمارسها الأصدقاء والعائلة والطلبة أيضا، فترى أنّ عدد المؤلفات الجريئة قليلة جدّا، وإن كان من السهل أن تحوز شهرة عالمية بمجرّد كتيّب أو نصّ روائي سخيف أو تقرير بوليسي في التجسّس على وطنك وتصوغه وفق “ريبورتاج” حول هذه الأقليات أو تلك وتكتبه بلسان غير عربي حتى تفتح “بقرن واحد” قلعة العالم. أمّا أن تمارس النقد المزدوج وأن تصرّ على الكتابة بالعربية فتغضب هذه السلطة أو تلك فانتظر أن يكون حليفك الوحيد هو التناسي والتجاهل والإقصاء المنظّم سعيا إلى ما كنت أشرتُ إليه في كتابي “الجراحات والمدارات…”، استتباب الأمن الفكري، بإمكانك أن تصدّقني عندما أقول لك أنّي لا أخاف وزارة الداخلية والمنتسبين إلى الشرطة الرسميين بقدر ما أخاف من “المثقّفين المزيّفين” غير أنه تستحضرني عبارة لشوبنهاور وهو يتحدّث عن الموت والفقدان : » إنّي على يقين عند موتي سيفتقدني الكثير من الأعداء قبل الأصدقاء «. لماذا ؟ لأنّي أنا الشهادة الفعلية على انبطاحاتهم اليومية والتي يستمدّون منها احتياطي الولاء الذي يتقرّبون به إلى الماسكين بدواليب الشأن الثقافي.
تحدّثت عن بعض الأسماء التي تعرّضت لـ”كرباج” السلطة نتيجة اختياراتهم الفكرية فصودرت كتبهم واعتقلوا… ألم يتحوّل عدد كبير منهم إلى مثقّفي البلاط، بمعنى أن الكراسي الهزّازة لذّتها لا تقاوم ؟!
غالبا ما أردّد هذه العبارة “إنّ الكراسي تُصبعُ العقول” بمعنى تُفقدها مناعتها النقدية المكتسبة.
هل هناك أخطر من المثقّف المرتدّ ؟
ليس ثمّة أخطر منه : ابن خلدون البلاط، ذلك الذي يجمّل الواقع ويرتق ثوب الحقيقة، ما أجملنا عراة على قارعة التواريخ الحضارية !
هل تشعر أن هناك حاجة إلى الانتماء : الانتماء لأب أو عائلة، لأمة أو عالم، لفكر أو مؤسسة أو ايديولوجيا ؟ أليس في اللقاطة كل المعنى ؟!
هو سؤال يتعلّق بالرحم، وإن كان كل فعل انفصال كما نبّهنا إلى ذلك أوتو رانك يحدث رجّة ووجعا يظل مدوّنا كلي الحضور في ساعاتنا البيولوجية النفسيّة من صدمة الولادة حين الخروج من رحم الأم : المكان الرحماني بامتياز، إلى ثاني الصدمات صدمة الخروج من البيت للالتحاق بالمدرسة والمحضن إلى صدمة الخروج من الإعداديات والثانويات إلى الجامعات، إلى آخر الصدمات التي نسعى عادة إلى إرجائها إلى أطول زمن ممكن وأقصد الموت فترى أنّ الاحتماء بمطلق ما إنما تمليه الحاجة إلى الانتماء.

والإنسانية مدينة بتقدّمها وتقهقرها، أيضا، إلى هذه الجدلية فلمّا تمّ المرور من حضارة الشعر إلى حضارة الشريعة – كما سبق أن ذكرنا – هذا الفعل لم يحدث بهذه البساطة. من أجل تغيير مقام حرف واحد -شعر/شريعة- سالت الدماء، ذلك أن المرور من الانتماء القبلي إلى الإنماء العقدي/الديني كان قد أحدث ارتباكا وفراغا في الإطار الإسناد العاطفي لدى العرب وليس من السهل أن يتمّ تغيير علاقات القرابة القديمة (الطين، العصبية، الدم، اللحم…) واستبدالها بعلاقات أرحب وغير مضمونة المردودية (الدين، الشريعة…) فالشعور باليتم إنما هو المرافق الأبدي لكل المبدعين والفاعلين من أخيار وأشرار في الحضارة البشرية ذلك أن اليتيم إنّما يضطرّ إلى أن يجترح لنفسه ما به يحافظ على وجوده لا أسئلة جاهزة كما لا أجوبة جاهزة وهو ما نتبيّنه من هذا الشعور الطاغي بالتصاغر أمام المحيطات الاجتماعية والقوميّة أصلا. وما تمجيد اللقاطة على الطريقة الأمريكية ومديح الزائل والعابر والأدوات أحادية الاستعمال والتجرّؤ على قتل التاريخ ووسم أوروبا بـ”القارة العجوز” ومحاولة محو آثار العراقة من العراق والاعتداء على الذاكرة الجماعية للمنتظم الإنسي إلا محاولة لتدشين مطلق حضاري آخر عاجز على أن يرى وجهه اللقيط في المرآة/الحضارة أمّ قد أضاعته وأب قد تنكّر له/التاريخ.
أقدم على الانتحار فلاسفة وكتاب وشعراء… ماذا يعني أن ينتحر إنسان ؟ هل هو عصيان للحياة أم للموت ؟ ماذا بين الانتحار والاختيار ؟!
ثمّة علوم مختلفة تقارب مسألة الانتحار نفسيا واجتماعيا وحضاريا (دوركايم مثلا) كان ألبار كامو A. Camus قد نبّه إلى أن سؤال الأسئلة في الفلسفة إنّما هو “سؤال الانتحار” الذي يفتح على مؤسسة المعنى ذلك أنّ الإنسان وحده الكائن الذي يكدح من أجل أن يفضي على وجوده معنى، وهنا تكمن قوّة الاعتقاد الديني باعتراف أكثر الفلاسفة وسما للدين بأنه منوّمات ومخدّرات كما يقول فرويد في كتابه “مستقبل الوهم” أو أنه “نسق من الفضاعات” كما يقول نيتشه أو أنه “كحول” كما يقول لينين أو أنّه “أفيون” كما يقول ماركس، بقطع النظر عن القداسة أو اللاّقداسة يظلّ الدين المستجيب للإجابة عن أكثر الأسئلة حرقة وإيلاما، إنّها الأسئلة الميتافيزيقية/الماورائية. تلك التي تقترن تلازما بالأوضاع الاجتماعية من ذلك مثلا أن حالة من حالات الفقر أو الإخفاق العاطفي أو الشعور بالظلم الاجتماعي من شأنها أن تستحيل إلى سؤال وجودي، ثمّة في الانتحار ما هو علامة على اليأس والمتمثّل في انكسار كل العقود الاجتماعية بما توفّره من إشباع عاطفي (العائلة، الأصدقاء، المنتظم المهني، الحب، اللغات) أعتبر أنّ الانتحار مسألة لغة بمعنى تتفيه المقدّس الجماعي والاجتماعي، لذا نميّز، على أقل تقدير، بين ثلاثة أنماط من الانتحار : الانتحار اليأسي والانتحار الانتصاري والانتحار الإداني، إذا كان فعل الانتحار يحيلنا فعلا على فعل “نَحَرَ” بإمكاننا الحديث عن الانتحار القرباني أي ذلك الذي يحوّل جسده بفعل إرادي مفكرّا فيه ومدبّرا إلى بَدَنٍ، بمعنى أنّه يجعل من ذاته مقام البُدُنِ (النوق المسمّنة) للتقرّب بها بفعل نحرها إلى الآلهة. وهنا يأخذ الانتحار طابع الشهادة والاستشهاد، ليس على خلوّ الوجود من المعنى بل هو تكثيف للمعنى فإذا كان السطحي يقرن المعنى بالمرئي، بـ”الكثيف”، الآن وهنا، فإنّ القرباني يؤمن بجاذبيّة “اللطيف” وبأزليته ومدنيّته ضدّ الزائل ومقام الزوائل.
تقول في “الجراحات…” : “الكتابة احتجاج ضد الشرط : الوضع، الإقامة في العالم والوجود” (ص26) وتقول “يستلزم الإبداع نبذ الاتباع، العصيان والرفض” (ص25). هل تعتبر نفسك رافضا ومتمرّدا بالشكل الكافي ؟
فعلا لقد قلت هذا الكلام وهو يلزمني والأمر يتطلّب توضيحا بسيطا ومنهجيّا : عندما نريد أن نحكم على ظاهرة أو لحظة تاريخيّة أو حزب سياسي أو أثر جماليّ، لا بدّ لنا من معيار هو في مقام المماسّ يمكّننا من إنتاج حكم ما من الأحكام. كل ما خرجت به من قراءة المتون التراثيّة في النقد الأدبـي يتمثّل في العبارة التالية تقول العرب : » إنّ أردأ الأدب ما كان وسطا « فاستنتجت دون ذكاء أنّ أجمل الأدب بمعنى أنّ أكثر الأدب أدبيّة إنّما هو ذلك الذي يذهب إلى التخوم، إلى القصيّ الأقصى. وكل حكم يراد له أن يسلّط على الأدب باسم أيّ فائض أخلاقي أو سياسي، سيظلّ في نهاية التحليل حكما سياسيّا أو أخلاقيا على هذا الأثر الجمالي أو ذاك. تماما كما نبّهنا أنطونيو غرامشي إلى أنّه مهما كانت قيمة الحكم السياسي على الأثر الجمالي سيظلّ هذا الحكم حكما سياسيّا وليس حكما جماليّا. الأمر نفسه يجعلنا نقْرنُ الأدب بالتمرّد والعصيان والخروج على الوعي الانضباطي والممارسات الانضباطيّة الجارحة وهذا المبدأ يجب فلاحته في كل الوطن العربي الإسلامي باعتباره معيارا لتخليص الوعي الكتابي والأداء الإبداعي عموما من بطش الدستور الاتباعي، لقد عرّف ابن كمّونة الإبداع في كتابه “الجديد في الحكمة” بأنّه “الخروج على الدستور”.
تحدّثت في “الجراحات…” وفي فصل “المهول في أخبار الإنسان الآكل والإنسان المأكول” تحديدا عن ظاهرة تساقط المقدّس أمام الحاجة بعد أن عرضت أخبارا غريبة عمّا سمّيته بـ”اللحدميّة” هل كف الإنسان، فعلا، عن ممارستها ؟
عندما تهرم الكلمات وذلك بفعل الخلط أو الفائض الاستعمالي لهذه الكلمة أو تلك فإننا نعيش الفوضى القاطبة، لذلك كانت الثورات الكبرى ولا تزال في جميع المجالات والحضارات إنما هي أساسا مسألة لغة، حتى الثورة الإعلامية والرقمية التي نعيش إنما هي في بنيتها ثورة لغوية، لسانية، سيميولوجية. وليس من سبيل الصدفة الخالصة أن يصف الفيلسوف الفرنسي الراحل لويس ألتوسير الكلمات في الفلسفة مشبّها إياها بالمتفجّرات متسائلا وفق صياغة موحية : » لماذا يتصارع الفلاسفة حول الكلمات ؟ « لأنه بإمكان كلمة ما أن تكوّن إطار الإسناد الرئيس لهذه الرؤية للعالم أو تلك أو الخلفية المعرفية الحاضنة لهذا المشروع الفكري أو ذاك فبإمكاننا أن نعتمد مثالا إجرائيا لضرورة بيداغوجية لا غير، من ذلك كلمة “العصبيّة” أو صراع الطبقات أو “صراع الأجناس” أو “صراع الحضارات” أو “صراع الهمجيات” فعندما نطلب من المؤرّخ الخلدوني أن يتنازل لنا طواعية عن مفهوم العصبية يعني أننا نطلب من ابن خلدون أن يتنازل عن رؤيته للتاريخ وللتأريخ والتمدّن والتوحّش والدولة إذ من المستحيل وقد تنازل لنا صاحب المقدمة عن مفهوم العصبيّة أن يبقى من المعقول تحديد “عمر للدول” فإذا كان ابن خلدون يعتبر أن للدول أعمارا كالتي للبشر فذلك يعني أن مفهوم “الحتمية” يسقط وبذلك تنهار شروط الممارسة النظرية، الأمر نفسه عندما نطلب من الفيلسوف ماركس أن يتنازل عن مفهوم صراع الطبقات. يعني أننا نطلب منه التخلّي عن شرط إمكان “الوعي الثوري” وعندما نطلب من فوكو أن يتنازل عن علاقة التلازم بين المعرفة والسلطة، يعني أننا نطلب منه التخلّي عن تصوّره للفلسفة باعتبارها فعلا أركيولوجيّا وحفريا تماما كما الأمر بالنسبة لتأكيدي الخاص على أهميّة الحاجة، مطلق الحاجة، ومجرّد تأمّل كلمة الحاجة وفق لنسابتها الاشتقاقية ندرك اقترانها بالألم والشوك والإحساس بالحزن والقرف، إذ تقول العرب، كما ورد في كتاب “الملاحن” مثلا لابن دريد الأزدي : » والله ما سألت فلانا حاجة قط والحاجة ضرب من شجر له شوك والجمع حاج « فعندما يبلغك أحدهم بأنه في حاجة إليك يعني ببساطة أن مقامه مقام الواقف على الشوك وهو ما تقوله اللغة الفرنسية اللاتينية إذ نتحدّث وفق اللسان الفرنسي “الحاجة بما هي أمر شائك” مع العلم أنّ الإنسان أكثر الكائنات حاجات والحضارات ليست مجرّد تلبية آلية ميكانيكية للحاجات المادية التي تفرضها تركيبتنا البيوفيزيولوجية إنما تنضاف إلى حاجاته ما يسمّي بالحاجات النفسيّة أو ما يمكن تسميتها بالحاجات الاعتبارية (الاعتراف بنا).

الحضارات تخلق أيضا متوالية من الحاجات الجديدة التي لم تعرفها الحضارات القديمة. لكن يبقى المحرك الرئيس لكل المجتمعات كما الحضارات إنما هو تلبية منظومة الحاجات المعقّدة وإن كان ثمّة في الأزمنة المعاصرة هيمنة مطلقة لما أسماه هربارت ماركوز “الحاجات المزيّفة”. لقد نبّهنا كلود لفي شتراوس صاحب “من العسل إلى الرماد” و”المدارات الحزينة” إلى ما أطلق عليه “مبدأ التباعد” وخلق المفارقة، من ذلك مثلا أن كلّ الطبقات أو الشرائح الفقيرة أو المعوزة يحفزها في سلوكها مبدأ التماهي بالطبقات الأكثر ثراء ووجاهة فإن هذه الطبقات كلّما أحسّت باقتراب الشرائح الهامشيّة منها إلا وأخذت ترسم لها مسافات بينها وبين سواها من الشرائح لتحدّد هويّتها الخصوصية لذلك ندرك خطر علوم السيميولوجيا في فهم الصراعات الباردة والساخنة بين المنتظمات الاجتماعية وبين الحضارات. أمام الحاجة، بما هي عنوان افتقار وشعور بالخواء والفراغ الذي هو رمز التيه، كما تلازم الفقر بالقرف، لا شيء من المقدّس يصمد أمام الحاجة، سواء تعلّق الأمر بالوطن أو تعلّق الأمر بميتافيزيقا الاعتقاد. إذ كم توالت أخبار الذين كفروا باسم إلاههم ليعبروا إلى ميتافيزيقا اعتقاد جديد عملا بمبدإ “المغلوب مولع دائما بالاقتداء بالغالب”.

لقد مارس العرب كما سواهم ما أطلقت عليه “اللحدميّة” (أكل لحم البشر) أو الأنتروبوفاجيا Anthropophagie كما مارسوا الطيوفاجيا (أكل الإنسان للإله) وأغرب ما في الأمر أن ذلك تم في أحيان كثيرة في الشهر المقدّس (رمضان) المهمّ إني اعتمدت وثائقا وكتبا متداولة، غير أنه لم يقع الانتباه إليها من ذلك كتاب “الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة” للفيلسوف والطبيب عبد اللطيف البغدادي الذي يقول :
» …وكثير ما يدعي الآكل أنّ المأكول ولده أو زوجه (…) ورئي مع عجوز صغير تأكله فاعتذرت بأن قالت : إنما هو ولد ابنتي وليس أجنبي (…) ولئن آكله أنا خير من أن يأكلـه غيري «.

ودون أن نكون أذكياء، نتبيّن أنّ زمن الأزمات غالبا ما ترتبك فيها منظومة العلاقات في هذا الاتجاه أو في ذلك الاتجاه المضادّ : علاقات القرابة مع الوطن، مع الله، مع الأمة، مع العالم… » إغاثة الأمة بكشف الغمّة «. وهو من أخطر الوثائق التي تؤرّخ للرذائل بالمعنى النيتشوي للكلمة وأذكر أنه اتصل بي أكثر من قارئ لأنّي أفسدت عليه طعامه لأيام عديدة لما ورد في فصل : “المهول في أخبار الإنسان الآكل والإنسان المأكول” فأي نصّ أكثر وجعا من هذا البلاغ المقريزي : » وانعدم القوت حتى أكل الناس صغار بني آدم من الجوع فكان الأب يأكل لحم ابنه مشويا ومطبوخا والمرأة تأكل ولدها فكان يوجد بين ثياب الرجل أو المرأة كتف صغير أو فخذه أو شيء من لحمه ويدخل بعضهم إلى جاره فيجد القدر على النار (…) فإذا هي لحم طفل وأكثر ما يوجد ذلك في أكابر البيوت «.

فترى أنّ أكل اللحم الآدمي وخاصة الأطفال لم يتم من قبل الفقراء فقط وإنما تم في أكابر البيوت وأكثر من ذلك أنهم يعدّونه بالتوابل الجيّدة كما ورد في الأثر واستنتجت عندها أننا فعلا قد خرجنا من مرجعيّة مفعمة بالقداسة “الأقربون أولى بالمعروف” إلى مرجعية يحكمها منطق التعاسة فأن يأكل الأب ابنه مشويا أو مطبوخا وأن يصطاد أكابر البيوت أولاد أفقر البيوت فذلك يعني أن كل الأقنعة قابلة للسقوط في أي مجتمع كان، فتلك “الملائكية” الروسوية – نسبة إلى روسو – أو ما أطلقت عليه بالنظرة السبحانية للعالم، زمن الأزمات، إنّما تتكشّف الإنسانية خلالها على أكثر أبعادها شراسة وجحيمية ويكفي فقط أن نستحضر صورة الإنسان المبنيّة على مفارقات غير قابلة للفهم أصلا سواء في الفلسفات أو الديانات لندرك أنه لو لم يكن في أعماقه “كائن كسل” لما نسب نفسه إلى الفلاحة والعمل، ولو لم يكن حيوانا دوغمائيا لما عرّف نفسه بالانتساب إلى التفلسف والحكمة ونشدان المعرفة كضالّة ولو لم يكن كائن حرب ونزوع دموي لما كان كائن انتساب إلى السلم والتسامح فهو الكائن الوحيد المقبل على التبذير الذاتي بأدواته. من ذلك أنه عوض أن يكون المقدس حاضنا وحافزا لصيانة الذات من التبذير الاعتباطي إن ديمغرافيا أو بيئيا نجده في غفلة عن الوعي النقدي يستحيل إلى عنصر تفتيتي.
إنّ أشكال الانتروبوفاجيا (أكل الإنسان للإنسان) وأشكال الطيوفاجيا (أكل الإنسان للآلهة) لم تختف من الأفق الحضاري إلا لتظهر بأشكال مقنّعة متلازمة مع ضروب أخرى من “الأكل” و”القضم” و”الشدخ” و”التعذيب”. أليس غريبا أن نتحدّث اليوم عن أكل العقل البشري (اللوغوفاجيا) والكوسموفاجيا (أكل الكون بتمامه وكماله) لذلك نفهم ربّما لماذا أصدرت “بيان بغداد السقراطي” موسوما بعنوان فرعي ضدّ “الكوسموفاجيا الأمريكية” على اعتبار أن أمريكا ليست فضاء جغرافيا أو منتظما حضاريا أو لقاحا لفائض من الأجناس وإنما هي ظاهرة حضارية ونمط عيش و”نحلة معاش” فأن تكون انتروبوفاجي السلوك فلا يعني بالضرورة انتماؤك إلى القارة الشابة أو العجوز أو إلى هذه الحضارة العانس أو تلك.
غير أن ما نخافه حقيقة أن تستحيل أمريكا مثلا كميتافيزيقا اعتقاد، كديانة جديدة تستلزم إما الإيمان المطلق بها أو الكفران المطلق بها فنعيش حقا أمريكا كرهاب وخزّان حقيقي للإرهاب التكنولوجي وهو ما تمارسه فعلا، والإرهاب الغذائي وترهيب التاريخي بالإعلان عن نهاية التاريخ وانتحار الجغرافيا وضرورة تدبير شأن الديمغرافيا، المطلوب هو تفكيك أمريكا كميتافيزيقا اعتقاد جديد.
وصول الفلسفة إلى الحكم في بعض الأقطار العربية (تونس في العهد البورقيبي مثلا) لم يحوّل هذه الدول إلى جمهوريات أفلاطون أو مدن الفارابي الفاضلة، ما الذي حدث ؟ هل خانت الفلسفة تنظيراتها أثناء الممارسة ؟
إذا كان أفلاطون قد خطط لجمهورية فاضلة يتوجّب فيها على الملوك أن يكونوا فلاسفة أو على الفلاسفة أن يكونوا ملوكا فذلك لا يعني إطلاقا امتلاك شهادة أزلية على أن يصلح الفيلسوف للحكم. وأكثر من ذلك، غالبا ما يقع التفاوت الغريب بين “المحلوم به” نظريا في مجال السياسة من قبل الفلاسفة و”المقدور عليه” فعليا على مستوى الممارسة.
ولنا مثال إجرائي قبل التغيير النوفمبري في تونس كنت أتعمّد تدريس نص لأستاذ الفلسفة الوزير لأعتمده كمثال إجرائي على التفاوت الذي يكاد يكون مربكا بين التنظير والعمل فأن تكتب نصّا ثوريا يطلب من الفرد أن يكون مواطنا بمعنى أن يكون مسؤولا إنّما هو الذي يُسأل من قبل المواطنين وأن يحثّهم على أن يكونوا فاعلين في الأمر العمومي فهذا أمر يمكن أن يكون ممتعا ورائعا وجميلا لأن المسألة مسألة ممارسة نظرية، في حين أن هذا الفيلسوف، الذي يمكن نعته بالديمقراطي إنما يستحيل عدوّا شرسا للديمقراطية الحقيقية إذ يسمح لنفسه بوصف الأساتذة والمعلّمين بأبشع النعوت زمن الأزمات لما كان يمسك بدواليب السياسة، وأكثر من ذلك، لما وصل إلى السلطة عرّف الانفتاح تعريفا ساذجا ينمّ عن صدوره عن بنية ذهنية لا يمكن أن تكون ديمقراطية أصلا. إذ يقول : “الانفتاح هو انفتاح الحزب على ذاته” فكيف يمكن لبنية ذهنية مثل هذه أن تقبل فكرة المعارضة والاختلاف أصلا ؟ تستحضرني عبارة شوبنهاور وهو يتحدّث عن حاجة الواحد منّا إلى الانفتاح على الآخر معتمدا مثال الطبيب، ذلك أن الطبيب يكون قادرا على تشخيص المرض لدى سواه أمّا وإن تعلّق الأمر به هو فإنّه غالبا ما يعرض نفسه على الطبيب، ألم يشبّه نيتشه الفلاسفة بـ”أطبّاء الحضارة”.
سليم دولة، ترافقك الدولة كالقدر منذ اسمك إلى اسم والدتك. ما هي دولة سليم دولة ؟ هل تحلم بجمهورية يسوسها الفلاسفة أم دولة يسوسها “الملاعين” كما تسمّي بعض الشعراء ؟
ليس أخطر عليّ من لقبي وقد ترجمت هذا الإحساس في نصّ نثري متسائلا عمّا إذا كان ثمّة من قانون يمنعني من أن أمدح أو أن أتمدّح باسمي وأن أمحو لقبي، إذ أن كلمة “الدولة” اسم مرّة من القوة والزوال ويحيلنا على مرجعيّة التغيّر وهذا خلافا لكل لغات العالم، غير أنه لدينا نحن العرب تقترن بثقل الظل وبالقدامة إذ ثمّة احتقار ضمني متبادل بين الشوارع وبين الماسكين بدواليب السياسة والرئاسة. إذ إن من تعريف الدولة في مخيالنا العربي الإسلامي “الانبساط بالقوّة” مع تلازم الصلابة المكثّفة بقليل من اللين. إذ كما ورد في كتاب “تسهيل النظر وتعجيل الضفر” للماوردي في شكل نصيحة أسداها أصحاب التزوير ومثقفي البلاطات : » لينوا لهم طورا ببسط كرامة وطورا خلّوهم وقوفا على رجل «. فالغائب هو مفهوم الحق والعدل، أغرب ما في الأمر أننا نتحدّث عن التنوير وعن تكريم الإنسان في حين أننا في تعاملنا السياسي لم نخرج عن مرجعيّة الانتظام الحيواني ولغتنا تفضحنا إذ ما معنى الحديث عن الراعي والرعيّة، إن عقلنا السياسي لا يزال مرتهنا زولوجيا Zoologique يعني حيوانيا. إذ بقينا “سقيفيين” على مستوى انتظامنا السياسي تسكننا عقلية الردّة والمنامات أكثر من عقلية الثورات.
أن نتفلسف هو أن نتدرّب على الموت، هل تدرّبت جيّدا ؟!
تنسب هذه العبارة إلى أفلاطون ومونتانيو وكارل ياسبارس، لا يجب أن نفهم من الموت حدّه المادي الانتحاري، إن هذه العبارة تُقرن بحكمة مرافقة لها دائما، وغالبا ما سكت عنها وهي تلازم “العقل السليم في الجسم السليم” إن الفيلسوف الجدير بالانتماء إلى “شجرة الحكمة” إنما يجب أن يكون رياضيا جيّدا ومحاربا جيّدا وحتى سكّيرا جيّدا فسقراط لم ير ذات يوم شمولا يترنّح في شوارع أثينا لأنه كان فعلا يشرب الخمرة بحكمة ولم يكن يسمح للخمرة أن تشربه، فترى بهذا المعنى أنّ الفلسفة إنما هي حكمة تساعد على الحياة، ليس مجرّد استعداد للموت، فعلا لقد جعل سبينوزا وبعده فريديريك نيتشه الفلسفة تقنية ومرانا على مزاولة الوجود، وما يعنينا هو أن نميّز بين الفلسفة كممارسة نظرية، ربما تريد أن تغير العالم وبين الفلسفات العملية سليلة الحضارات الشرقية والمتوسطيّة عموما تلك التي تريد من الإنسان أن يكون سيد انفعالاته ومخاوفه وطموحاته ومرتجياته، بهذا المعنى يصبح تغيير الذات الفردية قبل الجماعية هو الشرط الرئيس للثورات وإحداث الانقلابات الحضارية التي تجعل الإنسان جديرا حقا وحقيقة باكتساب أهلية الانتساب إلى الإنسانية الحقّة.
قلت في كتابك “ما الفلسفة ؟” : » إن ما يدعو المثقف العربي إلى التفلسف أكثر من غيره هو أنه لمّا يشرع في التفلسف بَعْدُ، ذلك أن الفلسفة لا تزال، في ثقافتنا العربية قولا مكبوتا «. ما الذي جعل منها قولا مكبوتا ؟! الدين أم السياسة ؟ أم تكوين العقل العربي ذاته الذي لم يبلغ سنّ الرشد بعدُ حتّى يشتغل ؟! هل مازال العقل العربي عقلا شاعرا ؟!
غالبا ما نسعى إلى اختزال الأسباب المركّبة في سبب واحد يمطمئن عقلنا المستريح أصلا من مشقّة التفكير والتفكير النقدي، لقد عرّفنا، في سياق سابق، التفلسف بأنه فاعلية نقدية وتصريف ذهني حرّ لتعقل مقام الإنسان الأهلي أو الكوني وأن التفلسف يستلزم ضمان الشرط الرئيس للتفكير وللتخلّص من ضروب الدغمائية والبحث عن مطلب الحقيقة بمعزل عن سلطة هذا المقدس أو ذاك، بينما حياتنا العربية الإسلامية كلّها “مسيّجة” بالذهنيات الاستعبادية والاستبدادية مضافا إليها خزّان النفاق الذي نمارسه بفضل ذهنيات “التقيّة” و”استرماستر الله” و”إذا عصيتم فاستتروا” فغدت حياتنا الثقافية، العاطفية والذهنية بمثابة متوالية من ضروب التّقيّة واغتيال المحسوس به والمرغوب فيه فازدهرت أشكال التراجعات والانكسارات والسبب فعلا إنما هو جاهزية مكتسبة بفضل قرون من الاستقالة العقلية، فنرى أن مقام الفلسفة، مقام المغضوب عليه من قبل هذه السلطة السياسية أو تلك وإن كان ثمّة جامعات وجمعيات فلسفيّة وندوات دوريّة فهي لا تزيد عن كونها عناوين وجاهة تقوم مقام الواجهة الحضارية لا غير، هذا لا ينفي وجود الآحاد من المفكّرين الذين بايعوا العلم والمعرفة، بحياتهم خارج أطر المقدّس السلطوي أو الديني وبعيدا عن الوجاهات الاجتماعية، فأن تكون فيلسوفا في فضائنا الحضاري هو أن تنسب في نهاية التحليل إلى الكفر والتزوير والزندقة، إلى غير ذلك من ضروب “التكريم المضادّ”، فما ينتشر حاليّا في أكثر الجامعات العربية الإسلامية إنما هي صورة “فيلسوف الزور والبهرج” وفق لغة الفارابي، أولئك الذين يتكلّمون حيث لا يجب الكلام ويصمتون حين يتوجّب الكلام. لذلك هم “فلاسفة تزوير وتبرير” فلاسفة تمشهدٍ وخونة سقراط الحقيقي يدسّون رؤوسهم في زمن المحن الذي يمرّ به الوطن أو الأمة، يدسّون رؤوسهم في “الأشياء في ذاتها” وفق عبارة كانط، أو يراقصون “الوثبة الحيويّة” وفق عبارة برغسون للحصول على وجاهة جامعيّة تجعلهم أكثر أمية وخطرا من أي شكل من أشكال الآفات الاجتماعية، إذ لا يكتفون فقط لتبرير استقالتهم بتعلّة تعالي المزيّف الفلسفي على الشارع، إنهم فعلا أحفاد أفلاطون الذي سيظلّ مدينا دائما للعسكري أكاداميكوس الذي أهداه فضاء يليق بسجن الفيلسوف.

كم نحن في حاجة إلى “سقرطة” الفلسفة من جديد كما يسعى أحفاد ديكارت ورامبو ومونتسكيو إلى ممارستها في فرنسا بفتح المغلق الأكاديمي على الساحات العامة مجال التداول الفلسفي الحقيقي، أليس بإمكاننا أن نجعل من الفضائيات تقوم مقام “الأكورا” كما لدى اليونان القديم ؟!
قدّمت بعض المجاميع الشعرية، هل تعتبر تلك المقدمات نقدا أدبيا أم قراءات فلسفية ؟
لا هذا ولا تلك، ذلك أنّ مثل هذا السؤال يقودنا إلى مسألة الفصل بين الشعر والفلسفة، تماما كما الفصل بين السرد والشعر أو بين العقل والجنون، لم أقدّم كثيرا من الدواوين، وهذا اختيار منّي رغم ما يسببه ذلك لي من حرج وتوعّك عاطفي أحيانا. إنّ ما قمت به مع “مدوّنة الملاعين الطيّبين” أو مع “سنوات بلا سبب” للعراقي علي حبش او مع ديوان “أشياء ضدّ بياض الحرف” لجمال الدين حشاد… إلخ إنّ ما قمت به يمكن اعتباره تواطؤا حبريّا لا غير، يقوم مقام العقْدِ بيني وبين من يعنيني أمرهم في الساحة الثقافية وإن كان هذا التواطؤ الحبري ليس بريئا، من ذلك مثلا عندما زرت بغداد أول مرة (99/2000) وتعرّفت على علي حبش، أصررت على أن يكون أول ديوان له يتمّ نشره في تونس، سعيا مني إلى فكّ الحصار الثقافي عن مثل هذا الشاعر وكان في هذا الفعل رسالة، أيضا، إلى بعض “الخلق الثقافي” الذي كان يزور بغداد طوال سنوات دون أن يفكّروا في نشر ولو ديوان واحد لشعراء غير رسميين وعاجزين عن إيصال نصوصهم فكان أن قمت بنشر هذا الديوان رغم الألم والتعب، تكثيفا لعلاقة محبّة صادقة بيننا بعيدة كل البعد عن المجاملات الساذجة والتحالفات المؤقّتة، لقد أحببت ولازلت أحبّ قصائد علي حبش وإن كان لابدّ أن أفعلها ثانية فقد فعلتها فعلا مع نصوص استثنائية للشاعر الكبير سلمان داود تحمل عنوانا مغرقا في السخرية “ازدهارات المفعول به”.
تسلّل كثير من المهتمين بالفلسفة إلى الجنس الروائي، نذكر منهم : بن سالم حميش وعبد الله العروي.. بينما اتجهت أنت إلى الشعر، هذا الجنس الذي اعتبره بعضهم يعدّ أنفاسه الأخيرة، هل هذا شكل من أشكال التحدّي أم الانتحار ؟ أم هي الصحراء بلعنتها ؟!!
إن الزمن الحضاري الذي نعيش إنما هو “زمن المخنّث” وهلامي الجنس والهويّة لذلك ليس ثمة أخطر على الفكر العميق والحر وعلى ضروب الأداء الفني والجمالي من الديمقراطية المزيّفة وعلى الطريقة العربية الإسلامية تحديدا والملقّحة أمريكيّا. هذا الأمر لا يعنيني، إذ أصبحت أحسّ بفائض من القرف من الحديث عن الأجناس الأدبية وفعل التجنيس، بإمكاني اعتبار الرواية الفضاء الحاضن لجميع ضروب الأداء الكتابي الأخرى على الإطلاق، فهي قادرة على تحويل الشخوص المرئية والمعروفة اجتماعيّا إلى شخصيات تماما كما يمكن اعتبارها إطار الإسناد الأساس الذي يمكن له أن يمكّن الذات الكاتبة من الدفاع عن حماقاتها وأخطائها وأن تؤرّخ لانتصاراتها وانكساراتها ورذائلها لذلك نفهم ربّما سرّ جاذبية الرواية وإن كانت نصّا بليدا أحاديّ الصوت ومرتبك العبارة غير أنه على أقل تقدير من زاوية علم الاجتماع الأدبي يظل النص الروائي فعل احتجاج ضد جميع إشكال الاغتصاب فحتى ذلك الذي يريد أن يغتصب الجنس الروائي بجهله المطلق لأبسط قواعد الأداء الكتابي النثري تبقى رغبة الكتابة في حدّ ذاتها موضوع تأمّل من زاوية علم الاجتماع الأدبي، فكيف تتحدّث عن موت الشعر ؟ فهذا خبر آخر من الأخبار الجنائزية، من يمكن أن يكون قد أعلن هذا النبأ ؟ أي إله مخفي بعث بهذه الرسالة لنبي مجهول ؟ ينضاف هذا الخبر الجنائزي حول موت الشعر إلى خبر آخر لا يقل جنائزيّة هو “موت الرواية” فإذا تمّ الإعلان عن موت الشعر لصالح الرواية فقد تمّ الإعلان عن موت الرواية لصالح التحقيق الصحفي – كما سبق أن بيّنا – إذ المسألة مغلوطة من الأساس، ذلك أن الإنسان سيظلّ “حيوانا سرديا”، وأن تنظم الشعر ليس بالضرورة أن تتخلّى عن الأداء النثري إذ أنّ هذه أكذوبة “نهارية” أخرى، الشاعر الكبير هو سارد كبير، وتواريخ الملاحم والفتن وامتصاص البنى الأساسية للأساطير والأزمان الكبرى والوصايا النادرة التي يتركها بعض الآحاد من البشر إنما هو الحافز على كتابة نص شعري جدير بالانتماء إلى الأفق الإبداعي. اعطني شاعرا واحدا جديرا بالاحترام الأدبي ليس سرديا كبيرا، أدونيس، درويش، عز الدين المناصرة، وملحمته الجميلة الموسومة بـ”حيزيّة”. وشعر الشذرة في حدّ ذاته، وإن كان يقوم بالأساس على اختزال المكان والزمان والنفس والمعرفة، فإنّه يظلّ واقعة سردية.

ألا تتوفّر كتابات سالم حميش مثلا : “مجنون الحكم”، “محن الفتى زين شامة” و”سماسرة السراب” و”العلاّمة” على شعريّة عالية كما تختزن ذاكرة سرديّة بمتوالية من التّقنيات الروائية الأكثر غنى معرفيّا ومحاورة للمكبوت الحضاري المركّب والمرعب ؟! وقد تكون النصوص الروائية التي يجترحها الفلاسفة الذين ضلّوا طريقهم إلى الرّواية عن قصد أكثر النصوص غرابة وإمتاعا وسرديّة عالية إذ كلّهم بصيغ متنوّعة أحفاد “زوربا” حفيد “نيتشه” ومثال “كازنتزاكي” دالّ على ذلك.
بماذا تختم هذا الحوار ؟
سلامي إلى الملسوعين جميعا في الوطن الممتدّ جرحا من الوريد إلى اللغة، يعنيني أن أدوّن بالمداد الدامي على بوّابات العواصم العربيّة ما ورد في الأوراق القديمة، في “أمّ القرى” للكواكبي : “…وهكذا طول الألفة (…) قلب في فكرهم الحقائق، وجعل عندهم المخازي مفاخر ؛ فصاروا يسمون التصاغر أدبا، والتذلل لطفا، والتملّق فصاحة، واللّكنة رزانة، وترك الحقوق سماحة، وقبول الإهانة تواضعا، والرّضاء بالظلم طاعة. كما يسمّون دعوى الاستحقاق غرورا، والخروج عن الشأن الذاتي فضولا، ومدّ النظر إلى الغد أملا، والإقدام تهوّرا، والحمية حماقة، والشّهامة شراسة، وحريّة القول وقاحة، وحبّ الوطن جنونا”.

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

محمد البشروش محطم الأصنام كمال الرياحي. تونس

محمد البشروش بريشة الرسا م منصف الرياحيعرف الأدب التونسي  ما سمي ب »الثلاثي الرومنسي »  وهم : أبو القاسم الشابي ومحمد الحليوي ومحمد البشروش . ولئن اشتهر الشابي بانفتاحه على بلاد المشرق و انخراطه في جماعة أبولو   إلا أن الحليوي والبشروش ظل بريقهما محليا رغم قيمة ما قدماه من تجربة أدبية ونقدية. وتأتي  ذكرى ولادة البشروش الثانية بعد المائة في جو من الاحتقان السياسي في تونس  وكأن حظه العاثر يرافقه منذ المولد. فولد في افريل سنة 1911  وعاش بين الحربين وشهد الازمة الاقتصادية العالمية ليرحل سنة 1944و مازالت رحى  الحرب العالمية الثانية   دائرة لتأتي ذكرى مائويته في أجواء الثورة  التونسية سنة 2011   من ناحية وذكرى وفاة كاتب مكرس  اسمه محمود المسعدي فأهمل البشروش  وفوت التونسيون فرصة جديدة  للتقرب من هذه القامة الأدبية الكبيرة.

 

كان محمد البشروش كاتبا موسوعيا فنظم الشعر وكتب القصة والمقال الصحفي والمقال النقدي وأرخ للأدب التونسي  ونقل الأدب الغربي إلى العربية  وكان رائدا من رواد القصة القصيرة في تونس . ومن أشهر قصص  » محمد عبد الخالق » وهو الاسم المستعار الذي عرف به في الصحافة التونسية: » البرية » و »زوجة أحمد شرودة » و »علي العياري » و »من تكون هذه الساحرة » و » فنان »

ولكن قوته كانت في النقد أكثر من الابداع  كما كانت لرسائه مع الشابي ومحمد الحليوي أحد العتبات المهمة لقراءة أدب المرحلة وخاصة أدب الشابي الذي كان متعلقا به ويجله كبير الاجلال حتى أن صديقهما الحليوي كان يتهمه بتقليد الشابي حتى في اكتئابه وتوجعه وحيرته  الوجودية الدائمة.

مؤسس مجلة مباحث

في جانفي سنة 1938 أطلق البشروش العدد الأول من مجلته « مباحث » وهي مجلة تعنى بالأدب والفن والتاريخ والفلسفة وكتب في عددها الأول نخبة المشهد الثقافي التونسي وأولهم أبوالقاسم الشابي الذي وقع مقالته » الفن والنفس العربية »

عرفت المجلة صعوبات كبيرة في البداية فتوقفت عن الصدور الا انه البشروش بروحه السيزيفية أعاد اطلاقها سنة 1944 لتلتحق به نخبة جديدة من النقاد والمبدعين مثل محمود المسعدي والصادق ميزيغ  والرسام الشهير حاتم المكي  وهكذا تحولت المجلة من مشروع فردي يطغى عليه انتاج مؤسسها في نسختها الأولى إلى مشروع جامعي يلتف حوله عدد كبير من المثقفين التونسيين كما بين ذلك عبد الحميد سلامة في بحثه العمدة حول البشروش: »محمد البشروش حياته وآثاره »  

يقول سلامة: » استمرت المباحث في الصدور حافلة بالدراسات والبحوث والقصص والأشعار والأخبار الأدبية والعلمية والفنية المختلفة معبرة أحسن تعبير عن مدى نضج الحياة الأدبية ونشاطها في ذلك العهد….وقد أدت المباحث دورا خطيرا في تطور النهضة الأدبية بتونس عقب الحرب العالمية الثانيةوكانت أرقى مجلة عربية ظهرت بالبلاد التونسية. »

ورحل محمد البشروش في نفس العام لتعيش المجلة سنوات بعده بادارة محمود المسعدي قبل أن يؤسس « مجلة الحياة الثقافية » .

البشروش وتونسة الأدب

دعا  محمد البشروش  في جريدة « النهضة » سنة 1930 إلى انشاء أدب قومي تونسي خالص باسلوبه ومناخاته مقتديا  بدعوة بعض النخبة المصريين لأدب قومي مصري وقد لاقت تلك الدعوة هوى عند بعض الأدباء ورفضها البعض الآخر لكن البشروش الذي عرف بعناده تمسك بذلك الخيار واعتبره أحد أشكال المقاومة الحقيقية للمستعمر بابراز الخصوصية الثقافية للشعب التونسي وأبرز من أيده الشاعر محمد الحليوي . غير أن الفكرة اصطدمت بمعوقات  كثيرة أكبرها اللغة  واعتبر أن محاولة تمصيرها أو تونستها قد تؤذي الإسلام وقد تؤدي الى »القضاء على القرآن » وهنا دخلت النقاشات مرحلة السجالات حيث وقف  الكاتب زيد العابدين السنوسي معارضا لهذه الفكرة ووصفها كما يذكر  عبد الحميد سلامة ب »الشعبوية ».

وتمسك البشروش بحلم تونسة الادب وظل ينظر له ويعتبر أن التمسك بالأساليب القديمة اجرام في حق الأدب وأن على الأدب أن يكون ابن بيئته أسلوبا ومتنا .وانتصر بعد ذلك للكتابة بالعامية التي سبق أن كتب بها محمد العريبي وعلي الدوعاجي ووجدت عند  جماعة تحت السور  مناخا ملائما لترعرعها .

 

تحطيم الأصنام

اشتهر محمد البشروش بمعاركه الأدبية التي خاضها ضد الكتاب المكرسين في ذلك الوقت وهم  محمود بورقيبة وعبد الرزاق كاراباكة والطاهر القصار  فعلى اثر ما اقترفته  من جرم ، حسب تعبيره،جريدة « العالم الأدبي » في نشر نتيجة استفتائها حول اهم ثلاثة شعراء بتونس واختزال الادب التونسي في تلك الاسماء الباهتة والكلاسيكية شن البشروش هجوما لاذعا عليهم من خلال سلسلة من المقالات النقديمة متوعدا كل من هؤلاء الثلاثة بالتصفية الأدبية. أعادت  هذه الخصومات للأذهان تلك المساجلات والمعارك الأدبية في المشرق مثلما حدث  بين الرافعي والعقاد . وقد اعتمد البشروش في تلك المقالات أسلوبا  ساخرا  فبدا هازئا بخصومه داكا حصونهم معريا ضعف موهبتهم كاشفا عن أساليبهم غير الأخلاقية في  تلميع صورهم بالإعلام التونسي.

يقول في مفتتح حملته عليهم لائما شعبه على الانتصار لهؤلاء الكتاب: » آه من سخافة هذا الشعب المسكين الذي تناوبته الرزايا وران عليه الطغيان فأصبح ينخدع للترهات وكأنها حقائق ويعجب بالصور المتحركة وكأن لها شرايين تجري فيها دماء الحياة ويقدس الأصنام وكأنها الهة لا يؤتى من لدنها الزائف والباطل أبدا. »

واتهم الشعراء الثلاثة بانهم مارسوا نفس أساليب الأحزاب في الدعاية لأنفسهم  « فطافوا بالعرائض وفعلوا كل ما لا يستطيع أن يفعله انسان فكان النصر حليفهم والظفر في صفوفهم.. »

لقد كان محمد البشروش  عصبيا وحاد الطباع وسريع الغضب يخاصم ويشن الحروب الأدبية على خصومه مؤمنا بأصدقائه المبدعين وخاصة الشابي الذي رفض البشروش كتابة مقدمة لديوانه الشهير » أغاني الحياة » على الرغم من الحاح الشابي على ذلك . فقد رأى  البشروش انه  سيكون أفضل للشابي أن يقدمه  أبو شادي مؤمنا أن شعر الشابي تجربة فنية تستحق شخصية أهم منه لتقديمها. كان لموت الشابي أثرا كبيرا على البشروش  ورغم ذلك ظل يعرف بتجربة صاحب » أغاني الحياة » حتى التحق به بعد سنوات قليلة.

يبقى السؤال الذي يطرح  في تونس اليوم : متى يقع  تجميع شتات هذه الذاكرة الثقافية المهددة بالضياع ؟ يذكر أن أول خبر وقع تداوله عن  محمد البشروش بعد الثورة  هو خبر احراق  دار الثقافة محمد البشروش بدار شعبان الفهري مسقط رأس الكاتب.

 

 

 ملاحظة:  صورة البشروش بريشة الفنان التونسي المهاجر منصف الرياحي وهي خاصة بهذا المقال.

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

«الغوريلا» رواية التونسي كمال الرياحي حرب الرموزعناية جابر

 

gorillaفي وضح النهار يتسلّق صالح برج ساعة 7 نوفمبر، رمز نظام بن علي في تونس، ليعلن القيامة. يحتشد سكان العاصمة تحت الساعة لمشاهدة الرجل الذي تجرأ على مواجهة المحظور ورجال الأمن الذين فشلوا في إنزاله. هناك تحت البرج، تنبت حكاية طفل لقيط، ترويها مجموعة من الشطار في مدينة تدير دواليبها عصابات الخطف وميليشيات النهب.. فتنمو سيرة الغوريلا الذي أفاق يوماً فوجد نفسه شريداً ومطارداً بسبب تهم خطيرة. 
هذه تيمة رواية الروائي والصحافي التونسي كمال الرياحي (فاز في مسابقة «بيروت 39» التي نظمتها مؤسسة هاني فيستيفال عام 2009)، وترجمت أعماله إلى الفرنسية والايطالية والإنكليزية والعبرية والبرتغالية. رواية الرياحي جاءت تحت عنوان: «الغوريلا»، صدرت حديثاً عن «دار الساقي» وهي ترصد في سرد مشهدي كابوسي الواقع الذي مهد لثورة 14 يناير، كاشفة عالم الفساد السياسي والاقتصادي والتمييز العنصري، وتستمد جماليتها من وحشيتها وعنفها ومن ردود أفعال شخصياتها وبدائيتها.
لا بد من ان نقرأ «الغوريلا» لكمال الرياحي بعناية وبطء، ونتوقف عند الأحداث بلا منطقها ومعقوليتها معاً، كي ندرك نظاماً خفياً سرياً هو الأساس لكاتبها. الغوريلا لا تستطيع مواجهة الواقع كشيء ملموس، فكل شيء يتحول في النهاية الى رمز، ورد فعلها صدى لهذا الرمز، في نظام التشوش، نظام الفكر الرمزي الذي يكمن «وراء كل سلوك لبقية الشخصيات، فردية أو جماعية. الرواية وإن يجمعها جذر انطلاق الثورة التونسية، مقسمة نصوصاً متفرقة حملت عناوين مثل: الجنازة، خبر عاجل، حبيبة تشتعل في الساحة، في مقهى تونس حديث غريب عن أصل الثورة، العصيان، محاولة لقتل الماء، سر شكيرا، سقوط الصبارة.. إلى ما هنالك من العناوين. يختتم أو يذيل الرياحي روايته، بنص عن تاريخ فرار بن علي وجماعته وانتصار الثائرين وتكريس ثورتهم وقد عنون هذا النص: «14 كانون الثاني: يناير 2011».
أقصى البوح
10269064_10152405284224874_2692855444479642852_oالرياحي شاء لروايته منطلقاً هو صالح، الشخصية المحــورية في حكــايات بالغة التداخل والتشابك والذهاب إلى أقــصى البوح الجريء. الساحة (رمز النظام الســابق) ورجالها وساكنيها، وفيها تسلّق الغوريلا برج ساعة تتوسطها، ما أربك رجال الأمن في محاولتهم ثنيه لأكثر من ساعات سبع. الجمهور على اختلافه (أيضاً في اشارة رمزية للشارع التونسي قبل الثورة: رجل الدين ورجل الاقتصاد والمؤمن والحيادي والشاذ والمومس والمثقف والمدمن على المخدرات إلى ما هنالك من تنوع الشارع، يشهد على ما يجري للغــوريلا في إطلاله على الناس، في دلالة كبيرة تدور حولها دلائل صغيرة في التحام روائي يبيّن سيطرة الراوي على روايته، وتمكنه من التنقل في المشاهد، والأفكار، وخصوصاً الواقع المرمز إلى تلك القصة الغرائبية، قصة الغوريلا وتسلقه برج الساعة.
رد روائي فني من كمال رياحي في روايته «الغوريلا» على النظام اللاعقلاني الذي حكم الحياة السياسية في تونس بدرجة لا تقل لاعقلانية. كسبت الرواية حرب الرموز، ونجحت في كشف أو ضخ رموز الخير إلى ذلك الشعب التونسي الذي عانى طويلاً من الظلم والفساد والاستبداد. ذلك القتل اليومي في السجون وخارجها، ذلك الموت الذي بقدر ما هو مرعب بقدر ما هو سخيف ولا يحمل أي تشابه مع ميتات الناس في البلاد الحضارية، لأنه عمل لا من الطبيعة، بل من إنسان مستبد على رأس سلطة مستبدة، وبالتالي فهو تقريباً موت تطوعي، مؤلم وطويل.
تعدد الأصوات
حكايا متعددة داخل «صندوق» الرواية. ونجد ذلك التكنيك «الصندوق» كما لو طريقة للهروب من كلاسيكية الخط الواحد، وطريقة يمكن تسميتها كتعريف أفضل بتعدد الأصوات المتألقة. مثلا حكاية «سرّ شاكيرا» إذا حللتها من وجهة النظر التكنيكية الخالصة، تجد انها مكونة من ثلاثة خطوط تتطور وتنمو بتزامن واحد، كل منها، لو أراد الكاتب، يمكن أن يكون حكاية مستقلة. «الغوريلا» بشكل عام، رواية ساخرة من الظلم، وقصص حياتية اجتماعية، ورواية سياسية حول مجموعة ثورية تشكل بارقة ونقطة انطلاق للربيع العربي. 1966055_10152405312629874_7276025509619256401_o
الرواية أيضاً، تقارب المجتــمع الشمولي في أكثر صوره تطرفاً، وتمــيل إلى إلغاء الحــدود بين العام والخاص. السلطة وهي تكبر بشكل غبي، تطلب من المواطنين أن تكون حيواتهم شفافة تماماً. نموذج الحياة بلا أسرار يتوافق مع نموذج السلطة المخابراتية أو الأمنية: ليس من حق المواطن الثورة، ولا ان يخفي شيئاً على الإطلاق عن الحزب أو الدولة، بالضبط الطفل ليس له الحق بالاحتفاظ بسر دون أن يطلع عليه والديه.
«الغوريلا» رواية كافكاوية إلى حد، تعبر عن رغبة وجدانية نحو المجتمع والعلاقات الإنسانية، في أن يكون للكائن البلا جذور، البلا كرامة، البلا حقوق، هدف واحد فقط: أن يتغلب على لعنة العزلة، وظلمها. 

 

ثقافة
تاريخ المقال: 03-01-2012 12:00 AM
Publié dans الغوريلا | Laisser un commentaire

« The Red Eye » is Kamal Riahi’s initiative of shaking the book at ignorance and terrorism.

Kamel Riahi Novelist

 

Diapositive1The motto of this intiative is to wage a cultural war on violence, ignorance and terrorism by means of « the book ».

The Red Eye is a cultural and social initiative. It makes part of the project of the Tunisian novelist Kamal Riahi named « very soon ». This plan has been launched by a great number of his readers who took shots of themselves accompanied by his novel « the Scalple ». The front cover of the novel ,in its third edition by Dar Asaqui, represents half a face. Readers took these photographs by raising the book near their faces to come out in a photo made of half their faces, half the face on the book cover aiming at stressing the value of « the book » in shaping our identity as it is the unique weapon, we own, against ignorance, tyranny, abuse, and terrorism. The book is that intimate, very close thing to…

View original post 271 mots de plus

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

« The Red Eye » is Kamal Riahi’s initiative of shaking the book at ignorance and terrorism.

 

Diapositive1The motto of this intiative is to wage a cultural war on violence, ignorance and terrorism by means of « the book ».

The Red Eye is a cultural and social initiative. It makes part of the project of the Tunisian novelist Kamal Riahi named « very soon ». This plan has been launched by a great number of his readers who took shots of themselves accompanied by his novel « the Scalple ». The front cover of the novel ,in its third edition by Dar Asaqui, represents half a face. Readers took these photographs by raising the book near their faces to come out in a photo made of half their faces, half the face on the book cover aiming at stressing the value of « the book » in shaping our identity as it is the unique weapon, we own, against ignorance, tyranny, abuse, and terrorism. The book is that intimate, very close thing to us. It is also the friend and the eternal companion which we, fearlessly, bring closer to our faces as long as they are full of life. This plan comes in a time the reluctance of reading is getting more widespread in our arabic communities which would ultimately threaten our advancement and identity.
Goals :

« The Red Eye » conveys a number of messages, it is :

   – against the violence inflicted upon women.

   – against the intellectual terrorism and assasination.

   – against illiteracy and early dropping out from school.

   – against discrimination and racism.

It is for :

   – saving literature from misery, by « playing » and restoring its chief role as the fount of happiness.

   – the right of reading as a need , as essential and everlasting as that need of water and air.

 

As far as the novelist Kamal Riahi is concerned, he initiated this campaign by providing more than 500 copies of his books and donating one third of the revenues of his novels and critical books. He also declared his willingness to donate all the awards he will get in 2014 in the seminars he will take part in, in Tunisia as a lecturer or a chief literary workshops’ manager. He will, as well endeavor to organize conferences, meetings, shows and book fairs in order to support the needy children in Tunisia and he is waiting for the cooperation of the writers and artists to lead this initiative and its programs towards an ultimate success by gathering donations in the near future to equip needy children in the remote Tunisian villages with school supplies.

Publié dans Uncategorized | 1 commentaire

الجريد من خلال نكته لتوفيق عمران كمال الرياحي

غلاف كتاب الجريد من خلال  نكته  لتوفيق عمرانمازالت النكتة في نسختها  السياسية تمثل سلاحا خطيرا في يد الشعوب ترفعه في وجه السلط القمعية والأنظمة والديكتاتورية ويترعرع  هذا النمط من الّأداء الفني في السرية بشكل شفوي بينما تبقى النكتة الاجتماعية المختبر النموذجي للتعرف على الذهنية المجتمعية التي نشأت فيها وتعكس التحولات التي تعيشها تلك الشعوب بين الحرب والسلام والريف والمدينة والتخلف والتقدم.

وخلافا لما يعتقد البعض فإن النكتة تترعرع حتى في أسوأ الأوضاع كالحروب أو الحروب الاهلية والمجاعات ونمثل لذلك بالحرب الأهلية في لبنان أو عشرية الإرهاب بالجزائر أو واقع الإحتلال بفلسطين، تلك الوقائع والأحداث التي كانت أرضا خصبة لنشأة النكتة.

لكن تبقى مناطق  من كل دولة أكثر خصوبة في هذا المجال من غيرها ويمثل الجريد التونسي معقل النكتة التونسية وظهر به عدد  غير قليل من رواة النكت إلا أن توفيق عمران جمع بين رواية النكتة والرسم الكاريكاتوري منذ سنوات وقدصدر له مؤخرا كتاب بعنوان  » الجريد من خلال نكته » عن دار الفينيق  قدم له المؤرخ التونسي المعروف د الهادي التيمومي.

النكتة ومجالاتها  الاجتماعية

أهدى المؤلف كتابه إلى أهالي الجريد أبطال ومؤلفي الكتاب وتشي هذه العتبة النصية أننا أمام ما يشبه الموسوعة الصغيرة التي جمع فيها الكاتب ما يتداول من نكت في منازل ومقاهي وأسواق الجريد تحت أبواب مدروسة هي: العائلة والمجتمع والدين. قدم لكل فصل منها بتقديم يكشف فيه عن قيمة هذا المجال في نشأة النكتة وطرق تداولها  فيقول: إن العائلة بالجريد، بأصولها وفروعها، مبنية على علاقات متبادلة بين أفراد الأسرة يسودها المرح والإيحاء والإيماء فتتمخض عن ذلك نكت طريفة وخفيفة من النادر أن نجد مثلها في مناطق أخرى ».

ومن ثم فالنكتة تشي بعمق العلاقات الأسرية التي تقطع من ناحية مع العلاقات التقليدية الصارمة بين الآباء والأبناء وتحافظ عليها من ناحية أخرى من خلال اشتغالها التشفيري والإيحائي.

ويكشف الفصل الثاني والمخصص للمجتمع عن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين أبناء الجريد من خلال النكتة فإذا كانت تقاطعات العائلة تحصل بين أفرادها، فإن تقاطعات المجتمع الجريدي تحصل بين طبقاته المختلفة أفقيا وعموديا. فالمجتمع الجريدي كما يقول المؤلف. يتكون عموديا من طبقة الملاكة: مالكي النخيل، والتجار، وهي الطبقة الميسورة  ثم الاداريين ورجال الدين ورجال التعليم، وهي طبقة متوسطة أما الطبقة الثالثة فتضم الفلاحين الخماسة والقيالة والعمال اليوميين وأصحاب الصنائع. وهي الطبقة الأقل حظا. وفي تفاعل هذه الطبقات تنشأ الطرائف وتحبك النكت. ويخصص المؤلف الجزء الثالث للمعتقد ويقدم طرائف  شعب معروف بحفظه للقرآن وتدينه ولكن في نفس الوقت يتعامل بمرح مع الدين والمعتقدات مذكرا بأن الدين ليس بؤسا وحزنا فيؤكد المؤلف بشكل أو بآخرما ذهبته إليه مواطنته الباحثة التونسية ليلى العبيدي في كتابها « الفكه في الإسلام » الحاصل على جائزة الشيخ زايد قبل سنتين.

 

هل النكتة أدبا؟

تعتبر النكتة في بعض وجوهها إحدى تشكلات الأدب الشعبي وتجد لها مشروعية من خلال أدب الأخبار في الثقافة العربية التي كان الجاحظ واحد من رموزها في مصنفات له كثيرة عنيت بجمع الطرائف وأخبار الحمقى والمغفلين والبخلاء، وقد كان العرب يتبارون في حياكتها ونسجها حتى تحولت النكتة إلى شبه الحكاية المكثفة  ويطلق عليها أيضا « المِلحة ».

وبازدهار هذا الصنف من الأدب الذي ينشأ في المجال الشفوي ويحتضنه المكتوب بالتدوين والتهذيب بعد أن يقع تداوله، ظهرت شخصيات خيالية وبعضها مرجعية عُرفت كأبطال تلك الحكايات ونمثل لذلك بجحا وأبي دلامة وأشعب. وعرفنا في النكتة المعاصرة أبو العبد  وأبو علي حميه في لبنان مثلا وارتبطت أحيانا بالجهات كالصعيدي والحمصي وأحيانا ارتبط النكت بالشعوب في حد ذاتها كنكت الفرنسيين عن البلجيكين واليهود في بعضهم وغيرهما، ضمن هذا الإطار يكشف توفيق عمران في كتابه عن شخصية تونسية عرفت كبطل من أبطال النكت الجريدية وهي « حمة الجريدي ». الذي يعيش مواقف وطرائف كثيرة بين العائلة والمجتمع ليكشف عن تناقضات ومفارقات الفكر الشعبي في مقاربة العديد من المسائل التي تبدو  ذات صلة بحياته اليومية بينما هي غائرة في عمق تفكيره ومعتقداته ورؤيته للعالم وللجار وللحيوان وللمناخ وللانسان وللآخر.

ويقول المؤرخ الدكتور الهادي التيمومي في مقدمة الكتاب،  » قد يختلف التونسيون في توصيف شخصية « الجريدي » لكنهم يجمعون على حقيقة لا تشوبها شائبة وهي تمتع الجريدي بموهبة « الضمار » تلك السخرية اللاذعة دون تجريح أو إهانة ». وبتلك الروح تمكن الجريدي من السيطرة على فضائه وقاوم الفقر والفاقة وقساوة الطقس وجور الحاكم.

 

 

Publié dans مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

علي مصباح الحياة إلى جوار نيتشه/ كمال الرياحي. تونس

IMG_0411

عندما يستعصي علي العثور على الكلمة الملائمة وتخونني الكلمات في العبور إلى الضفة الأخرى، عندما أجلس في بيتي فريسة لشعور مؤلم بالعجز والقهر. أحيانا أود لو أنني أركض, لكن البيت صغير جدا لمثل هذه الرياضات العلاجية، أو أنني أخرج للتمشي في جولات طويلة غالبا ما تساعدني على تبديد الطاقات السامة للشعور بالقهر الناجم عن التوقف ليوم أو يومين أحيانا أمام جملة، أو عبارة أو استعارة تتعذر عن النقل، في مثل هذه الحالات ليس هناك من مساعد غير الصبر؛ فغدا ستشرق الشمس من جديد يجب أن يقول المرء لنفسه. » وهكذا وصف الكاتب التونسي المقيم ببرلين علي مصباح قصته مع ترجمة أعمال الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه.

تبدو العلاقة بين المترجم والفيلسوف حالة صوفية وعشق  غائر في العظم متجاوةزا حاجة براجماتية لدار نشر وسعيا لنقل كتاب والتخلص منه. إنها حالة من الحلول والاستحضار أشبه باستحضار الأرواح  بكل ما تعترض التجربة من مخاطر على النفس والجسد.

نيتشه من خارجه

بدأ تعرف علي مصباح بنيتشه من خارج عالمه اللساني، اذ عرف مؤلفاته وشغف بها من لغة موليير فقد تخرج من الجامعات الفرنسية وككل القراء بالمغرب العربي مثلت الفرنسية غنيمة في وجه من وجوهها للتعرف على ثقافات الآخر البعيد. هذا التعرف الفرنسي على نيتشه  سيصبح محل تساؤل ومراجعة بعد سنوات عندما يكتشف المريد التونسي بؤس بعض الترجمات التي عرفها بالفرنسية، لكن البؤس كل البؤس هو ما قرأه من ترجمات عربية لنيتشه متمخضة عن تلك الترجمات الفرنسية وهو ما دفعه إلى وصفها بالترجمات الكارثية.

الاقتراب من نيتشه  

غادر علي مصباح بعد سنوات تونس نحو ألمانيا وهناك بدأ نيتشه يقترب منه من جديد بملامح جديدة  وتتضح تلك الملامح  كلما اتسعت معارف الكاتب التونسي باللغة الألمانية التي اكتسبها بالتراكم ليقرأ بها من جديد مدونة صاحب « هذا هو الإنسان ». وظل المريد النيتشوي يكتب قصصه ورواياته حتى وقع بين يديه مرة كتاب « الإنجيل » الخامس لنيتشه للكاتب بيتر سلوتردايك وشرع في نقله إلى العربية. كان ذلك بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لوفاة نيتشه، ولم تكن ذكرى وفاة عادية كما يصفها المترجم  فقد » استقبلت ألمانيا القلقة بالوزر الثقيل لتاريخها القريب هذه الذكرى مثل ضيف محرج لا تعرف كيف تتصرف حياله، أو دائن لم يسدد دينه بعد، ولم يعترف له بعد بهذا الدين. » فنيتشه مدان بالنسبة إلى بعض الألمان و »معتدى عليه، ومتعسف عليه ومنهوب عنوة واغتصابا » بالنسبة إلى البعض الآخر. وكان  كتاب  بيتر سلوتردايك مشعلا لفتيل الجدل حول نيتشه من جديد.

الترجمة التي رحبت بها دار الجمل  لصاحبها الشاعر خالد معالي كانت أيضا اعادة اطلاق لحلم المترجم/المريد التونسي لنقل أعمال نيتشه إلى العربية والانتقام له مما لحقه من عمليات تشويه نصي من الترجمات عن اللغات الأخرى أو الترجمات التجارية التي تزايدت بلا أي حياء.

 ولكن كيف للمترجم أن يعبر عالم هذا الفيلسوف الذي وصفه  نفسه بأنه لم ليس بانسان « بل عبوة ديناميت » أو كما وصفه بيتر سلوتردايك ب »الكارثة في تاريخ اللغة؟

« هذا هو الانسان »وأخواته أو الورطة الرائعة

بعد تجربة العتبات والفرجة من الثقب، ثقب النقد والتأويل مع بيتر سلوتردايك اختار علي مصباح أن يمسك نيتشه من كتابه الأكثر شمولا، كتابه الأوتوبيوغرافي » هذا هو الانسان » الذي يعرض فيه نيتشه مشروعه الفلسفي ومجمل أعماله وبعض تفاصيل حياته ليكون مدخلا ناجحا لطريق طويلة  سيمشيها المترجم  في أفكار الفيلسوف. ولم ير المترجم من فائدة في وضع تقديم لكتاب يقف صاحبه متوعدا قراءه  والبشرية « بالزامات جسيمة لم تعرف لها مثيلا في السابق  » ويمضي نيتشه منذ البداية في تأكيد طبيعة الكتاب الاوتوبيوغرافي ووضع ميثاقه في الاعتراف بدوافع وضع الكتاب وهو التنكر، تنكر جيله له مما جعله لا يسمع به  ولا يراه أحد. فيصدح في أول المقدمة »اسمعوني! فأنا فلا الفلاني. لا تخلطوا بيني وبين شخص آخر. » ويشبه نفسه بتلميذ ديونيووس ويحذر قراء كتابه من اعتباره فزاعة أو غول اخلاقي وأن الأفضل أن يعتبره مهرجا على أن يعتبروه قديسا.

هذا الكتاب الذي أوصى فيه نيتسه قراءه بأن يضيعوه ويجدوا أنفسهم كان فاتحة أعمال نيتشه المترجمة بقلم علي مصباح فأخذ ناشره يحرضه على ترجمة المزيد مستغلا حاجة دفينة كانت تتأجج دائما في أعماق المترجم التونسي وهي تحرير نيتشه من ترجماته السيئة عربيا وشغفا بهذا الفيلسوف الضارب في أعماق العمق. هكذا كان الناشر يتواطؤ مع أعماق المترجم ليمضي المشروع في التراكم حتى كانت التجربة الأصعب مع الكتاب العمدة؛ هكذا تكلم زارادشت.

قضى علي مصباح سنوات في نقل هذا الكتاب إلى العربية فصحبه في رحلاته إلى الشرق الأدنى واعتكف في الريف البعيد يعارك زارادشت المجنون  تارة والنبي تارة أخرى. حتى ظهر الكتاب وشيع  مريدوا نيتشه جثمان ترجمته القديمة غير مأسوف عليها.

كان صاحب رواية »حارة السفهاء » كما صرح لنا يقول كل مرة وهو يترجم كتابا لنيتشه بأنه الكتاب الأخير ولن يقدم على غيره ولكنه يعلم في قرارة نفسه بأنه سقط في الشرك وأن تعلقه بنيتشه مصير اختاره وفقد السيطرة عليه لذلك ما إن أتم ترجمة « هكذا تكلم زاردشت » وكتاب  » غسق الأوثان » ونقيض المسيح »   حتى أطل عليه كتاب  » انساني مفرط في انسانيته » برأسيه مبتسما. لتبدأ تجربة جديدة في الترحال المعرفي فيقذف به نيتشه من جديد  من برلين نحو كمبوديا لينفرد بانسانيته المفرطة. خرج علينا  هذا العام جزءه  الأول : انساني مفرط في انسانيته / كتاب للمفكرين الأحرار  » لتترنح الترجمة القديمة كما يترنح ملاكم تعرض للكمة قاسية منتظرا الضربة القاضية. فيضحك السفهاء في حارتهم وهم يشاهدون حلبة المترجمين ونيتشه في زيه الأسود صارخا : ما من حياة دون متعة، والصراع من أجل المتعة صراع من أجل الحياة. »

 

  

 

 

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

العين الحمرا مبادرة كمال الرياحي « هز الكتاب ضد الجهل والارهاب »

Diapositive1

 

العين الحمرا

مبادرة ثقافية شعارها  » هز الكتاب في وجه العنف والجهل والارهاب .

العين الحمرا:مبادرة ثقافية اجتماعية ضمن مشروع » قريب جدا » للروائي التونسي كمال الرياحي. انطلقت بالتقاط قراؤه عدد كبير من الصور يرفعون فيها  روايته المشرط  على وجوههم.  غلاف الطبعة الثالثة من المشرط بدار الساقي اللبنانية يظهر بها نصف وجه ليشكل كل قارئ وجها كاملا نصفه وجهه ونصفه الوجه الذي بغلاف الكتاب في اشارة إلى قيمة الكتاب في تشكيل هويتنا وأن الكتاب سلاحنا الوحيد ضد الجهل والطغيان والعنف والإرهاب. الكتاب هو الشيء الحميمي والقريب جدا والكتاب هو الصديق والرفيق الأبدي ما دام الوجه حيا لذلك نقربه أكثر من وجوهنا دون خوف.  تأتي هذه المبادرة في وقت بدا النفور يتزايد من الكتاب في مجتمعاتنا العربية وهو ما يهدد هيتنا وتقدمنا.

 

 

الأهداف :

« العين الحمرا » توجه مجموعة من الرسائل:

–         ضد العنف الموجه ضد المرأة .

–         ضد الإرهاب الفكري والمادي

–         ضد الأمية والتسرب المبكر من التعليم

–         ضد التمييز والعنصرية.

–         انقاذ الأدب باللعب من البؤس والعودة به إلى دوره الرئيس في أن يكون مصدر متعة وفرح.

–         الحق في القراءة كحاجة أساسية وأبدية مثلها مثل الماء والهواء.

أو برامجها حشد التبرعات قريبا لتوفير الأدوات المدرسية للأطفال المحتاجين في القرى التونسية النائية  .

ومن جهته بادر الروائي كمال الرياحي بالتبرع بثلث عائدات كتبه الروائية والنقدية ووضع على ذمة المبادرة أكثر من 500 كتاب. كما أعلن عن تبرعه بكل المكافآت التي سيحصل عليها سنة 2014 من اللقاءات التي يشارك فيها في تونس كمحاضر أو مدير ورشات أدبية. وسيسعى إلى إقامة ندوات ولقاءات وعروض ومعارض للكتاب لصالح الأطفال المحتاجين بتونس؟ وينتظر تضامنا من الكتاب والفنانين لإنجاح هذه المبادرة.

Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

الروائي كمال الرياحي يخصص عائدات رواياته لشراء أدوات مدرسية للأطفال المحتاجين

Diapositive1

قررالروائي ومدير دار الثقافة ابن خلدون كمال الرياحي تخصيص ثلث عائدات روايتي « المشرط » و »الغوريلا » الى حملة لشراء ادوات مدرسية للأطفال المحتاجين بإحدى القرى التونسية
واكد الرياحي أنه سيستورد عددا من النسخ بنفس السعر الذي تطرحه المكتبات وهو 15 دينار وسيخصص ثلث هذا المبلغ للأطفال.
وفي هذا الصدد قال: »هذا ما يمكنني ان أساهم به لأطفال تونس المحتاجين وسأتنقل بنفسي مع مجموعة من المساهمين لزيارة هؤلاء الاطفال والقيام بأنشطة ثقافية لفائدتهم »
وطالب الرياحي من كل من يريد المساهمة الاتصال به عبر صفحته الرئيسية بالفايس بوك 

https://www.facebook.com/kamel.r.novelist?fref=ts

 

العين الحمرا : هز الكتاب في وجه العنف والإرهاب


من جهة اخرى بعث كمال الرياحي مسابقة تحت عنوان « العين الحمرا » وذلك ضمن مشروع بعنوان « قريب جدا ». قريب جدا عبارة للفيلسوف الألماني نيتشه وردت في كتابه  » انساني مفرط في انسانيته » وتاتي هذه المبادرة لتشجيع الشباب على القراءة من ناحية وتقريب المبدع من جمهوره وكسر الحواجز القديمة بين النخبة والناس . 

العين الحمرا توجه رDiapositive1سالة ضد العنف الموجه ضد المراأة رسالة ضد الإرهاب الفكري والمادي وسيقع التصويت عبر الصفحة على أفضل تعبيرة بالمشرط. المشاركة مفتوحة للصغار والكبار والرجال والنساء والتونسيين والعرب والأجانب 
وفي مرحلة ثانية سيبحث الروائي عن شريك من المجتمع المدني لاستغلال هذه الحملة لتجميع بعض التبرعات لصالح الاطفال المحتاجين في قرية توجان التونسية. ويتبرع الروائي بثلث ثمن الرواية التي سيضع على ذمة التظاهرة مائة نسخة مبدئيا . النسخ الموجودة في المكتبات لا تدخل ضمن النسخ المتبرع بها لانها على ملك المكتبات التي اقتناها لكن سيقع توفير نسخ خاصة بتظاهرة العين الحمرا وسيعلن عن نقطة البيع لاحقا . 
الرواية موجودة في طبعتها اللندنية بكل من مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة مكتبة سندريلا بالدباغين ومكتبة المعرفة بساحة برشلونة .

وافادنا كمال الرياحي أنه يفكر في تعميم هذه الفكرة وبالمناسبة وجّه دعوة الى الكتّاب للمشاركة في هذه الحملة من أجل اعادة الكتاب الى الواجهة أولا ومن أجل محاربة كل أشكال العنف والارهاب وكذلك لأعادة البسمة للأطفال خاصة الذين يعانون من ظروف اجتماعية قاسية .

ألبوم بالمشاركين في الحملة

https://www.facebook.com/kamel.r.novelist/media_set?set=a.10152366195079874.1073742021.560539873&type=1

سناء الماجري 

Publié dans news أخبار الكاتب | Laisser un commentaire

العين الحمرا : ارفع الكتاب ضد العنف والإرهاب

صورةhttp://www.hakaekonline.com/?p=58440

كشف الروائي « كمال الرياحي » أنه سيقتني عددا كبيرا من نسخ روايته « المشرط » في طبعتها اللبنانية ويتبرّع بثلث مداخيل بيعها لأطفال الجهات المهمّشة في تونس ، داعيا الكتاّب التونسيين والجمعيات المهتمة بالشأن الثقافي الى أن يحذوا حذوه

كما بيّن « الرياحي » لحقائق أون لاين أنه بصدد اجراء مشاورات مع ثلّة من الكتاب التونسيين والجمعيات قصد فتح مجال المشاركة لعدد أكبر من المساهمين في اقامة معرض كتب يتنقّل فيه الكتاب والكاتب معا نحو المناطق المحرومة فتباع المؤلّفات لهواة المطالعة ويخصّص ثلث ريع المبيعات لاقتناء أدوات مدرسية للأطفال المحتاجين.

هذه المبادرة التي تأتي في اطار حملة « العين الحمرا » جاءت بناء على شهادات تلقّاها الروائي كمال الرياحي من أصدقاء له زاروا منطقة « توجان » في « مطماطة » وهالهم ما لمسوه فيها من فقر مدقع وطفولة محرومة لصبيان يذهبون حفاة الى المدرسة وفتيات أقصى طموحهنّ « التخرّج » من الصفّ السادس ابتدائي.

وأكّد صاحب « المشرط » أنّ المبادرة ليست استجداء من أجل لمال بل مساهمة في تشجيع الاقبال على الكتاب ومحاولة للتصدّي للجهل والفقر والعنف والأمية التي تفاجأ الشعب التونسي بارتفاع معدّلها بعد الثورة ، مضيفا أنه يرى في أطفال الأرياف التونسية صورة نفسه التي عاشت الخصاصة أيام الطفولة.

وكان كمال الرياحي قد أطلق منذ فترة قصيرة حملة بعنوان « العين الحمرا » دعا فيها كلّ مناصري الثقافة وحقوق الانسان ومناهضي الأمية والعنف الى التقاط صور شخصية مع روايته « المشرط » ونشرها على المواقع الاجتماعية في رسالة ضدّ العنف المسلّط على المرأة والارهاب والجهل . وهي حملة تتنزّل ضمن مشروع ثقافي واجتماعي أكبر هو مشروع « قريب جدّا » الذي تتمثّل فكرته في تقريب المبدع من الشارع ومن الفئات المسحوقة ، خاصّة وأنّ المثقفين التونسيين قد اتّهموا بعد الثورة ببعدهم عن مشاغل الشارع التونسي واعتكافهم في أبراجهم العاجية حسب ما أكّده صاحب روايتي « المشرط » و »الغوريلا » كمال الرياحي.

محدّثنا بيّن كذلك أنّ « العين الحمرا » هي بالأساس رسالة تحذير من الارهاب الذي يجسّده تنامي العنف وعودة الرقابة وأنها محاولة لـ « إعادة الأدب الى اللّعب » وأنسنة الكتاب الذي أصبح غريبا لدى عامة الناس.

Diapositive1

وفي سؤال له حول موقفه من تناول السينما لقضية « الشلاط » التي كتب عنها في روايته « المشرط » ، أجاب كمال الرياحي أنه لم يشاهد بعد فيلم « شلاط تونس » للمخرجة كوثر بن هنية لكنه تعاون معها منذ عام 2009 بتقديمه تسجيلات حول دوافع كتابته للرواية الحائزة على جوائز وطنية ودولية عديدة. واعتبر أنّ حادثة الاعتداء على نساء تونسيات بمشرط سنة 2003 تهمّ كل التونسيين ومن حق كلّ المبدعين العودة اليها وتناولها بمقاربات مختلفة.

وشدّد الروائي على أنه من المهم التقرّب من الشارع لكن مع وجوب الحذر من تحويل الرديء الى جيد والمجرم الى بطل. فظهور الشلاط في شوارع تونس كان عنفا موجّها ضدّ المرأة والجسد والحداثة ولا يمكن أبدا أن يكون له بعد ايجابي.

واختتم كمال الرياحي صاحب مبادرة « العين الحمرا » حديثه قائلا انه يحمد الله على ما بلغه من قاعدة جماهيرية شبابية كبيرة في تونس والخارج والتي تعود حسب رأيه الى عودة الشباب لمعانقة الكتاب بعد ظهور كتّاب يمكن أن يقرؤوا لهم ، مضيفا أنه هو نفسه كثيرا ما أصيب بالاحباط بعد مطالعة بعض مؤلفات وضعها كتاب آخرون.

Publié dans news أخبار الكاتب, Uncategorized, المشرط | 1 commentaire

« فرانكشتاين في بغداد ».. صناعة الوحش لمقاومة الوحشية / كمال الرياحي

رواية العراقي أحمد سعداوي المرشحة للبوكر 
« فرانكشتاين في بغداد ».. صناعة الوحش لمقاومة الوحشية
"فرانكشتاين في بغداد".. صناعة الوحش لمقاومة الوحشية

كمال الرياحي

منذ سنوات تهاطلت الأعمال الأدبية التي حملت عناوين كتب عالمية شهيرة أو أبطالها أو أسماء كتابها أو إحالة على عوالمها، ومنها مثلا ‘زوربا البرازيلي’ لخورخي أمادو، أو ‘كافكا على الشاطئ’ و’1984′ لهاروكي موراكامي.

وعربيا هناك ‘أصابع لوليتا’ و’حارسة الظلال أو دونكيشوت في الجزائر’ لواسيني الأعرج أو ‘بابا سارتر’ لعلي بدر أو ‘عزيزي السيد كواباتا’ لرشيد الضعيف.

وها هو العراقي أحمد سعداوي يلتحق بهذه الظاهرة في الأدب الغربي والعربي بروايته ‘فرانكشتاين في بغداد’ الصادرة عن دار الجمل والمرشحة في القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، في إحالة مباشرة على رواية ‘فرانكشتاين’ لماري شيلي.

شيلي وسعداوي
انطلقت الرواية الإنجليزية من حكاية الطالب فيكتور فرانكشتاين الذي تمكن من اختراع كائن جديد عملاق، انتفض يروم الانتقام من الطغاة والتخلص من زعماء الشر الذين كانوا سببا في دمار العالم بتوظيفهم السيئ للعلم، فأقاموا الشر بدل الخير واستعبدوا الناس في كل مكان.

غير أن الوحش يتمرد على مخترعه ويتحول إلى آلة أخرى للقتل حتى ينتهي به المطاف إلى قتل فيكتور فرانكشتاين نفسه، بعد أن أجهز على زوجته وأخيه.

يأخذ سعداوي هذه الحبكة وأصل الفكرة المعروفة لينزلها من جديد في فضائه البغدادي سنة 2005 إثر الغزو الأميركي للعراق، فانطلق بذلك من واقع فعلي ووقائع يومية سريالية يشاهدها المواطن العراقي في بغداد يوميا، واقع التفجيرات الذي تحول إلى سياق يومي سوداوي أصبح خليقا بظهور عظيم. فالعراق بدا وكأنما ينتظر ‘غودو’ ليخرج من مستنقع الدم، ولأن غودو ارتبط بالانتظار اليائس كان فرانكشتاين هو الحل عند سعداوي.

إن حالة الدمار التي يعيشها الفضاء العراقي البغدادي، كما يراها الكاتب ويعيشها نزعت عن المكان مفهومه الأصلي وإحالاته المرجعية المرتبطة بالتمدن والأمن والسكن والثبات، وجعلت منه فضاء عدوانيا وطاردا ولا يؤتمن، فهو مكان موبوء بالفجيعة، ملطخ طوال الوقت بالدم، فضاء مفكك بعد بناء انعكاسا لصورة العراقي المستهدف والمتطايرة أشلاؤه في التفجيرات الإرهابية.

هذا الفضاء المتطاير، وهذه الأشلاء المبعثرة تطلبت ظهور’هادي العتاك’ بائع العاديات ببغداد الذي سيهرع بعد كل تفجير ليلتقط عضوا بشريا من إحدى الضحايا ليبني به كائنا قويا ينتفض في شكل عملاق سيسعى للانتقام من الإرهابيين الذين تسببوا في تلك التفجيرات.

الكائن الجديد إذاً هو ‘وحدة’ الضحايا والشهداء، لأنه مشكل من الذين استشهدوا في تفجيرات متباعدة، وهو لا يمثل هوية فردية ولا يحمل هوية إثنية أو عشائرية ولا حتى أيديولوجية، إنه يعكس العراقي في حالته الخام.

هذا هو المعنى العميق لهذا التناص الرفيع مع فرانكشتاين الأصلية والتي لم تحمل هذا المعنى. إن خروج هذا المارد للانتقام من قوى الشر والمتمثلة في الإرهابيين هو دعوة إبداعية وثقافية لخروج كل العراقين للتصدي لعدو واحد هو الإرهاب واستبعاد الانتماءات بشتى أنواعها، خروج الأجساد الحية دفاعا عن الحياة المستهدفة من أباطرة القتل.

الجسد في الحرب
في ‘فرنكشتاين في بغداد’ نحن أمام تعامل آخر مع الجسد البشري، وكما كل فضاءات الحرب ينتزع الجسد أهمية كبرى بصفته موضوع صراع، فالصراع صراع أجساد حول الأجساد، صراع حول إخضاع أو محو أجساد لتمكين أجساد أخرى من الحلول محلها.

مستعمر أميركي يطأ الأرض بأجساد محتشدة من كل مكان ومرتزقة وتجار سلاح وأجساد إرهابيين يفخخون السيارات والعباد في عمليات انتحارية، وأجساد أخرى تتعرض للتنكيل والتفجير والمحو والتمزيق هي أجساد السكان الأصليين للأرض، وجسد يبنى من تلك الأجساد المعاقبة والمقموعة والمقتولة لينتفض منتقما من الأجساد السابقة. إنها حرب الأجساد كل الأجساد، في غابة معاصرة بوحوش أعنف.

فرنكشتاين أو هادي العتاك
لقد مهد صاحب رواية ‘البلد الجميل’ لشخصيته الروائية الجديدة بما يجعلها جديرة بدورها الذي يوكله لها، فأضفى سعداوي على هادي العتاك بعد الغموض الضروري، فهو وافد على الحي ولا أحد يعلم من أين جاء.

تاجر خردوات مجهول اقتحم الحي مع زميله في وقت أصبح فيه الفضاء بلا هوية، منتهكا من الغرباء، لكن ‘الكثيرين في الحي يعرفون هادي العتاك وناهم عبدكي قبل هذا بسنوات، كانا يمران بعربة يجرها حصان لشراء الأغراض المستعملة والقدور والأجهزة الكهربائية المعطلة’ كما مهد لنا الروائي للدور الجديد للشخصية بأدوار سبقتها كترميمه للخرابة اليهودية وإقامته فيها.

يظهر هادي العتاك بحي البتاوين ببغداد منذ البداية، في صورة باعث الحياة في المهمل والمتروك والميت من الأشياء والأمكنة، قبل أن يصل إلى اختراعه في بعث المارد العملاق من أشلاء الشهداء.

ربط الرواي ذكر هادي العتاك بالعجيب، فيصف الحكايات التي يرويها في المقهى بالحكايات العجيبة أو الحكايات الخيالية، وبقيت حكايته التي يرويها عن ذلك المارد الذي شكله من بقايا ضحايا التفجيرات الإرهابية مجرد خرافات لرجل مجنون.

لم يصدق الرواية إلا العميد سرور مجيد -مدير هيئة المتابعة والتعقيب والمكلف بالبحث في قضية هذا المجرم- والذي افتتحت به الرواية في بيان تحت عبارة ‘سري للغاية’ يأمر بملاحقة المؤلف الذي اكتشف أنه كتب رواية انطلاقا من هذه الأخبار والحكايات العجيبة التي رواها هادي العتاك بالمقهى. وهكذا تعيدنا صورة المؤلف إلى صورة العتاك الذي يعيدنا إلى صورة فرانكشتاين في فن الترميم والخلق من النفايات.

رواية ‘فرانكشتاين في بغداد’ لسعداوي رواية تمثل جيلها في وعيها براهنها الاجتماعي والسياسي مستفيدة من الموروث الأدبي العالمي لتؤسس مع عدد من التجارب العربية الأخرى لحساسية جديدة في الرواية العربية بدأ يمثلها تيار يتحرك بالتوازي في المشرق والمغرب في انتظار فرانكشتاين نقدي يقارب هذه النصوص ويجمع هؤلاء الكتاب فيما يوحدهم فنيا ويميزهم عن بعضهم.

Publié dans مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

الفيل الأزرق لأحمد مراد عنف المتخيل وسوريالية الصورة

Diapositive1

كمال الرياحي . تونس

يعد أحمد مراد أحد الروائيين الجدد في مصر الذين  حققوا  نجاحا لافتا في السنوات الأخيرة . فقد لفت الانتباه منذ نصه الروائي الأول “فيرتيجو” الذي ترجم إلى عدد من اللغات وطبع عديد الطبعات قبل أن يتحول إلى عمل درامي تلفزيوني بنفس العنوان بطولة الممثلة التونسية هند صبري ، هذا النجاح الذي حققه أحمد مراد مع نصه البكر  أكده مع روايته الثانية” تراب الماس” والتي حققت نجاحا جماهيريا لافتا. روايته الثالثة “ الفيل الأزرق” لم تنتظر نتائج ظهور القائمة الطويلة لجائزة البوكر لهذا العام لتحقق هي الأخرى نجاحها فقد لاقت الرواية التي صدرت سنة 2012 نجاحا كبيرا مما أهلها لتترجم إلى الايطالية قبل أن تظهر في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية كأحد الروايات المرشحة لاعتلاء عرش الرواية العربية لهذا السنة. وقد وقع الانتهاء من تصويرها فيلما اخراج مروان حامد وبطولة  خالد الصاوي وكريم عبد العزيز وقد كتب السيناريو صاحب الرواية نفسه.

حكاية تبدأ في العباسية

تدور الرواية حول قصة »الدكتور يحي « الطبيب النفساني الذي انقطع سنوات عن عمله بالعباسية وأهمل بحثه  الجامعي ،رسالة الدكتوراه،   بعد أن فقد زوجته وطفلته في حادث مرور،  يتلقى في يوم من الايام انذارا بالرفت إن لم يلتحق بعمله وعند عودته لمستشفى العباسية في جناح جديد ؛ « ٨ غرب » والمتخصص في الحالات النفسية والقانونية الصعبة والمرتبطة أساسا بالمتهمين بالقتل المحالين من محاميهم على الفحص الطبي في محاولة منهم لانقاذهم من مصير الإعدام، هناك يجد يحي نفسه أمام أحد أصدقائه القدامى من الأطباء « شريف الكردي » متهم بقتل زوجته ودفعها من الطابق الثلاثين لعمارة شاهقة. هذا اللقاء سيقلب حياة يحي ويحولها إلى جحيم يأتي من فتح ملفات المتهم الذي بدا في حالة نفسية سيئة رافضا للكلام.

انطلاقة صعبة لاعادة اكتشاف الذات من خلال البحث في جريمة شخص آخر.

فتنهض رواية « الفيل الأزرق » رحلة في عالم الجريمة والسحر والرعب والمكبوت لتكتب جحيم الذات الانسانية من خلال طلاسم السحرة وحبات الهلوسة »الفيل الأزرق » .

أدب الجريمة من جديد

يعود أدب الجريمة في مصر بقوة مستفيدا من تعلق الكتاب الشباب بالسينما العالمية وسينما الأكشن والرعب  والواقعية السحرية تحديدا وهذه أحد الأسباب التي قربت الشباب في مصر من الرواية التي يكتبها هؤلاء الكتاب الجدد،  ومكن ظهور هذه الروايات من اكتشاف جماليات جديدة للكتابة الروائية انعتقت من المناخات التقليدية للكتابة التي كرست بعد نكسة 67 والتي تدور غالبا اما في السياسي والتاريخي أو في الواقعية المحفوظية. ومن خلال هذه الأعمال الجديدة تجدد المعجم الروائي المصري والعربي بشكل عام بتجدد المناخات واختلاف الرؤية باختلاف ثقافات الروائيين.

الجريمة في هذه الرواية تتخذ من العجائبية والسحرية أحد أركانها. فالأبحاث التي انتهى  إليها الطبيب النفساني « يحي » لتبرئة زميله وصديقه المتهم بالقتل أوصلته إلى أن القاتل ليس سوى الكائن الغيبي، الشيطان أو الجني، الذي سكن جسد المتهم ونقل له بعد أن قامت مشعوذة  برسم وشم أو ما يعرف بالتاتو لزوجته التي جاءتها تسعى إلى طريقة لتحسين علاقتهما الحميمية. فأصبحنا في « الفيل الأزرق » أمام جريمة مركبة المتهم فيها طبيب نفساني والمقتول زوجته والقاتل الحقيقي شيطان أو جني.

هكذا تستفيد الرواية مع أحمد مراد من حبكة الرواية البوليسية وروايات الرعب والتحري من ناحية ومن مناخات الرواية السحرية من جهة أخرى دون أن تحرك قدميها من أرض الواقعية التي يشير اليها بقوة مستشفى العباسية.

لقد استطاع أحمد مراد في رواياته السابقة وروايته الجديدة أن يعيد عنصر التشويق للرواية المصرية من خلال ايقاع خاص قائم على حبكة البحث عن الجاني واشاعة الغموض المدروس والعلامات المدسوسة لتقفي حقيقة تائهة هي حقيقة الجريمة: من القاتل؟

عنف المتخيل وسريالية الصورة

كلما تقدم القارئ مع هذه الرواية إلا وانهالت عليه الصور السوريالية  من ناحية وعنف المتخيل من ناحية أخرى وهذا الأسلوب يجد مشروعيته في هذا النص الذي يتحرك في عالم الجريمة وعالم اللامعقول في ذات الوقت. نقرا مثلا وصفه للمريض الصامت أمام أسئلة الطبيب ب »تمثال من الرخام تمطره الطيور بالفضلات » واختياره ميتة بشعة وسريالية لزوجة المتهم : » جسدها خرقة مستعملة حلقت من السماء السابعة إلى الأرض، قبل أن يمر فوقها بابور زلط صدئ، لترات دم غليظة نضحت من جسدها المغروس في الاسفلت وعظام اتخذت اتجاهات مخالفة ». وتتواصل هذه الأوصاف والأحداث على طول الرواية وكأننا بالروائي يتمتع بالتنكيل بشخصياته فيقدمها لنا في حالة مزرية حتى يتحول القرف إلى مناخ عام للرواية التي لا تكتفي بالجريمة فقط بل تعمل على مسرحتها بشكل يجعل من الواقع لا يطاق وهذا ما سيؤهلها لدخول اللامعقول ويدفع بالقارئ إلى عالم الرعب وهو يلاحق مصائر الشخصيات.

لقد استثمر أحمد مراد مجهودا واضحا للإمساك بخيوط عالم الأمراض النفسية وأعراضها وبدا واضحا أن الرواية احتاجت بحثا حثيثا ومعايشة ربما لحالات مرضية بمستشفى العباسية أو غيرهاومشاهدة عدد مهم من الأفلام التي اشتغلت على هذه العوالم لكي يؤرضن بعد ذلك الكاتب كل تلك الحالات في مصر.

رواية » الفيل الأزرق » رواية يشبهها  الناقد صلاح فضل بشيفرة دافنشي لدان براون وأراها توليفة بين ايقاع وحركية ستيفن كينغ في رواياته « شاينينغ » و »بؤس، ميزري » أساسا وسحر وغموض « اسم الوردة » لأمبيرتو ايكو واستدعاء لتيار الواقعية القذرة في ليؤرضن كل ذلك في بيئة مصرية خصبة للتخييل بلمسة مخرج سينمائي في ثوب روائي نجح في كتابة رواية مشهدية لم تنتظر طويلا لتختطفها الشاشة البيضاء.

 

رابط المصدر

http://www.aljazeera.net/news/pages/4c99ecaf-a1e6-4c9e-a0f7-148bf358b4e7

 

Publié dans مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

رسالة سوداء إلى صاحب الكتاب الأسود

صورة

سيدي الرئيس

كنت قد كتبت لك رسالة يوم دخولك القصر لأول مرة ونبهتك إلى ما يمكن أن تسقط فيه وما قد يسقط عليك. سيدي الرئيس كنت تساءلت هل ستكون ليلتك حمراء أم زرقاء أم أنك ستكتفي بجلد عميرة لأن الفوز بالانتخابات التي لم تحدث قد يحدث لك عنة، وبسبب تلك الرسالة أوقفت عمودي في مجلة الإذاعة التي كنت أكتب بها. وأنت تعلم أن من يوقف عمودا عليه أن يجلس عليه. سيدي الرئيس مستاء جدا أنني لم أكن بكتابك الأسود فشرف لي أن أكون فيه على أن تكون رئيسا لبلادي بعد الثورة.

سيدي الرئيس لا سيادة لك. ولتعلم أنك زارع فتنة في هذا البلد ، وكتابك الأسود يليق بك ويليق بنهايتك السوداء ، ولكن لتعلم أن من ساعدك في جمع تلك الأسماء والتشهير بها هم أيضا سيكونون ضمن كتاب اسود سيؤرخ لأفظع فترة شهدتها تونس وكنت رئيسا عليها دون سبب.

اكتبْ وحبّرْ أيها المغبّر

أنت، أيها الرئيس الجائر الجائع الجافل بدأت حياتك بكتاب قصصي بائس اخترت له عنوانا يشي بمستقبلك « الطبيب والموت » وكنت طبيبا لم يأت إلا بالموت لشعب أراد الحياة . سيذكر التاريخ أنك كنت عظيما مثل الوباء ؛ طاعونا خالص الداء والضرر، وستلحق في هوامش الطغاة المجانين وستكون يوما مادة مسرحية لأحفادنا وأولادنا. وسيضحك  منك وهند الجن والإنس من كائن خرافي دخل حديقة قصر رئاسي فاقتلع كل زهورها وزرعها بقولا . أيها الرئيس التعيس حامل المظلة وراكب البرنس الثقيل، غدا يجرفك التاريخ لمصبات القمامة. وينشد الشعب من جديد: » نريد الحياة كما كنا دوما وذاك الطبيب كان هلاكا وفقنا »، أيها الخانس في قصر يأكل ويروّث مثل البهائم بأموال شعب مصاب غدا تصيدك السواعد مثل الغراب وتسف التراب الذي خنته.

اكتبْ

وحبّر هناك أسماء جديدة تضاف لدفترك الأسود . سنصفق لكل اسم جديد وتبقى مسخرة عهد جديد أردناه أخضر. رجال ونساء وأقلام أنارت عقولا وخرّجت جيلا وجيلا تلوثها بعقلك الهارب منك فريح فمك أصبح لا يطاق ويصل سواده أرض العراق .

أيها رئيس العقل الأسود ، فكر الآن،  وأنت بفراشك الناعم،  بأطفال الفقراء في الأكواخ العارية . صوت المطر على شابكك رومنسية وصوته على الفقراء قنابل عنقودية .

 

كمال الرياحي

للاطلاع على الرسالة الأولى  الضغط على الرابط التالي:

https://kamelriahi.wordpress.com/2013/08/03/رسالة-إلى-سيدي-الرئيس-في-ليلته-الزرقاء/

Publié dans Uncategorized, مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

عمل أردني يعرض بأيام قرطاج المسرحية أسئلة المستقبل الغائم بمسرحية « حارس النبوءة »

لم يدم عرض المسرحية الأردنية « حارس النبوءة » أكثر من ساعة في لوحة وحيدة وقطعة ركحية واحدة، وقد بدأت بعبارة « ثمة شيءمشهد من من مسرحية%22 حارس النبوءة %22 نص مفلح العدوان يحدث » وانتهت بها، لتؤكد حيرة الإنسان اليوم أمام ما يجري له وحوله، ضمن هذه التحولات الجيوسياسية والثورات الشعبية والأحلام الغائمة وسط غبار سياسي كثيف.

وافتتحت « حارس النبوءة » عروض فضاء التياترو المسرحي في العاصمة التونسية ضمن أيام قرطاج المسرحية، وهي من إخراج فراس المصري وتأليف الأديب مفلح العدوان وتمثيل كل من أريج جبور، ومرام أبو الهيجاء، وطارق تميمي، ومحمد جيزاوي.

الأدب والمسرح
وتمثل هذه المسرحية نصا أدبيا متميزا قدّم على الخشبة بلغة شعرية أنيقة قارب بها مفلح العدوان أسئلة الراهن العربي والكوني، ومنها الربيع العربي، دون أن يسقط في الخطاب المباشر الذي سقط فيه عدد غير قليل من كتاب النصوص المسرحية، فكانت المسرحية قطعة أدبية راقية.
حاول العدوان أن ينزل عمله الأدبي المسرحي ضمن سياقات تاريخية راهنة، وفي الوقت نفسه ضمن خلفية تاريخية وثقافية خاصة تحيل العمل إلى تربته الأردنية من خلال استدعاء التاريخ النبطي ومملكة الأنباط التي قامت في الأردن وشملت غرب الجزيرة العربية وكانت عاصمتها البتراء.

وقد عرفت هذه الممكلة ازدهارا كبيرا في العلوم والاقتصاد والفن، فشيد فنانوها مدنها في الصخور الضخمة لتكون إعجازا آدميا لقدرة الفنان على الابتكار.حارس النبوءة  في التياترو

بدا العمل يداور مفهوم الحرية وإمكاناتها من خلال اللعب على ثنائيتي السجان والعرافة، والنحات والراقصة، وثنائيتي الميتافيزيقي والفيزيقي، والانتظار والحركة: انتظار النبوءات أو التحرك لإقامة التغيير بالفعل والفن وإثارة الغبار وتحريك الأتربة المتلبدة والمحجوزة في الأواني، ليندلع الغبار كعنوان للمغامرة التي لا يمكن أن تكون دون الدخول في الغموض.

اجتهد المخرج في تقديم رؤية ركحية حداثية من خلال ديكور حاول جاهدا أن يجعله معبرا عن متن العمل المسرحي ورؤاه. وكان أداء معظم الممثلين مميزا في العمل المسرحي الذي تم تقديمه باللغة العربية الفصيحة.

مسائل تقنية
لكن ما يمكن أن يعاب على هذا العمل هو بعض المسائل التقنية التي كان يفضّل أن تتم مراجعتها، فالخشبة كانت مزدحمة بسبب كثرة الممثلين الذين يداورون الحديث بينهم، مما أحدث تشويشا بصريا وصوتيا وإن كان بعضه مقصودا.

وكان يمكن للمخرج أن يتنازل عن أحد الممثلين -على الأقل- ليكون مجرد صوت خارجي لتهوئة الفضاء المسرحي المزدحم، الذي كان من جملة إكسسواراته التي شكلت ديكور العمل شاشتان كبيرتان مسلطتان بوضع فوقي على رأسي العرافة وعلى رأس النحات.

كما كان صغر المسرح غير مناسب لذر كل ذلك التراب أو الرمل من قبل الممثلين على الخشبة لأنه أدرك المتفرجين، وكان يمكن أن يستعان ببعض الخدع البصرية أو استعمال نوع من الحصى أو الرمل الذي لا يخلف غبارا.

لكن البعض استحسن الأمر لسببين: أولهما أن الغبار كان تعبيرا سيميائيا عن أوجاع النحات وعذاباته في خضم هذا الشيء الذي يحدث من حوله والذي بدأ يستهدفه، وهو استعارة متميزة لواقع الفنان اليوم ضمن هذا الحراك الشعبي الذي يحدث خارج أسوار السجن/الركح. ومن ناحية أخرى لم يكتف العرض بترك أثر نفسي وفكري، بل ترك أيضا أثرا ماديا عندما يخرج الجمهور محملين ببعض غبار الفنان وسؤال الراهن المحير « ماذا يحدث فعلا؟ ».

العمل الذي جاء في لوحة واحدة طالت كان يمكن أيضا أن يقع توزيعه على أكثر من مشهد لتنويع مشهدية على الخشبة ويعطي فرصة للفنان لاسترداد أنفاسه، خاصة أن العمل قائم في بعض فتراته على التداعي الحر أو التأمل الفردي للشخصيات كما هو الحال مع النحات النبطي.

وكان باستطاعة المخرج أن يجد مكانا للعازفين خارج الحيز المشهدي للعرض ويكتفي بدخلتهم الأولى التي بدأ بها العرض وانتهى بها، ولكن مشاهدة العازفين من ناحية والممثلين من ناحية ثانية وما يدور في الشاشتين على الشمال واليمين، أحدث ربكة بصرية حين تحول خشبة المسرح إلى ثلاث خشبات أو أكثر.

تبقى مسرحية « حارس النبوءة » عملا مسرحيا واعدا يشده الأدب بالاستعارة الراقية وتفتح له الخشبة مجالا أوسع للمغامرة الضارية في إشاعة أسئلة الراهن بأناقة أكبر، لتؤكد أولا أن ثمة شيئا ما يحدث في المسرح الأردني.

كمال الرياحي-تونس

Publié dans مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

عمل جديد للمخرج الفاضل الجعايبي « تسونامي » بافتتاح أيام قرطاج المسرحية

تسونامي للفاضل الجعايب ي

أمام جمهور غفير من أحباء المسرح وعدد كبير من الضيوف العرب والأجانب من ممثلين ومخرجين وتقنيين في مجال المسرح، انطلقت أيام قرطاج المسرحية في دورتها الجديدة بعرض افتتاحي للمخرج الفاضل الجعايبي بمسرحيته الجديدة « تسونامي ».
وفوجئ الجمهور والمتابعون للشأن المسرحي في تونس باختيار مسرحية الجعايبي كعرض افتتاح بسبب ما راج حول ضعف المسرحية في عروضها الأولى بباريس وتونس.
وقد تعرضت المسرحية لنقد لاذع من عدد من الذين تابعوها بتلك العروض، وقد جاء إلغاء عرضها بمهرجان الحمامات في الصائفة الماضية ليؤكد هذه الشائعات وأن هذه المسرحية لم تنضج بعد أو أنها تعاني من تشوهات لا تسمح لها بأن تصمد أمام جمهور المسرح الفعلي.
غير أن الجميع تفاءل خيرا وتوقع البعض أن يكون صاحب » خمسون » و » يحيى يعيش » قد أدخل على العمل المسرحي تغييرات جوهرية ما من شأنه أن يتصدر كل الأعمال التونسية الجديدة وينتزع أحقية الفوز بعرض الافتتاح.

البداية غير الموفقة
افتتح العرض متأخرا على مجموعة من الشخوص في العتمة يتحركون بطريقة بطيئة يقتحمون الركح في خط مستقيم أفقي، وطابور من الداخلين للعتمة.

تلك الحركة البطيئة والتي طالت، بدت رتيبة ومكررة بأعمال مسرحية كثيرة منها أعمال الجعايبي نفسه، ولكن تلك الرتابة التي بدأت بها المسرحية يمكن أن نسحبها على كل العرض الذي بدا في مجمله رتيبا يكرر تفصيلا واحدا: الصراع بين امرأة يسارية عجوز منشغلة بتربية قططها، تقوم بأداء دورها الفنانة جليلة بكار، وقوى « الظلامية الدينية » كما أراد أن يسميها الجعايبي في مسرحيته، ويجري ذلك الصراع في مرحلة ما بعد الثورة.تسونامي للجعايبي

كثيرة هي تلك الأعمال المسرحية التي قاربت الثورة التونسية منذ نشأتها إلى اليوم، ومنها ما قدمه توفيق الجبالي في مسرحية « صفر فاصل » ومنير العرقي في مسرحيتي « الرهيب » و »خويا ليبر »، ومن ثمة فلا فيتو يرفع في وجه الجعايبي لأنه تناول الثورة التونسية في عمله الجديد « تسونامي ».

غير أن المسرحية كأنها تتقنع بما هو خارج عنها لتكون سردا كرونولوجيا في كثير من مفاصلها لأحداث الثورة التونسية، وتذكيرا بالاغتيالات والمظاهرات والأحداث بولاية سليانة، كل ذلك دون أن يقع تذويب تلك المادة التاريخية في صلب العمل الفني والحكائي، فجاء الخطاب فجا خاليا من أي معالجة فنية.

 »
المسرحية كأنها تتقنع بما هو خارج عنها لتكون سردا كرونولوجيا في كثير من مفاصلها لأحداث الثورة التونسية وتذكيرا بالاغتيالات والمظاهرات والأحداث بولاية سليانة، دون أن يقع تذويب تلك المادة التاريخية في صلب العمل الفني والحكائي
 »
المنبرية والمباشرة
كما أثقلت الأيديولوجيا اليسارية العمل المسرحي للجعايبي حتى تخاله في كثير من مواطنه خطابا شعبويا بإحدى الفضائيات الوطنية غير المهنية، صياح من كل الجهات وشتائم تكال للطرف الآخر، والحق أن هذه المباشرتية قد أفقرت العمل من كل ما يرتقي به ليكون عملا فنيا جديرا بعرض الافتتاح.

حتى أن الكثير ممن يحمل نفس الفكر اليساري التقدمي والحداثي لم يدفعهم انتماؤهم الأيديولوجي للتعاطف مع هذا العمل الذي بدا كبوة فارقة في تجربة الجعايبي المسرحية المهمة، وقد لوحظ أن العمل فقير حتى من ناحية المعالجة الركحية، فكانت الإضاءة رتيبة فقيرة دون أي اجتهاد وكذلك كان الصوت.

كان العمل خاضعا لاستبداد كاتبته -جليلة بكار- التي نراها في كل مكان من المسرح وفي معظم مشاهده وكأنما بقية الشخوص والممثلين ما أتوا إلا ليكونوا كومبارس يزين « خرجة » الملكة جليلة التي تظهر لكي تشتم وتسب وتلعن وتتهم.

وقد قدمت فاطمة سعيدان بهذه المسرحية أضعف دور في تاريخها، دور سطحي لمذيعة في برنامج حواري تلفزيوني مرة ومرة مقلدة المطربة أمينة فاخت في تدللها على الخشبة.

أسئلة معلقة أخرى يطرحها الكثير من المتابعين للجعايبي، وهو الذي يمثل أحد رموز المسرح التونسي تبقى معلقة إجابتها، متى يتحرر الجعايبي من سطوة نص جليلة بكار الذي بدا هزيلا بهذه المسرحية، ومتى يتحرر أيضا المسرح التونسي من هذا الهياج الثوري والتشنّج والنبرة العالية ويعود إلى جادته الفنية؟

ويبحث جمهور المسرح عن ضالته في أعمال تونسية أخر تعرض بالمهرجان، منها « كلام الليل » لتوفيق الجبالي و »سكاكين في الدجاج » إخراج رجاء بن عمّار ومنصف الصايم، و »غيلان » لعزّ الدين قنون، و »حدّث محمود المسعدي قال » لكمال اليعلاوي، و »الرهيب » لمنير العرقي، و »الاستعراض » لحمّادي المزّي.

أما قائمة العروض العربية فتتضمّن 14 عرضا، من الأردن والجزائر وفلسطين والكويت وليبيا والمغرب ومصر والسعودية واليمن وعُمان وسوريا. ويتضمّن البرنامج عروضا أفريقية من غينيا والكونغو والنيجر، وعروضا أوروبية من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا وروسيا.

كمال الرياحي-تونس

المصدر:الجزيرة

Publié dans مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

جماعة نهج السرد مع كمال الرياحي يقتحمون غرفة كافكا


*ابتسام القشورى

ثقافات
انعقدت مؤخرا ثانى حصص نهج السرد (غرفة كافكا) المختبر الذى أطلقه الكاتب والناقد التونسي كمال الرياحي بعد نجاح تجربة صالونه ناس الديكامرون المختبر الذى من أهدافه النهوض بالكتابة السردية فى تونس ومساعدة الكتاب الشبان على تطوير مهاراتهم فى الكتابة وتدريبهم على التقنيات السردية عبر الاشتغال على نصوص يؤلفونها بأنفسهم يشتغل هذا المختبر بالتوازى مع المدونة الاجتماعية الفايس البوك حيث ينشر الأعضاء المرسمين بالنهج نصوصهم قبل اللقاء بمجموعة نهج السرد ….
دار اللقاء في دار الثقافة ابن خلدون الساعة الثالثة والنصف ودام ثلاث ساعات وحضر اللقاء مجموعة من المثقفين التونسيين من كتاب ونقاد ومسرحيين وغيرهم وافتتح اللقاء كمال الرياحى الذى حاول في البداية أن يعطي بسطة عن حياة كافكا ومنجزه الأدبي وكيف تحول كافكا من مجرد كاتب إلى ظاهرة ثقافية ابداعية في العالم فتأثر بها الرسامون والكتاب والسينمائيون وأعطى  أمثلة على حضور كافكا في الأدب العالمي من خلال روايات حب وقمامة للتشيكي ايفان كليما والغربان أو جواب الأب للألماني غرت هايدرنرايش وكافكا على الشاطئ للياباني هاروكي موراكامي و قصاصات حديث الى دورا للايراني حميد صدر وغيرهم من الادباء الذين اعادوا كتابة كافكا او استلهموا من عالمه ثم بدأ بطرح فكرة الورشة التي حملت عنوان »غرفة كافكا وبين امكانات التفاعل مع عالم كافكا في اكثر من مستوى فني وتيمي….. كما قرا الرياحي بعض مقاطع من كتابات كافكا حول علاقة الكاتب بالكتابة ومنها قول كافكا « ليس لي اهتمام بالأدب. أنا متكوّن من الأدب. ليست شيئا آخر ولن أكون شيئا غير ذلك « أو قوله  » يجب أن يكون الكتاب فأساً للبحر المتجمد فينا. »وقوله « الكتابة انفتاح جرح ما »..
ثم انطلقت الورشة بقراءات لمجموعة من الأصوات الأدبية الجديدة في تونس وكان تمّشى الحصة انه بعد ان يفرغ كل كاتب من قراءة نصه يتدخل المشرف بإبداء رأيه فى النص محاولا توجيه الكاتب وإرشاده إلى تصحيح بعض الجزئيات فيه ثم اُعطيت الكلمة للحضور والضيوف لإبداء آرائهم فى النص المقروء. وتجدر الإشارة أن التعامل مع عالم كافكا فى النصوص كان متنوعا فمنهم من استدعى شخصية كافكا وكانت حاضرة بالاسم ومنهم من استدعى الفضاء الكافكاوى ومنهم من استلهم نصوص كافكا كالمسخ والمحاكمة والقلعة والكثير منهم ركزوا على الطابع الكابوسي الذى يميز كتابات كافكا وقد اشار المشرف ان التفاعل مع عالم كافكا لا يعني بالضرورة وجود كافكا في النص انما هو ما يتركه عالمه من انفعال في الكاتب الذي يكتب نصا جديدا…
طرح المختبر أكثر من خمس عشرة قصة قصيرة قاربت مواضيع شتى منها السياسي والاجتماعي والنفسي وهو الطاغي. كما لوحظ  جرأة كبيرة في التطرق إلى مواضيع تبدو من التابوهات كزنا المحارم والمثلية الجنسية والعلاقة غير الطبيعية بين الآباء والأبناء إلى جانب ما أقدمت عليه بعض الكاتبات من الغوص في كابوسية سوداوية شارفت على أدب الرعب والفانتازيا في بعض الأحايين…استمع الحاضرين فى هذه الحصة الى جملة من النصوص منها « كافكا فى بيتى » لهشام الرضوانى . »كافكا حبيبي « لسوسن فرى » انت وراء كل معاناتى »لابتسام القشورى « افيون » لمعتز الزايرى »مازلنا نحيا » لرانيا ميزاوى « وجه جميل فى ممر مظلم » لاريج الامام « فى انتظار وديع » لوحيدة مقرانى…حصبة حب لاميرة بن احمد…..
ختم اللقاء كمال الرياحى بالاعلان عن برنامج الحصص المقبلة و الغرف الموالية: غرفة تشارلى تشابلن ثم تليها غرفة نيتشه …..
______
* قاصة وصحفية تونسية
Publié dans Uncategorized | Laisser un commentaire

كلب بن كلب لتوفيق بن بريك والأدب الشرير , كمال الرياحي

 

1424442_10152058956609874_723757111_n

 لم يكن صدور كتاب “ كلب بن كلب”، الصادر حديثا، للكاتب التونسي توفيق بن بريك  كأي اصدار آخر في تونس، ليس لأن الجمهور الذي تهافت على شرائه  كان ينتظر دائما جديد بن بريك ، المناضل اليساري الذي عرف  بصراعه الطويل مع الرئيس المخلوع بن علي، بل لأن الكتاب الجديد حمل مفاجأة كبرى وهي لغة الكتاب الذي جاء من الغلاف إلى الغلاف بالعامية التونسية. ولم يكن هذا كل شيء أيضا، إنما تأتي أهمية الكتاب في مراهنته على الدارجة أو العامية التونسية لمقاربة الواقع التونسي الاجتماعي والسياسي  في نفس حكائي ساخر وصادم كاسرا كل ضروب التقية معرضا الأدب لوحشية الخطاب في  المتداول اليومي التونسي.

ويأتي الكتاب الدارج الجارح “الذي هز ياقة اللغة”1 العربية ومس “اللحمة الحية” عند التونسي  في  شكل كتاب ساخر وساحر في شكل حكايه تداور الحياة بكل تفاصيلها وتمظهراتها السياسية والاجتماعية والثقافية. كتاب يعي تماما ما هو عليه ؛” حكايه في قلب الحكاية  على كائيها تحكي” قلب الحكايه”

 

بن بريك رائدا؟

لم يكن بن بريك رائدا في الكتابة الأدبية بالدارجة في تونس فقد سبقه إلى ذلك جماعة تحت السور  ومنهم محمد العريبي وعلي الدوعاجي وكذلك عبد العزيز العروي ومحمد البشروش  ثم جاء البشير خريف الذي راهن على العامية ودافع عنها بضراوة  ضد من اتهموه بالمحلية  ليأتي بعد ذلك رواد حركة الطليعة الأدبية  مع الطاهر الهمامي في “الحصار”  وصالح القرمادي  في “اللحمة الحية” والذين اختبروا قدرات الدارجة التونسية وامكاناتها وساندتهم في ذلك مؤسسات ووجوه بارزة في الساحة الثقافية نادت بتونسة الأدب التونسي.

ثم غامر عزالدين المدني ب”الانسان الصفر” قبل أن يكتب سيرته بالدارجة التونسية منذ سنوات فقط.

ولكن هذه التجارب وخاصة المتأخرة منها كانت مجرد تجارب تنحو بالأدب نحو التجريب فأسقطته من جديد في نخبوية جديدة داخل النخبة نفسها.

أما ما أقدم عليه توفيق بن بريك من سنوات وجسده بقوة في منجزه الجديد” كلب بن كلب” فهو اتاحة الأدب “لكل من هب ودب”، أي اشاعة الأدب بين كل أفراد الشعب والذهاب بالتجربة الأدبية نحو الشعبية لا الشعبوية، في جرأة لغوية نادرة  وهذا في الحقيقة ما حول من الأمريكي تشارلز بوكوفسكي  كاتبا شعبيا رغم رقي ما كتبه فنيا.

والحق أن الأدب العالمي والأمريكي تحديد كان من الآداب اللافتة  في هذا الشكل من التعاطي مع العامية  والتجاسر على “الفصحي” وتهشيمها داخل جملة جديدة منبعها المتداول اليومي فكانت جماعة “ البيت” مع كيرواك وغيره .

هذه القراءة تجعلك تتعرف على حقيقة التكوين الأدبي لتوفيق بن بريك قارئ جويس وهاضم ميللر وتشارلز بوكوفسكي وخريف والعريبي والوهراني والتيفاشي ودانتي وسيرفانتس.

كلب بن كلب: حكاية

وضع بن بريك كتابه تحت علامة أجناسية واضحة” حْكايه” ، وهو بتسكين الهاء في نهاية كلمة حكايه يؤرضن  التجربة في فضائها فاللهجة التونسية. كلمة حكاية تذكرنا بكلمة “فابل” الفرنسية  كما تذكرنا بحكايات الجدات والحكي الشفوي وحلقات الحي في مغربنا العربي والمشرق ؛ حلقات القوالين  في ساحة الفناء بالمغرب الأقصى وحكايات عبد العزيز العروي بتونس وحكايات المقاهي الشعبية الأدبية بتونس في القرن التاسع عشر.

ومن ثم يجذر  بن بريك نصه في منجز أدبي محلي وآخر عالمي ولكنه يضيف عليه مسحة من الجرأة  تجعل من نصه  مرادفا له، فلا يمكنك وأن تقرأ نص بن بريك المكتوب بالعامية وهي لغة العموم أن تتوقعه من غيره هو، وهذه المفارقة، كيف يمكنك أن تحافظ على نفسك وأنت تتجول في مدينة الأشباه. كيف  يمكن أكتشاف خصوصيتك  وأنت تحمل نفس القناع الذي يحمله من بحفل التنكر؟ إنه الأسلوب.

الأسلوب هو الرجل

الأسلوب هو الرجل عبارة فرنسية حفظناها عن ظهر قلب لبوفون يجسدها  بن بريك في كتابه “ كلب بن كلب” من خلال جملته التي تكسب الفجاجة فنية وتجعل من ايقاع الجملة يؤسس جمالية جديدة تقطع مع الجمالية القديمة للجملة العربية، فيستعين بن بريك بفنيات القص العربي القديم  كالسجع والجناس أحيانا لكتابة سرد حداثي  ليس بالمقامة ولا بسجع الكهان ولا هو بأدب الشذر ولا هو من نصوص الوان مان شو المعاصرة، أدب شرير تكتبه العامية  الضارية التي كانت تعجن في الأزقة والحارات كما يعجن  الطين تحت أقدام البائسين والمدقعين  ليؤخذ يوما لبناء دور الغرام والحرام والشراب يرتادها المعتوه والمخمور والمجنون وال”صباب” وسعد كوبوي.

سعد كوبوي شخصية تونسية صميمة

سعد كوبوي رجل  مر بأزمنة وأمكنة  شتى  اشتغل بمهن شتى من التهريب و تبديل العملة إلى الكتابة الصحفية والأدبية. رجل منفلت اللسان  يجوب العالم غير عابئ بالعواقب ، “هامل”  من الهوامل التي تجوب الطرق مثل شخصيات أفلام الوسترن الأمريكية بعد حرب الفيتنام والح ب العالمية الأولى. تقتحم الحانات وتثير الشغب ، تعنف وتتعرض للتعنيف وتمضي  بخساراتها لاكتشاف العالم. لا تخفي تعهرها بل ترفعه شعار مقاومة وفضح لما يدبر بالليل وتحت الطاولات وداخل الغرف الموصدة.

لم يكن سعد كوبي الا صوت اللاوعي التونسي الذي أخرجه بن بريك للعموم كما أخرج من قبله سلفادور دالي فضائحنا السرية من خلال لوحاته السريالية.

لم يكن سعد كوبوي، في النهاية،   بكل سيرته المعقدة والمركبة  شخص آخر غير توفيق بن بريك الذي تخفى وراءه كما تل الرمل  ليرمي بنباله  كما الشنفرى، الصعلوك الخارج عن قانون القبيلة ويطيح بالرؤوس تنفيذا لوعده القديم.  وكانت اللغة النابية نبل بن بريك التي تدمي وتؤل وتقتل..

حكايه بن بريك كتابة عارفة تعي نفسها وتحاورها وتناقشها لتنحرف بها عن سيرها  وتحرفها حتى تؤسس لكتابة ثورية جديدة تقطع مع القديم لتجترح للأدب التونسي طرقا أخرى يمكن أن يسلكه في مرحلة انتقالية على مستوى الرؤية للعالم وللذات.

قد لا تطيق قراءة  كتاب”كلب بن كلب” لتوفيق بن بريك لكنك لن تخرج منه كما دخلته. فالكتاب سيطيح لك بعدد غير قليل من قناعاتك ويحرجك ويخرجك من دغمائية الاتجاه. ويجعلك تسأل: “لماذا إلى الآن مازلت أفتح التلفزيون والإذاعة لأسمع منهم ؟” وكلما سمعت أحدهم أشرق في ذهنك “سعد كوبوي” دونكيشوت تونس الذي يأتي مترنحا كما بطل سرفانتس ليصارع طواحين الجهل الأسود الذي يأكل البلاد  وثورة العباد.

1 عبارة وصفت بها كتابات الفرنسي سيلين

المقال بالجزيرة نت

http://aljazeera.net/news/pages/75831778-793e-44e3-ba39-231012e2ed9d

 

Publié dans مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

« الغوريلا » لكمال الرياحي في مهرجان متوسطي بمرسيليا

صورة

وقع الاختيار على رواية « الغوريلا » للروائي التونسي كمال الرياحي ليحتفى بها في تظاهرة أدبية متوسطية كبرى بمدينة مرسيليا في إطار الاحتفاء بمرسيليا عاصمة أوروبية .

وسيقدم المترجم والجامعي الجزائري القدير لطفي نية رواية الغوريلا لكمال الرياحي يوم 18 أكتوبر 2013 بأحد مسارح مرسيليا مُترجمة إلى الفرنسية، ضمن تظاهرة أدبية دولية بعنوان » مرساة الحبر »، تقدّم فيها عدد من الروايات من البرتغال ، وإيطاليا ، وتركيا، وصربيا، والبوسنا ، وإسبانيا، وكرواتيا، ومصر، والمغرب، وتونس.

رواية  » الغوريلا » من منشورات دار الساقي اللندنية، وقد سبق أن قدمت الرواية في إيرلندا ،والولايات المتحدة ، وإنجلترا، وإيطاليا، والإمارات العربية المتحدة ، ولبنان ، ومصر ، والجزائر …وترجمت فصول منها إلى الانجليزية ، والبرتغالية ، والعبرية ،والفرنسية ،والإيطالية والإسبانية .

ورد في إعلانات تقديم هذه التظاهرة :

 » اتفق أعضاء المعهد الدّولي لمترجميّ الادب بمدينة آرل ، على التوغل في الأدب المعاصر الذي جاء من البلدان العربيه و من إسبانيا و البرتغال و إيطاليا و تركيا و صربيا و كرواتيا و البوسنة و الهرسك.
لقد تسلّحوا بقليل من الصبر و بالكثير من حب الإطلاع، و سألوا و اكتشفوا و قرأوا ثم ترجموا بأنفسهم أصوات أدبية جديدة إلى الفرنسية.
في متحف رياتو ، يوم 16 اكتوبر، زيارة موجّهة تقود المتفرج إلى هذه البقاع الأدبية المجهولة.
و المستكشفون يحاولون إماطة اللثام عن كل لقاء توصلوا إليه، لإخراج رحلة أدبية يكون لها صدى في فضاء الخيال الذي اقترحه المعرض.

يوم 18اكتوبر على الساعة الحادية عشر في مسرح لاكريي بمرسيليا سيكون هناك موعد مع رحلة ثانية تكون تيمتها  » ابتكار الواقع »، حيث ستكون القراءات على النحو التالي:

-عرب دانيال رويز غارسيا ترجمة و قراءة جوليا آزاريتا
-عمل يدوي حمادي ابو القليّل(مصر) ترجمة ماري شارتون
-كل الكوريزوس ستشوى ريكاردو ادالفو ترجمة ايلودي دابو
-مشاهد لتفاحة ايفانا سايكو ترجمه من الكرواتيه تيبو جوبار
-الغوريلاّ كمال الرياحي( تونس) ترجمه لطفي نيّة
-ماكاداميا نوت بريتل ريتشي/ فورت ترجمته صوفيه روايار
-ابن و روح قتلة البار كانيغوس ترجمه سيلان فورالار « .

http://www.thaqafat.com/News.aspx?id=6439&sid=18#.UlvAHCiIlOM

التاريخ : 2013/10/13 03:51:36

Publié dans news أخبار الكاتب, Uncategorized, الغوريلا | Laisser un commentaire

عمل سردي للكاتبة السينغالية أميناتا ساو فال « إضراب الشحاذين ».. رواية من عمق الهامش

غلاف الترجمة العربية لرواية « إضراب الشحاذين » للسينغالية أميناتا ساو فال (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
ظل الأدب الأفريقي على أهميته مجهولا لمعظم القراء العرب، رغم تنوعه فنيا ولغويا ومحتوى مكنه من النجاح في الحصول على جائزة نوبل مرات عدة كما هو الحال مع جون ماكسويل كويتزي ونادين غورديمر من جنوب أفريقيا وسوينكا من نيجيريا.
وتعتبر السينغال واحدة من أهم البلدان الأفريقية التي قدمت للعالم تجارب أدبية راقية لعل أهمها ما قدمه الرئيس الشاعر ليبولد سيدار سنغور.
المترجم التونسي جمال الجلاصي الذي سبق أن ترجم رواية « السيد الرئيس » للغواتيمالي ميغايل أنخل أستورياس، اختار منذ مدة الالتفات إلى الأدب الأفريقي ونقل إلى العربية الأعمال الكاملة لسنغور ورواية سينغالية غاية في الطرافة هي « إضراب الشحاذين » للكاتبة أميناتا ساو فال.
 »
الروائية فال تخلق من هذا الجنون الذي ارتكبه الشحاذون مأزقا لأحد أعضاء الحكومة الذي سيحتاجهم دون سواهم لتحقيق طموحه المهني
« 

المهمش حين ينتفض
وتعتبر فال إحدى القامات الأدبية في السينغال، عاشت مدة في فرنسا قبل أن تغادرها إلى بلدها ملتحقة بوزارة الثقافة، من أهم أعمالها « نداء ساحات الحرب » و »العائد » وغيرها، لكن « إضراب الشحاذين » تبقى رائعتها الروائية.

التفتت الروائية إلى مجموعة من المهمشين، الشحاذين، لتقتحم عوالمهم المعقدة، وتقاربها روائيا وتجعلهم يتصارعون مع السلطة صراعا استثنائيا. فتروي حكاية تمرد الشحاذين وإضرابهم عن العمل ورفضهم تقبل أي صدقات ورفع صحافهم.

تبدو الحكاية مضحكة، فماذا يعني أن يضرب الشحاذون المطاردون من قبل السلطة بسبب ما يخلقونه من قلق للناس وللسياحة، فهم مجموعة من « المتسولين، المجذومين، أصحاب الأجساد المريضة، الخرق المكونين للنفايات البشرية. فضلات الناس الذين يهاجمونك ويعنفونك.. » كما تورد الرواية.

غير أن الروائية تخلق من هذا الجنون الذي ارتكبه الشحاذون مأزقا لأحد أعضاء الحكومة الذي سيحتاجهم دون سواهم لتحقيق طموحه المهني.

ملصق فيلم « إضراب الشحاتين » المقتبس من قصة إحسان عبد القدوس (الجزيرة)

عبد القدوس وفال
يصاب بالدهشة من قرأ قصة « إضراب الشحاتين » لإحسان عبد القدوس أو شاهد الفيلم المقتبس منها، الذي حمل نفس العنوان، وقرأ بعد ذلك رواية أميناتا ساو فال, فالتشابه بين الحكايتين لا يقف عند العنوان فقط، بل تكاد الفكرة تكون نفسها.

كان إحسان عبد القدوس قد نشر تلك القصة في عدد من مجلة « روز اليوسف » عام 1957 بعنوان طويل « إضراب الشحاذين من أجل الوحدة والتضامن » تروي القصة حكاية تاجر كبير تعوّد أن يقيم وليمة في شهر رمضان يستقبل فيها الشحاذين ويطعمهم، غير أنه في تلك المناسبة من أحد الأعوام وبعد أن جهز كل شيء لم يطرق بابه أحد من الشحاذين.

يرسل التاجر خادمه يطلبهم من جامع السيدة زينب، فرفضوا الدعوة، وعندما سمع جوابهم غضب واعتبره إهانة ورأى أنه سوف سيصبح أضحوكة المدينة كلها وستبور تجارته، فهو الرجل الذي رفض الشحاذون دخول بيته، فأرسل خادمه من جديد بإغراءات جديدة تتمثل في خمسة قروش لكل متسول زيادة على الأكل، فجاءه الجواب المدوي من المتسول « نكلة »: لا لن نذهب إلا إذا أجيبت مطالبنا كلها.

ويهتف « أبو ذراعين (أحد الشحاذين) عاش التضامن، عاشت الوحدة، وقال « الأجرب » (أحد الشحاذين أيضا) إننا نطالب بحقوقنا في مال الأغنياء، والكرماء محتاجون للشحاتين كما أن الشحاتين في حاجة إلى الكرماء، ولولا الشحاذون ما كان هناك كرماء، فتمسكوا بمطالبكم، مطالبكم مطالب حق ».

هذا هو المشهد نفسه الذي نقرأه في رواية أميناتا ساو فال، قصة الوزير الذي طرد الشحاذين من المدينة ثم أخبره عرافه أنه سيصبح نائب الرئيس خلال ثمانية أيام إن قدم ثورا صدقة لسبعة وسبعين متسولا، وحاول بعد ذلك بكل الطرق استعادتهم دون جدوى حتى تنقل بنفسه إلى مخبئهم وهناك كانت مواجهة كاريكاتيرية لوزير يستجدي الشحاذين للعودة إلى الطرق وقبول صدقته التي فيها نجاته وفوزه بنيابة الرئيس.

وبعد مفاوضات طويلة تحمل فيها سخريتهم اللاذعة، وعدوه بالمجيء، ومن الغد كان الوزير يطوف المدينة بسبعة وسبعين كيسا من اللحم باحثا عن الشحاذين الذين واصلوا إضرابهم وأكدوا له قيمتهم في المدينة وتم تعيين غيره نائبا للرئيس.

 »
الرواية يمكن مقاربتها سوسيولوجيا، كما يمكن أن تكون نصا مثالا لناشطي حقوق الإنسان والمدافعين عن حق المتسولين في العالم
« 

المهمل والمنبوذ
حاولت الروائية السينغالية تفكيك فكرة ضرورة المهمل والمنبوذ وفلسفت فكرة التسول في جدلية هيغلية تذكرنا بثنائية السيد والعبد وأنه لا قيمة لطبقة اجتماعية إلا بوجود الطبقة التي تحتها أو فوقها، وليس القبيح قبيحا طوال الوقت فقد يكون ذلك القبيح حبل نجاتنا.

رواية يمكن مقاربتها سوسيولوجيا، كما يمكن أن تكون نصا مثالا لناشطي حقوق الإنسان والمدافعين عن حق المتسولين في العالم، فها هي إحدى الشخصيات تصرح « إذا كنا نتسول فلأن الفرص لا تتساوى عند جميع البشر، ولأن الأكثر ثراء عليه أن يعطي جزءا مما عنده للفقراء، هكذا تقول الديانات، بتسولنا نحن لا نطالب إلا بحقوقنا ».

يبقى أن هذا التشابه بين النصين غريب حتى في الإسقاطات السياسية وإن كنا لا نرجعه لا إلى سرقة ولا حتى إلى تناص، إنما نغلب أن أصل الفكرة ربما من المتداول الشعبي القديم وظّفه إحسان عبد القدوس في نصه المصري وساو فال في روايتها السينغالية، وتبقى الفكرة تجوب أفريقيا، فالقارة لم تبتعد كثيرا عن الهامش، وربما عبرتها إلى أصقاع أخرى من العالم.

المصدر:الجزيرة
Publié dans Uncategorized, مقالات في الصحافة العربية والدولية | Laisser un commentaire

نهج السرد

نهج السرد

Image | Publié le par | Laisser un commentaire